الثلاثاء 19 سبتمبر 2017 م - ٢٨ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / سالم البوسعيدي لـ “أشرعة”: الشعر هو روح تجربتي كلها وبه أجدد روحي وأستمتع بمعنى الحياة والحقيقة

سالم البوسعيدي لـ “أشرعة”: الشعر هو روح تجربتي كلها وبه أجدد روحي وأستمتع بمعنى الحياة والحقيقة

عُمان كيان مستقل منذ طفولة التاريخ له تاريخه المستقل وهويته الخاصة والحضارة العمانية أيقونة مشرقة من أية جهة نظرت إليها

لا أشعر بتغيير في الاحتفاء بنزوى عاصمة الثقافة الإسلامية نحن نقع في ذات المشكل حين احتفلنا بمسقط عاصمة للثقافة العربية، ليست هناك
استراتيجية واضحة المعالم، عدا ندوات عابرة، كانت تقام في السلطنة من قبل

ما دفعني لتأليف “الجامع في الأدب العماني القديم والوسيط” هو الشكوى من شحة المصادر المكتوبة المعنية بعُمان والعُمانيين ونشاطهم الحضاري

حوار ـــ خميس السلطي:
المتتبع لحياة الشاعر والباحث الأديب سالم بن سعيد البوسعيدي، يرى النتيجة الإيجابية التي تأتي نتيجة الإشتغال على الذات، في هدوء وبعيدا عن الضوضاء، فالبوسعيدي، لديه من الإصدارات المعرفية الفكرية والشعرية ما يتجاوز الـ 25 إصدارا، كماً ونوعا، فهو يحاول أن يكون في كل الحقول الأدبية والتي من شأنها تضيف الى المكتبة العمانية الكثير، حيث الفكرة الخلاّقة والتفسير والبحث والتقصي، عرفته الساحة الأدبية في السلطنة كونه شاعرا خاض الكثير من المسابقات الأدبية والشعرية، إلا إنه حاول تجاوز هذا المسار ليصل إلى الفقه والتفاسير وعلوم الحديث وتنمية الذات، إضافة إلى أدب الطفل بأنواع مختلفة.. لمعرفة الكثير من التفاصيل حول الكاتب ونتاجه الشعري الفكري والأدبي، كان هذا الحوار الذي حاول هو الآخر أن يوجد منفصا في طرحه وإجاباته على تساؤلاتنا …

• أيام قليلة مضت على إسدال الستار على الدورة العشرين لمعرض مسقط الدولي للكتاب، حيث كان حضورك الأدبي قويا من خلال العديد من عناوينك المتنوعة المهمة، نود التعرف على هذا الحضور والإضافة التي خرج بها الكاتب والباحث سالم البوسعيدي؟
- معرض الكتاب هو التظاهرة الأكبر والأجمل ثقافيا في عمان، بل هو منتدى فكري ليس بما يحويه من كتب هي عصارة الفكر البشري، ولكن أيضا بما يتضمنه من لقاءات ومناقشات، وتبادل آراء وأفكار، واحتكاك بين الكاتب والقارئ. وكان لي هذا العام ثلاثة إصدارات، وهي الجامع في الأدب العماني (في ثلاثة مجلدات) وهو أول كتاب يحاول تقديم نظرة عامة شاملة عن الأدب العماني، لا ترهق المتلقي العادي وتمتع الناشئة والعامة على السواء، وهو رصد لتطور الأدب العماني عبر عصوره التاريخية منذ عصر ما قبل الإسلام وحتى الوقت الرهن، مقدما إضاءات حول الشعر والنثر ونماذج استشهادية ونماذج محللة تحليلا بسيطا، مراعيا جانب المتعة والتنوّع. أما الإصدار الثاني فهو الجوهر في التاريخ العماني المصوّر، وهو محاولة جادة لتقديم التاريخ العماني بشكل مختلف يجمع بين نواحيه السياسية والثقافية والحضارية والعلمية، مع حضور الصورة المعبّرة، والفكرة الواعية، والأعلام المؤثرة. والإصدار الثالث هو الموجز في التاريخ العماني، الذي يأتي ضمن سلسلة مكتبة الأسرة المكونة من عشرة كتب تخاطب الأسرة، ولكنه ينزل مفردا إلى المعرض هذا العام، وهو بالفعل يصلح للمواطن وللسائح، ليعلم تاريخ عمان، وقد وضعته بطلب من بعض السائحين في البلد، ليكون كتابا سهلا مبسطا لا يهمل أي مرحلة من مراحل التاريخ.
