الأحد 17 ديسمبر 2017 م - ٢٨ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / البحيرة: وحدة النواة وتعدد الروايات

البحيرة: وحدة النواة وتعدد الروايات

“البحيرة” هو الوسم الذي أطلقه الشاعر الفرنسي ألفونس دي لامارتين (1790-1869) على قصيدته المشهورة التي أصدرها ضمن ديوانه تأملات شعرية، وكان لامارتين قد أنشأ هذه القصيدة في افتقاده حبيبته التي التقاها قبل عامٍ من قوله القصيدة على بحيرة بورجيه بفرنسا، إذ عاد إلى هذه البحيرة فانتشت في داخله ذكرى اللقاء ممزوجة بألم فقده حبيبته والوحدة التي تتلبسه، وأعاد لامارتين سرد هذه القصة التي أثارت في داخله القصيدة في رواية له بعنوان (رفائيل) يجعل فيها لحبيبته اسم (ألفيرا)، ويتقمص هو شخصية رفائيل. توارد على ترجمة “البحيرة” جملة من النقاد والشعراء، تنوعت ترجماتهم بين الموزون والمنثور، نذكر منهم على سبيل التمثيل إبراهيم ناجي، وأحمد حسن الزيات، وأحمد أمين وزكي نجيب محمود في ترجمة مشتركة، وإضافة إليهم لدينا بين أيدينا خمس ترجمات: ترجمتان موزونتان إحداهما لعلي محمود طه، والأخيرة لنقولا فياض، وثلاث ترجمات منثورة لكل من محمد غنيمي هلال ومحمد مندور والهادي الطرابلسي. قبل الولوج إلى متون النصوص الموجودة بين أيدينا ينبغي التصدير بأننا أمام ترجمات، أي روايات مختلفة لنص واحد، وحينئذٍ فإننا أمام روح متلبسة برائحة المترجم، فهي ليست الروح الخالصة للنص إذن، ثمة اقتراب وابتعاد منها، ولكن المطابقة أمر عسير إن لم نقل مستحيل، فالمترجمون نوعان: نوع يتشبع بالنص المصدر فينقل روحه لا لفظه، ونوع آخر يخلص للنقل الحرفي للنص من لغة المصدر إلى لغة المورد، وأمر بقاء شعرية النص في إنتاج كلا النوعين موكول إلى حُسن تطويع النص الأصلي وفق مقتضيات شعرية اللغة المورد. لدينا ترجمتان موزونتان للبحيرة لشاعرين: نقولا فياض (1871-1930)، وعلي محمود طه (1902-1949) وهو من الشعراء المصريين الرومانسيين، وثلاث ترجمات منثورة لثلاثة نقاد : محمد مندور (1907-1965)، ومحمد غنيمي هلال (1916-1968)، ومحمد الهادي الطرابلسي أمد الله في عمره، واللافت للنظر أن الشعراء لجأوا إلى ترجمة النص شعرًا موزونًا مقفىً، مع اختلافٍ بيانُه التزام نقولا فياض قافية واحدة تعتمد روي النون، واعتماد علي محمود طه على المقاطع متعددة القوافي، بينما ترجم النقاد النص نثرًا، ولعل مرد الأمر في كل ذلك إلى حِرفة النقد وروح الشعر، فبينما يسكب الشاعر على النص روحه يُخلص الناقد لِحِرَفية النقل، وبينما يجد الشاعر في ترجمته إضافة إلى رصيده الشعري، ينظر الناقد إلى الترجمة على أنها خيانة لا بد منها إلا أنه يريدها في حدها الأدنى للبقاء على الروح الأصلية للنص. على أن كلمة ينبغي أن تقال هنا حول فارق مهم بين الترجمة الموزونة والترجمة المنثورة، إذ يُحتم الشكل الموزون على المترجم التزام إكمال الوزن حتى وإن انتهى نَفَس الشطر الشعري دون ذلك، وهو ما لا نجده حين التزام النثر، حيث الحرية على مصراعيها مفتوحة كما يُفترض؛ ولذا من المسوّغ لنا أن ننظر إلى الترجمة المنثورة أنها الأقرب إلى النص الأصلي، ما لم نجد في الترجمة الموزونة ما يدحض ذلك من عبقرية الشاعر وتمثّله روح النص الأصلي وامتلائه بشعريته، وهو أمر سيحكم عليه تناولنا الآتي للترجمات. كل الترجمات التي بين يدينا تحتفظ بالهيكلية الأصلية للنص، عدا ترجمة محمد غنيمي هلال التي جاءت مختزلة إلى حدٍّ كبير، فالنص بتمامه يمر بالمراحل الآتية، تتضمن أثر مرور الدهر ونداء البحيرة وبثها الشعور بالوحدة والفقد ، وذكرى لقاء الحبيبة على البحيرة ، وكلام الحبيبة، والعودة إلى مخاطبة البحيرة، وعتاب للدهر، ومناشدة البحيرة والحجر والكهوف والغابة بالتذكر، وتأكيد الحب، بينما تكتفي ترجمة غنيمي بالمقاطع “أثر مرور الدهر ونداء البحيرة وبثها الشعور بالوحدة والفقد، وعتاب للدهر. وفي حين التزام الترجمات الباقية هذه الهيكلية تتشكل الفوارق بينها في المقاربة اللغوية التي توضّح بؤرة اهتمام المترجم بما يسهم في ابتناء شعرية النص وفق الالتزام قدر المستطاع بما يقوله النص في لغته المصدر.
