الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / رؤى واتجاهات معاصرة في كتابة تاريخ الموسيقى العربية .. “العراق أنموذجاً” ( 2 – 2 )

رؤى واتجاهات معاصرة في كتابة تاريخ الموسيقى العربية .. “العراق أنموذجاً” ( 2 – 2 )

المنطقة الشمالية (الجبلية)
وتتضمن المنطقة الشمالية (الجبلية) في العراق أو ما يطلق عليها بإقليم كردستان العراق، إذ نجد للغناء والموسيقى والآلات الموسيقية المرافقة لها امتدادا للحضارة التركية والفارسية والشمال الغربي من سوريا في محافظة دهوك ، وأربيل ، والسليمانية ، وتتضمن الثقافة الكردية بشكليها (الصوراني) السوراني والبهدناني. وتنتشر الآلات الموسيقية التي تعرف في المنطقة الشمالية من إقليم كردستان العراق حتى أفغانستان وجمهوريات آسيا الوسطى وشمال الهند وأشهر ما يميزها آلات موسيقية محلية مثل (الطنبور ، والساز ، والبالبان) (5، ص84-87).
في مناطق سوران في الشمال الشرقي من اقليم كردستان العراق ينتشر الغناء الكردي المنفرد الذي يطلق عليه (حيران). أما في بهدنان في الشمال الغربي من كردستان العراق فينتشر نوع من الغناء والموسيقى والذي يعرف بـ(اللاووك). إضافة إلى أنواع أخرى من الغناء كالــ(قتار) ، و(الله ويسي) ، و(الخورشيدي) ، و(الهوره) ، و(الشيخاني) ، وغناء وموسيقى البيئات المختلفة كالعمل ، والزراعة ، ومواسم الحصاد ، وجمع الحطب ، والرعي (7، ص99).
فضلاً عن ما جاء ذكره في أعلاه نرى في محافظة كركوك والموصل وصلاح الدين أداء أنواع مختلفة من الغناء والموسيقى الشعبية الأصيلة والمتوارثة جيلاً بعد جيل ، تنتشر بين أفراد المجتمع العراقي ويتم تداولها بعدة لغات كالعربية والكردية والتركمانية والآشورية ، وتؤدى من قبل الموسيقيين الشعبيين لمختلف هذه القوميات والطوائف والمذاهب والأديان المتآخية في مختلف المناسبات الاجتماعية العامة والخاصة والمواسم والأعياد والطقوس الدينية والدنيوية التي تقام على مدار السنة في تلك المناطق.