• أنت إلى جانب كونك باحثا ومؤلفا لديك أكثر من 27 مؤلفا في علوم شتى، فأنت أيضا شاعر وقد عرفناك منذ فترة ليست بالقصيرة، دعنا نتحدث عن تجربة الشعر لديك؟ أين أوصلتك هذه التجربة؟
- الشعر، هو روح تجربتي كلها، انطلقت معه، وعشت في رباه، ولي ثلاثة دواوين “نبض الحروف”، و “بائعة التمر”، و “التنفس تحت الماء”، وأظن أن الناس عرفوني شاعرا قبل أن يعرفوني كاتبا، ولئن صرفني البحث عن الشعر أو كاد. لكنني أحاول أن أتشبث ببعض اللحظات، لأبقى مع الشعر، فأجدد روحي وأستمتع بمعنى الحياة، والحقيقة أني أحس بين الفينة والأخرى بحاجتي للشعر، لأتجدد وأتلذذ بمعان لا يشعر بها إلا الشعراء. وأشعر انني ظلمت نفسي كثيرا بانصرافي عن الشعر.
وأرجو أن أعود للشعر أو دعني أقول أن يعود لي.
• في الإطار ذاته ولكي نكون أكثر قربا من الشعر، فبكل تأكيد للملتقى الأدبي الذي شاركت به ذكريات جميلة بحق، نود أن تخبرنا عنها، ما هي المحصلة الأدبية التي لا تزال تحتفظ بها لليوم من هذه الاحتفالية الثقافية؟
- لقد كانت أياما جميلة حبلى بالمودة والتجربة والتواصل والإبداع، ويكفيني من هذه التجربة أن جمعتني بأسماء فاعلة في المشهد الثقافي العماني الحالي، في جانبيه الإبداعي والصحفي أمثالكم. كانت تجربة رائعة بكل ما تحمله الكلمة من دفء وحلم ودهشة، وأنا مدين لهذه الملتقيات والمهرجانات بالكثير الكثير من جماليات تجربتي الشعرية. أذكر ملتقيات صلالة وصور والبريمي ونزوى ومسقط، وهي تحتضن أمسيات جميلة كغيمة ماطرة إبداعا ومودة وتواصلا. أذكرها باعتبارها محطات مهمة مؤثرة في كل مفاصل حياتي شاعرا أو كاتبا أو باحثا على السواء.
• المتتبع لسيرتك الأدبية ينبهر بجد وهنا أتحدث عن الجانب النوعي، فأنت تملك هذا الكم الكبير من المؤلفات ولكنك بعيد عن الضوضاء والفرقعة الإعلامية، هل نقول أن هناك جفاء حاصلا بينك وبين الإعلام؟ أم أن هناك اشياء أخرى تود أن تطلعنا عليها؟
- دعني أصارحك، أنا لا أحب الإعلام والظهور، أحب حياتي البسيطة، في أدم بين صحاريها وواحتها، أحب الهدوء وأعشق الحرية، ولهذا ابتعدت عن مسقط، ولا أحضر إليها إلا مضطرا، لدي هاجس من الضوضاء، وخوف من فرقعات الإعلام، ورغم ذلك أنا لا أمانع من إجراء أي لقاء، فقد كانت لي لقاءات عابرة في حلقات بعنوان “أسماء في التاريخ”، وكتبت للتلفاز بعض الأناشيد، وكانت لي مشاركات في برنامج “درس على الهواء”، ومشاركات في الإذاعة وحوارات حول ندوات علمية وفكرية، كما إنني شاركت في عدة ندوات علمية أقامتها جهات حكومية كندوات “أدم عبر التاريخ”، و ندوة “قراءات في فكر الشيخ درويش بن جمعة المحروقي”، وندوة “قراءات في فكر الشيخة عائشة الريامية”، وندوات تربوية وفكرية وأدبية.
- ودعني أصارحك مرة أخرى الكاتب في بلادنا ليس له حظ من الإعلام دام أنه بعيد عن مسقط، وأنا قبلت بهذه المعادلة وفضلت الهدوء.
إضافة إلى أمور أخرى تخفيها كواليس الإعلام، وملفاته السرية لا علم لي بها.