تتقوّم كل الترجمات في بدئها ببث الشعور بالأثر الذي يتركه الدهر في النفس، في تعابير تقترب كثيرًا من بعضها بعضًا، مع تميز لترجمة الطرابلسي بإضافة لفظة دينية هي لفظة “القضاء”. حتى إذا وصلنا إلى مشهد التجديف الذي سيعقبه قول الحبيبة تقدّم بعض الترجمات مشهدًا عجائبيًا ينبئ بالمنزلة التي تتبوأها الحبيبة في النظرة الرومانسية، إذ المرأة كالطبيعة مفرٌّ ومكمن سرِّ الحياة:
يقول فياض عن هذا المشهد:
إذا برنّة أنغامٍ سُحـــــــــــــرتُ بــــــها *** فخلـــــــتُ أن الملأ الأعلى يُناجينــا
والموجُ أصغى لمن أهوى وقد تركـت *** بهذه الكلمــــــات الموجَ مفتــــــونـا
إذ يجتمع في الإصغاء الشاعر مع الموج، الإصغاء لصوت يمتلك من السحر ترنيمه وفعله. أما علي محمود فيكتفي في وصف أثر الصوت بأنه “لم يعوّد سماعه أنسيُّ” بعيدًا عن ذكر الأثر الذي سيتركه في المُنصتين، وقريب منه يفعل مندور حين يصفه بأنه “أصداء نغماتٍ تجهلها الأرض”. بينما يفرش الطرابلسي فرشة مشهدية تؤجج عجائبية الصوت:
“وفجأةً دوّت الأصداء في الشاطئ المسحور،
بنبرات عن الدنيا غريبة
فتسمّعت الأمواج، وجاء الصوت الحبيب
بهذه الكلمات العجيبة”
فالشاطئ في حدّ ذاته مكان للسحر، محفّز له، والصوت مدوٍّ في فراغ كرجع صدى يأتي من بعيد، بُعد المرأة في سرها عن دنس الدنيا، بُعد المقدّس عن المدنس بلغة أقرب إلى الصوفية. إن هذا الاختلاف في التناول لصوت الحبيبة يوضّح اختلافًا في تمثّل هذا الملمح المهم لدى الرومانسيين، أقصد ما ذكرته أعلاه عن مكانة المرأة، وعند هذا بالضبط سيأتي الاختلاف في وصف قدمي الحبيبة:
ففي حين لا يصفهما فياض بأي وصف، ولا يرد ذكرهما أبدًا عند علي محمود طه، يجعلهما محمد مندور معبودتين، وينعتهما غنيمي هلال بـ”العزيزة”، بينما يجعلهما الطرابلسي “ساحرتين”، إذ تلك المكانة المفارقة بين عِظم المرأة ودونية الأرض، وهي كلها ملفوظات تبتني صورة مهيبة للمرأة العارفة بسر الحياة، الموكولة بالسحر والفعل في الوجود.