المنطقة الوسطى (بغداد)
وهذه المنطقة تتمثل بالعاصمة بغداد والمناطق المحيطة بها فقد تميزت وبرزت فيها العديد من الصيغ الغنائية والموسيقية المختلفة والمتنوعة ويأتي في مقدمتها المقام العراقي وما يرافقه من أغاني (بستات) ، إضافة إلى الأشكال الغنائية الأخرى كالمربعات ، والموشحات ، والقصائد ، والمنولوجات ، والأهازيج وغيرها ، والتي تعد من الفنون الغنائية والموسيقية التراثية العراقية الأصيلة التي لها من الخصائص اللحنية والإيقاعية التي تميزها عن باقي مناطق العراق والدول العربية والشرقية المجاورة له (8، ص15).
بعد تأسيس إذاعة بغداد عام 1936م وتوفر تسجيل الاسطوانات للعديد من المطربين والمطربات العراقيين وظهور دور السينما وعرض الأفلام السينمائية الموسيقية العربية والأجنبية ومن ثم انتشار الغناء الريفي والأطوار الأبوذية والأغاني المرافقة لها أدى كل هذا إلى انتقال الغناء البغدادي من عصر البستة إلى آفاق الأغنية الحديثة وتوسيع الفرقة الموسيقية وزيادة عدد العازفين والآلات الموسيقية المرافقة للغناء ، إذ ظهر تأثير واضح وتغيير شامل في بنية الأغنية وبروز ألوان جديدة من التلحين وظهور ما يسمى لاحقاً بالأغنية البغدادية الحديثة ، ومن ثم إنشاء مختلف القنوات الإذاعية والتلفزيونية والفضائية وتوفر تقنيات واستوديوهات التسجيل الحديثة وظهور العديد من التشكيلات والفرق الغنائية والموسيقية المتنوعة الأثر البالغ في تبلور الذائقة الغنائية والموسيقية في المجتمع البغدادي.
المنطقة الجنوبية:
وهذه المنطقة تشمل معظم محافظات الجنوب والفرات الأوسط مثل محافظة ميسان ، وذي قار ، والمثنى وتمتد إلى البصرة ومنطقة شط العرب في جنوب العراق ، وتتميز بشكل غنائي خاص وشائع ومتعدد في أنواعه من أطوار الغناء الريفي والابوذية ، وهي من أنواع الغناء الريفي المعبر عن الأحاسيس والمشاعر لدى سكان الأرياف والقرى في جنوب العراق عموما وتحاكي ذوقهم وإحساسهم الفطري ، المرتبط بالأرض وأجواء الزراعة والحصاد ، وقد جدد بعض مؤدي هذا الضرب الفولكلوري الغنائي في طريقة الأداء والتنغيم الإيقاعي (9، ص30).
ونتيجة لتعدد طرائق أدائه أطلق عليه مصطلح (أطوار الابوذية) وهو غناء ارتجالي استطرادي تبرز خلاله الإمكانية الأدائية للمغني ، وتسمى الأطوار بحسب المدينة التي عرف أو اشتهر بها أو ينسب إلى اسم عشيرة أو اسم شخص. وتؤدى الابوذية بدون مرافقة الآلات الموسيقية ويستعيضون عنها بالنقر على الصينية أو علبة الثقاب أو دق الأصابع أو الطرق على الطاولة أو أي أثاث خشبي ، كما دخلت في وقت متأخر آلة الطبلة بمرافقة الغناء عند بعض المؤدين (5، ص92).
وانتقلت الأطوار الابوذية والأغاني الريفية من الريف العراقي الى المدينة على يد عدد من المطربين والموسيقيين الريفيين ، منذ عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين بعد ورود عدد من شركات التسجيل الصوتي إلى العراق في بغداد والبصرة وتسجيل عدد من الأصوات الريفية المتميزة على الاسطوانات ، وبث مختلف الحفلات الغنائية للغناء الريفي من دار إذاعة بغداد اللاسلكية.

الاستنتاجات:
في ضوء ما تم التوصل إليه في متن البحث من معلومات ، نستنتج انه بعد التقدم التقني والتكنولوجي وانتشار أجهزة التسجيل المتنوعة والصغيرة الحجم وأشرطتها والكاميرات الرقمية ومختلف بطاقات الذاكرة الصغيرة (Micro SD Ram) وبطاقات الذاكرة الومظية (Flash Memory) أو أقراص الذاكرة المتحركة (Removable Disk) وغيرها ، فضلاً عن أجهزة الهواتف النقالة (Mobile) ذات التقنية الرقمية العالية في التقاط الصور وتسجيل الصوت وتصوير أفلام الفيديو بدقة عالية فضلاً عن رخص أثمانها ، ساعد كل ذلك المتخصصين والمهتمين والهواة على حد سواء بأرشفة وتوثيق تاريخ الموسيقى العراقية إلى حد بعيد خاصة إذا توفرت الإرادة وروح التعاون بين أكثر من شخص ، كل في منطقته التي يعيش فيها ويعرف لهجتها وثقافتها المحلية وأناسها وفنانوها وعاداتها وتقاليدها. ومن ثم إرساء روح تبادل الخبرات والمعلومات والبيانات والمدونات الموسيقية بينهم بروح الفريق الواحد ، أن كل هذا كفيل بجمع وتثبيت تاريخ الموسيقى والغناء العراقي بطريقة سليمة وبصورة تحفظه من الضياع والتشويه حقا.