• الحالة الوجودية للثقافة العمانية مختلفة جدا ومتميزة على أصعدة شتى، ما رأيك في هذا القول، وعرفنا على رؤيتك حيال خصوصيتها من خلال قراءتك وتتبعك لها؟
- لا شك في ذلك، فعمان كيان مستقل منذ طفولة التاريخ، فكان له تاريخه المستقل، وهويته الخاصة، ومنجزه الحضاري الهائل، وثروته العلمية الناضجة. والحقيقة الميدان ما زال خامة تنتظر العناية بها، فالحضارة العمانية الضاربة في قلب التاريخ، أيقونة مشرقة من أية جهة نظرت إليها، في جانبها التاريخي السياسي، أو جانبها الفكري العلمي، أو جانبها الأدبي الإبداعي، أو جانبها الحضاري الإنشائي، أو جانبها الفني المتعدد، أو جانبها المعماري الفني، ماذا أقول إنها باختصار كنز غير محدود، وقد احتفى مشروعي بهذه الجوانب، هادفا إلى تقديم ثقافة عامة للناشئة ترتكز على دينه وقيمه وهويته الوطنية، بدءا من “الرائع في التاريخ العماني” بجزئيه، مرورا بكتب التفسير والعقيدة والحديث والفقه، وصولا إلى الكتاب الأخير “الجامع في الأدب العماني”. أقول لك إنني نعيش على منجز حضاري، لا يشعر بضخامته وتنوعه وقيمته وتعدد جوانبه إلا الباحث الجاد والقارئ النهم، ونحن مقصرون جدا في حقه على المستويين الرسمي والشخصي، إلى المدى البعيد، ولهذا كلما كتبت في جانب منه اكتشفت جانبا آخر أكثر إشراقا وأعذب نكهة وأوسع مجالا، لهذا تعددت قراءاتي لهذا المنجز الهائل.
وكل هذه الكتب متحدة في تقديم ذات المشروع ونفس الأسلوب التربوي، الهادف لتبسيط المعلومة وإعطائها القيمة التربوية والفكرية.
• في وقتنا الراهن، هناك حالة ثقافية متفردة تعيشها محافظة الداخلية وأنت أحد أبناء هذه المحافظة كونك من ولاية أدم، وهنا أتحدث عن نزوى عاصمة للثقافة الإسلامية، كيف تعيشون هذه الحالة الثقافية؟ إعدادكم لها ماذا يميزه؟ ولو تحدثنا بشكل شخصي، أين موقعك أنت من هذا الإطار الثقافي؟
- لا أحب المجاملات، أقول لك بكل وضوح، أنا لا أشعر بأي تغيير، ولم أشعر بهذه الاحتفائية إلى اليوم، نحن نقع في ذات المشكل حين احتفلنا بمسقط عاصمة للثقافة العربية، خرجت بعض الإصدارات، ومجلة لم تلبث أن توقفت بعد أن انتهت الاحتفالية. نعم أنا أحد أبناء محافظة الداخلية، ولكنني لا أخفيك لا أشعر بأي تغيير، ولعل قادم الأيام يحمل بشارات وحركة أكبر وأعمق. ليست هناك استراتيجية واضحة المعالم، عدا ندوات عابرة، كانت تقام في عمان من قبل، فأصبحت تقام باسم “نزوى عاصمة الثقافة الإسلامية”، نحن معنيون –كالعادة- بالاحتفالات أكثر من عنايتنا بالإنجازات والمراجعات.

• دعنا ندخل إلى عالم التأليف والبداية مع القرآن الكريم، فلديك تفسير له تحت مسمى “تفسير نزهة المؤمنين” وله أجزاء عديدة، نود أن نكون أكثبر قربا من هذا التفسير ونتعرف على تفاصيل أكثر؟
- أن تكتب في تفسير القرآن مغامرة، ليس فقط لكثرة التفاسير وسؤال اللحظة: ماذا ستضيف، بل أيضا لخطورة المهمة، وقد بدأت كتابة التفسير نزولا عند رغبة الناس ودار النشر، والحمد لله، هذا التفسير يكاد يكون أشهر مؤلفاتي، وقد وصل عدد طبعاته إلى رقم لم أتوقعه، وجاوزت مبيعاته ثلاثين ألف نسخة، وأنا سعيد أنه أصبح محل إشادة ليس في عمان وحسب بل خارجها أيضا. التفسير يجمع بين التدبر والإعجاز العلمي، والقصص الهادفة لترسيخ المعنى، والقضايا المعاصرة التي تدور حول الآيات المفسرة، ومناقشة قضايا فكرية وعلمية أخرى، ويهدف إلى إخراج التفسير من جانبه النظري إلى السلوك العملي، جامعا بين حضور الفكرة والصورة المعبرة.والحمد لله انتهيت مؤخرا من الجزء الرابع. وإضافة للتفسير المتفرّق ذلك، أعكف حاليا على إعداد تفسير موجز للقرآن الكريم كاملا.