يرتكز خطاب الحبيبة في كل الترجمات التي ذكرَتْه (لم تورده ترجمة غنيمي هلال) على مناشدة الزمن بالتوقف للامتلاء بلحظات الحب، حتى تبقى سعادة السعداء؛ ولذا يصل النداء باغتنام الفرصة عند فياض إلى القول:
فلنغنم الحبَّ ما دام الزمان بنــــا *** يجري ولا وقفةٌ فيه تُعـــزّينــــــا
وعند علي محمود طه:
فلنحبّ الغداةَ ولنحْـي حبًّــــــــا *** ولنكن في الحياة بعضًـــا لبعــضِ
وعند مندور:
فلنحب إذن. فلنحب!
وعند الطرابلسي:
الحبَّ ! الحبَّ! ألا فلنهب للذة الغامرة!
المرأة وحبها هما مركز النص إذن، وعنهما يصدر كل إشعاع النص، تبتدئ القصيدة لتبتني هذا الأمر في قول الحبيبة، ثم يكون ما بعد هذا القول صدى مردّه الحاجة إلى التذكر الخالد لهذا الأمر، وتقدّم لنا جميع الترجمات التي ذكرت قول الحبيبة مسوّغًا لنداء الامتلاء بلحظات الحب، إنه مسوّغ تقضي الزمن، فيجعله نقولا فيّاض أمرًا حاصلاً، أي أن الزمن قد تقضى فعلاً:
أقول لليل والفجر يطــــــــــرده *** ممزقـــًا منه سترًا بــات يخفينــا
والأمر نفسه يورده علي محمود بقوله:
أسفـــــًا للصبـــا وغرّ الليالي *** ليس يُبقي على صِباهنّ فــجـــرُ
ومثلهما يفعل الطرابلسي:
“إلا أن الليل تقلّص والصبح تنفس”
بينما يورده مندور بتعبير يوحي بوشك الأفول لا تحققه:
وأقول لهذا الليل تمهّل
والفجر سيبدد الليل
إذ ما يزال الأمر مهيبًا غير متحقق.
تقدّم جميع هذه الترجمات جدلية بين الزمن والحب، إذ مرور الزمن دومًا مرتبط بانتهاء سعادة الحب، ومن هنا معاناة الإنسان من جريان الزمن وعدم توقفه، فيستعير بعضها للإنسان في علاقته بالزمن صورة المسافر في بحر لا مرفأ فيه:
يقول علي محمود طه:
إننا في الحياة في عرض بحـــرٍ *** ليــس نُلقي المرســاة فيه بــأرض
مــا به مرفــأٌ يبين ولــكـــــــــن *** نحن نمضي في لجة وهو يمضي
ويقول مندور :
فالإنسان لا مرفأ له، والزمن ماله شاطئ
إنه ينساب وننساب معه
والطرابلسي يوردها بالصيغة الآتية:
ما للإنسان مرفأ، ولا للزمان مرسى!
بينما يغيب هذا التصوير في ترجمتي محمد غنيمي هلال ونقولا فياض.
الإنسان إذًا مجبولٌ على هذا الفقد، فقد الحب والحبيبة؛ إذ المعادلة في جدلية الحب والزمن في صالح الزمن، سطوة الزمن وجبروته الأزلي، وحينئذٍ فلا بقاء إلا للتذكر، تذكر المحب للحبيبة، تذكرها عبر كل تلك الطبيعة التي احتضنت ذاك الحب، تذهب المرأة وتظل الطبيعة، فيبحث المحب عن تلك المرأة في الطبيعة، حيث فناء الأولى بكيانها المادي وبقاؤها في هالة حبها عبر هذه الطبيعة الخالدة، ها هنا بالضبط تبرز الجدلية الأخرى التي ترجّح كفة الحب في الجدلية الأولى، كفة الحب على الزمن، ومن هنا يرتفع صوت المناجاة للطبيعة الخالدة، مناشدتها ببقاء التذكر للحب الذي نضح من قلب تلك الحبيبة، فينادي الشاعر عند نقولا فيّاض البحيرة وحدها بالتذكر، بينما يجعل علي محمود النداء مصدّرًا إلى “الغابة الظليلة” أيضًا، ويشترك كل من محمد غنيمي هلال ومحمد مندور والطرابلسي في جعل النداء موجهًا إلى عدة مكونات لبيئة البحيرة :البحيرة، والصخور والكهوف والغابة المظلمة، مع اختلاف طفيف في التعبيرات، وتميز