التوصيات
وفق ما توصلنا إليه في استنتاجات البحث، نوصي بالآتي:
1. إصدار بحوث ودراسات وكتب ومؤلفات موسيقية علمية ومنهجية ، وذلك من خلال تكليف عدد من الباحثين والأساتذة الأكاديميين الأكفاء والمتخصصين في مجال دراسة تاريخ الموسيقى والغناء العراقي ، تعنى بكتابة تاريخ :
* المؤلفين الموسيقيين العراقيين وما قدموه من أعمال موسيقية خلال مسيرة حياتهم الفنية.
* تطور صناعة مختلف الآلات الموسيقية العراقية واستخداماتها وتأثيرها بالموسيقى تاريخياً خلال المراحل الزمنية المختلفة.
* الموسيقى العراقية وتنوع أشكالها وقوالبها الموسيقية المختلفة في كل عصر وإبراز ثوابتها ومتغيراتها.
* الطرق والأساليب والمدارس الموسيقية المختلفة بين العصور ومدى ارتباطها بمعطيات العصر الفكرية والفلسفية والفنية.
* تنوع النسيج الموسيقي واختلافه بين العصور الموسيقية المتعددة.
2. الإفادة من الكتب والمؤلفات في أعلاه كمصادر أو مراجع للدراسات المستقبلية الأولية والعليا والمقارنة.
3- عقد المؤتمرات العلمية، الاجتماعات الدورية ، والمهرجانات ، والندوات ، والملتقيات الموسيقية المختلفة ، وتنفيذ ما يتم طرحه من حلول ، ومقترحات ، وتوصيات بشأن كل ما يستجد من تحديث وتطوير يتطلبه ارتقاء تاريخ الموسيقى العراقية.
4- التنسيق وتبادل الخبرات والمعلومات والبيانات وكل ما يخص تاريخ الموسيقى العراقية بين الجهات، والمؤسسات، والدوائر الموسيقية ذات العلاقة ، وبين كل من الكليات والمعاهد والمدارس الموسيقية المتخصصة ، وبمشاركة نقابات الفنانين واتحادات الموسيقيين، ومختلف منظمات المجتمع المدني للمساهمة في التعاون والعمل على تنظيم وتوحيد جهودها ماديا ، ومعنويا ، وتوفير كافة الأجهزة والمستلزمات المطلوبة.
5- تأسيس مكتبة الكترونية ضخمة تظم كل ما يتعلق بالأعمال الموسيقية والقيام بمسوحات الميدانية اللازمة للتسجيلات والأرشفة الموسيقية من تسجيلات صوتية (( اسطوانات شمعية، اسطوانات بلاستيكية، أشرطة تيب من نوع الريل ، أشرطة كاسيت، اسطوانات ليزرية مدمجة (CD) أو (DVD) ، ملفات رقمية متنوعة ))، أو أفلام تسجيلية ، فيديو ، صورية ، صور فوتوغرافية ، كتب ، وثائق ، مخطوطات ، مدونات موسيقية (نوتات) قديمة ، وبحوث ، ومحاضرات موسيقية ، ومطبوعات وإصدارات مقروءة ، ومسموعة ، ومرئية ، فضلا عن المقالات والدراسات المتنوعة في مختلف الصحف والمجلات الموسيقية.
6- تشجيع كافة الباحثين والخبراء الموسيقيين في الدول العربية والشرقية والأجنبية على دراسة تاريخ الموسيقى العراقية ومساعدتهم بتقديم التسهيلات والتجهيزات الممكنة وتشجيع دور الترجمة لترجمة كل ما كتب حول تاريخ الموسيقى العراقية والمؤلفات الصادرة بشأنها بمختلف اللغات الحية.
7- تكريم الفنانين والموسيقيين والباحثين والمؤلفين المبدعين اعتزازاً وعرفاناً بما قدموه خلال مسيرة حياتهم الفنية بمنحهم الجوائز والشهادات التقديرية المادية والمعنوية.
8- إقامة المعارض الدورية للآلات الموسيقية والإيقاعية المستخدمة في الموسيقى العراقية.
9- إصدار المطبوعات الموسيقية المختلفة، مجلات، دوريات، كتب ، مدونات موسيقية ، نشرات موسيقية، إعادة طبع المؤلفات القديمة، شرح وتحقيق وتنقيح وطبع المخطوطات التاريخية النادرة والقديمة، إصدار الموسوعات الموسيقية المصورة، معجم الموسيقى العربية، الأطلس الموسيقي ، قواميس موسيقية من والى العربية لمختلف اللغات العالمية الحية.
10- التخطيط لإرسال البعثات والدراسات الموسيقية العليا الى الدول المتقدمة، وتوحيد المصطلحات الموسيقية، وتشجيع البحث والدراسات وحركة النشر الموسيقية.
11- إفادة الباحثين والتدريسيين وإرشادهم إلى استخدام التقنيات الحديثة في مجال التاريخ الموسيقي العراقي وفي اقتفاء الأثر، والبحث ، والتنقيب ، ومحاولة التطوير والنهوض وعدم إتباع الطرائق التقليدية في كتابة التاريخ المعاصر للموسيقى العراقية.
12- الحفاظ على تاريخ الموسيقى العراقية من الضياع والتشويه والاندثار بفعل مرور الأيام ، والمتغيرات الاجتماعية ، والثقافية ، والسياسية ، والاقتصادية. فضلاً عن وسائل الإعلام المقروءة ، والمسموعة ، والمرئية ، والفضائية التي دخلت كل بيت تقريبا وبدأت تلعب دورا كبيرا في تشكيل لما اصطلح على تسميته بالغزو الثقافي.