• لديك تنظيم وترتيب جديد للجامع الصحيح، مسند الإمام الربيع، يتمثل في تعليقات وشروحات موجزة، نود أن نتوقف هنا ونعطي المتابع شرحا مفصلا عن هذا الكتاب؟
- مشروع الجامع الصحيح كان مشروعا مضنيا، وفي البداية كانت فكرة إخراج شرح عصري يتناول مسند الإمام الربيع بن حبيب الفراهيدي العماني، لأن شروحاته قديمة ولم تعد تناسب لغة العصر ولحظته الراهنة، خاصة للجيل الناشئ وليس للباحث المتخصص، فقدمت الدليل في شرح الجامع الصحيح في جزءين، تناولت فيه الحديث وشرحه، ومواقف من حياة المجتمع العماني والإعجاز العلمي المتعلّق به. والكتاب يتميز بالوضوح، وحضور الصورة والإعجاز، والمواقف من التاريخ العماني، وتعدد القراءات من عدة علماء، بحيث لم أتناول رأيا واحدا.
كما يتميز الكتاب بالربط بين الأحاديث وجمع المتشابه منها، وتقديم نظرة حضارية ملخصة بعد كل باب.
• في الإطار ذاته وأعني الحديث الشريف، أيضا لك كتاب آخر بعنوان “الوجيز في شرح الجامع الصحيح” للقراءة العابرة في المساجد والمنتديات وكتاب “الدليل في شرح الجامع الصحيح” ويقع هو الآخر في مجلدين يقدم الأحاديث مع شرح وبيان الإعجاز والأدلة الفقهية والمواقف التأريخية، نود بأن تقدم لنا قراءة معبرة حول هاذين الإصدارين؟
- بعض الأخوة أصر أن نختصر الشرح السابق ليكون متاحا للقراءة في المساجد، فكان الاختصار في كتاب واحد، والحمد لله استقبل الكتاب استقبالا رائعا، وأصبح يقرأ في كثير من المساجد، بما يحمله من شرح حضاري تربوي يدعو للتسامح والفكر الواعي، ثم اقترحت بعض المدارس أن يدرّس فيها، فجعلناه على شكل دروس فكان “قبس من الجامع الصحيح”، حيث اخترنا أربعين حديثا لأربعين درسا، وذيلناها بالأسئلة والنقاش والأمور التربوية الأخرى.
• من خلال اطلاعي على سيرتك الأدبية فأنت لم تنس التأريخ العماني، فهذا القطاع حاضر وبقوة من خلال إصدارات عديدة، تمثلت في “الرائع في التاريخ العماني” و”صناع التاريخ العماني وأيضا “الجوهر في التاريخ العماني المصور” ، لو نقف عند كل إصدار من هذه الإصدارات وما تتفرد به عن غيرها من الكتب التي نراها هنا وهناك؟
- التاريخ العماني غائر في قلب الوجود البشري، ولاحظت – وأنا أعمل في الميدان التربوي- أنه لا يوجد اهتمام جدي من قبل المؤسسات الرسمية بالتاريخ العماني، ولا بإبراز هويتنا، ولا بجهود المؤلفين في التاريخ العماني، وأصبح من الشائع أن بعض الشباب لا يعرفون شيئا عن منجزات آبائهم وأجدادهم، وللأسف الشديد نحن ندرس تاريخ الدول ولا نجد حضورا عمانيا في ذلك التاريخ، نحن لدينا هويتنا وخصوصيتنا وقيمنا، وبدون الرجوع إلى التاريخ لا يمكن أن نزرع في نفوس الناشئة حسا وطنيا، لقد أصبحنا نتصدّق بتاريخنا لمن لا تاريخ له، ولذلك جاء اهتمامي بهذا الجانب. وكان كتاب «الرائع في التاريخ العماني» في جزءين، هو كتاب حضاري يرصد حركة التاريخ العماني، وانعكاساتها الحضارية، حاولت فيه تقديم إضاءات حول التاريخ العماني بأسلوب تربوي ولغة معاصرة، وأضفت له