للطرابلسي باستخدامه لفظة “بنت البحر” مكان “البحيرة”، مستلهمًا ذلك من لفظ . وهنا ملمح مهم، وهو أن الترجمات الموزونة تلجأ أحيانًا إلى مطّ الصور الأصلية لتغطية مساحة أوسع يظن المترجم أنها أحرى بإيصال الشاعرية، فعلي محمود طه مثلاً يورد خطاب البحيرة وما إليها من مفردات الطبيعة في 16 عشر بيتًا أي 32 شطرًا، بينما هي لا تتجاوز في أطول ترجمة نثرية بين يدينا 16 سطرًا لدى الهادي الطرابلسي، على أن فياض استطاع أن يورد الأمر نفسه مع تغيير في الخطاب في 9 أبيات (18 شطرًا). تختتم كل الترجمات عدا ترجمة غنيمي هلال النص بتأكيد للحب ، عودٌ على بدء إذًا، حيث حب المرأة ملجأ نجاة، فيورده فياض بصيغة:
أحبها وأحبته ومــا سلما *** من الردى، رحم الله المحبينــــا
في عودٍ واضح لفكرة الفقد
بينما علي محمود يورده على النحو الآتي:
ليكن هاتفٌ من الصوت يتلو: *** قد أحبــا وأخلصا ما أحبـــا
ومحمد مندور يورده بقوله:
ليتردد في كل هذا : أنهما كانا حبيبين
أما الطرابلسي فيقول:
ولنقل جميعًا: إنهما عشقا عشقًا!
فنقولا يجعل التأكيد في صيغة بعيدة عن مقول القول، بينما يجعله علي محمود على هيئة هتاف قادم من مكان مجهول، وهو الأمر نفسه مع مندور، أما الطرابلسي فيجعله قولا محكيًا على لسان متكلمين، حيث الاتحاد بين الطبيعة والذات:
فلتشهد الريح العاصفة، والقصب الزافر،
فليشهد نسيمك العليل يضوع الطيب منه في أرجائك،
فليشهد كل ما نسمع، ونبصر، وننشِق نشقًا،
ولنقل جميعًا: إنهما عشقا عشقًا!
لدينا إذن نص واحد توالت عليه عدة ترجمات، روته بروايات تتشابه في معظمها في الهيكل العام، حيث تحتفظ ببنية النص، إلا أنها تختلف في تناول بعض المعطيات الشعرية، ثمة اختلاف في النظرة إلى المرأة، وتمثل النظرة الرومانسية التي تجعل الطبيعة تتماهيًا مع الذات، وهو ما وجدناه أيضًا في عرض جدلية الزمن والحب، كلُّ مترجم كان يعرض لنا النص من وجهة نظره هو، كما يفهمه ويتملاّه.
ولاحظنا أيضًا ذاك الفارق بين الترجمات الموزونة والترجمات المنثورة، وما قد يفرضه أحيانًا الشكل الموزون من مضايقَ تستدعي الإطالة أو الاختزال، على الرغم من أننا لم نلحظ الكثير من هذا في الترجمتين المتقنتين اللتين بين يدينا لعلي محمود ونقولا فياض.
يبقى أن العودة إلى النص الأصلي لمقارنته بهذه الترجمات أمر مطلوب للدقة في النتائج، إلا أن دون ذلك امتلاك ناصية اللغة الفرنسية التي عليها النص، وهو ما لا نتوفّر عليه الآن ونحن نمارس فعل القراءة لهذه الترجمات.
أخيرًا نقول إن ديوان تأملات شعرية هو الديوان الذي سيُعدُّ فاتحة العصر الرومانسي في الأدب الفرنسي، مختتمًا بذلك عصر الأدب الكلاسيكي. وقد حظيت قصيدة “البحيرة” -كما رأينا- بالكثير من الترجمات إلى اللغة العربية؛ لما تقدّمه من صورة واضحة المعالم للأدب الرومانسي، حيث اتضح لنا من تناولنا السابق تكريس الطبيعة الملجأ التي تجد فيها الذات نفسها، فتستحيل حاضنًا تفرش عبرها الذاتُ كل ما يعتمل في داخلها على نحوٍ يشفّ عن غنائيةٍ بعيدةٍ عن ملامح الوصف الموضوعي، وحيث الجمع الفذ بين هذه الطبيعة والمرأة المقدّسة.

مبارك الجابري

إلى الأعلى