المصادر والمراجع:
1- الجزراوي ، مهيمن إبراهيم. الفنان الشعبي ودوره في المجتمع العراقي ، مجلة التراث الشعبي ، العدد (1) السنة الحادية والأربعون ، مجلة فصلية تصدر عن دار الشؤون الثقافية العامة ، وزارة الثقافة ، بغداد ، 2010م.
2- الجزراوي ، مهيمن إبراهيم. ملامح الموسيقى العراقية في القرن العشرين ، بحث غير منشور تم إلقاءه ضمن فعاليات البيت الثقافي في أربيل – إقليم كردستان العراق التابع لدائرة العلاقات الثقافية العامة – وزارة الثقافة بتاريخ 24/10/2011م.
3- طارق حسون فريد. واقع تعليم الموسيقى وتعلمها في كلية الفنون الجميلة/جامعة بغداد ، بحث منشور ، مجلة الأكاديمي ، العدد (48) ، مجلة محكمة فصلية تصدر عن كلية الفنون الجميلة – جامعة بغداد ، بغداد ، 2008م.
4- الجزراوي ، مهيمن إبراهيم. الموسيقي الشعبي ودوره في المجتمع العراقي من وجهة نظر طلبة قسم الفنون الموسيقية ، مجلة القيثارة ، العدد (18) ، مجلة فصلية تعنى بشؤون الموسيقى تصدر عن دائرة الفنون الموسيقية – وزارة الثقافة ، بغداد ، كانون الأول ، 2010م.
5- شهرزاد قاسم حسن. دراسات في الموسيقى العربية (الموسيقى العراقية) ، ط1 ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، دار نعمة للطباعة ، بغداد ، 1981م.
6- الجزراوي ، مهيمن ابراهيم. تاريخ الموسيقى وعلاقتها بالبيئة ، محاضرة موسيقية تم إلقائها في قاعة قسم الفنون في دائرة الثقافة وفنون الشباب التابعة لوزارة الشباب والرياضة – في ندوة موسيقية ، ضمن نشاطات اقامة ورشة تثقيفية للفنون الموسيقية بالتعاون مع قسم الفنون الموسيقية /كلية الفنون الجميلة/جامعة بغداد للقاء بمسؤولي دوائر الثقافة والفنون ومنتسبيها في مديريات محافظات القطر ، بتاريخ 21/6/2009م.
7- حسين قدوري. الموسوعة الموسيقية ، شركة المنصور للطباعة المحدودة ، بغداد ، 1987م.
8- الجزراوي ، مهيمن إبراهيم. الخصائص اللحنية والإيقاعية في الأغاني المرافقة للمقام العراقي ، رسالة ماجستير منشورة ، ط1 ، مطبعة الأنعام ، بغداد ، 2004م.
9- أحمد جهاد خلف. الخصائص الموسيقية لأغاني أطوار الأبوذية ، رسالة ماجستير غير منشورة ، جامعة بغداد ، كلية الفنون الجميلة ، قسم الفنون الموسيقية ، 1998م.
10- ميسم هرمز و كونا قادر. المحتوى التاريخي للمواد الدراسية في قسم الفنون الموسيقية ، بحث غير منشور مقدم إلى المؤتمر العلمي الحادي عشر لكلية الفنون الجميلة – جامعة بغداد ، 2011م.
11- الفهداوي ، صالح احمد. أسس تدريس التربية الموسيقية ، بحث غير منشور مقدم إلى المؤتمر العلمي الحادي عشر لكلية الفنون الجميلة – جامعة بغداد ، 2011م.

مهيمن إبراهيم الجزراوي
كلية الفنون الجميلة – جامعة بغداد

إلى الأعلى