قصصا ومواقف تاريخية، مع ذكر أهم الأحداث التي مر بها التاريخ العماني، ليحقق متعة قرائية في السرد التاريخي. إضافة إلى البعد الحضاري والفكري الذي هو نواة الكتاب، فالكتاب ينشد الوعي بالتأريخ أكثر من سرد تفاصيل التاريخ. وبعد الرائع عكفت على تأليف كتاب «صناع التاريخ العماني»، وهو عبارة عن رواية كاملة للتاريخ العماني، جمعت فيها بين أسلوب الرواية الأدبية والحس التاريخي، من أجل أن يطالع القارئ العماني تاريخه. أما كتاب “الجوهر في التاريخ العماني المصوّر”، فهو يقع في أكثر من 650 صفحة وخرج في طباعة فاخرة، تليق بالتأريخ العماني، فهو يجمع التاريخ العماني عبر تسلسل تاريخي منذ بدء التاريخ وحتى الوقت الحاضر، يقع في عشرة فصول، متبعا ترتيبا واضحا سهلا ممتعا بلغة معاصرة، مع حضور الصورة المعبّرة، كما أنه يرصد المشهد الفكري والأدبي والعلمي والحضاري. معرّفا بالشخصيات والدول والحركات المؤثرة في تاريخ عمان. فكل كتاب من هذه الكتب له سمته المختلفة ومنهجيته الخاصة، وهي تكمل بعضها البعض.
• جل هذه الإصدارات التي عرفناها وأطلعنا على البعض منها، نراها قد طبعت ونشرت على المستوى المحلي فقط، فأنت بعيد بعض الشي عن مشاريع دعم الكتاب العماني الذي تقوم به بعض المؤسسات الرسمية كوزارة التراث والثقافة والجمعية العمانية للكتاب والأدباء أو حتى دار الغشام مثلا، هل ثمة ما يفسر هذا الإبتعاد؟ على الرغم من أن هذه المؤسسات تقوم بنشر إصداراتها خارج السلطنة؟
- بالفعل لم أتلق أي دعم من هذه المؤسسات، لكنني أبارك خطواتها، غير أني استطعت بدونها تحقيق هدفي ونشر مشروعي في الوطن. ولعل عدم معرفتي بل أقول ابتعادي عن العاصمة، شكّل العقبة الكبرى في تواصلي معهم، كما أن لهذه المؤسسات خطا معروفا، وأنا أحب أن أكتب بحرية، بعيدا عن الرقابة الإعلامية والأكاديمية، لأني أكتب بمنهجيتي الخاصة، التي لا تعجب الكثيرين من القائمين على هذه المؤسسات. فلن تنشر لي كتابا ينقدها مثلا، أو ينقد ظواهر تتبناها، وعموما لهذه المؤسسات دور داعم للشباب، والمبدعين، وفق خطها ومنهجيتها، ومنهجية القائمين عليها، ولها مني السلام والتحية. ورغم تقديري لدور دار الغشام، لكن أليس من الغريب أننا أصبحنا (غشيمين) إلا عن الغشام، وكأن الدنيا أغلقت، لا فهناك مكتبات ودور نشر عمانية موجودة منذ أكثر من عقدين قبل الغشام، تنشر وتشارك في الخارج، أبرزها مكتبة الضامري، والأنفال، ومسقط، والجيل الواعد وغيرها، بعضها نشر موسوعات تصل إلى ثلاثين مجلدا، وبعضها في طور الانتهاء من نشر موسوعة أخرى في تسعين مجلدا، فلا أعرف سر تجاهل الإعلام العماني لدور النشر الأخرى في عمان.
• لنعد مرة أخرى حيث إصداراتك الأدبية، وهنا سنقف أيضا تنمية الذات والتراجم، لك ففي هذا الجانب لديك عدد من الكتب من بينها “نساء خالدات” ، وكتاب “سفينة رمضان” إضافة إلى كتاب”الشيخ صالح بن عيسى الحارثي”، بماذا خرجت لنا من خلال هذه الكتب؟
- حين طالعت كتب تنمية الذات وجدت أغلبها يكرر ذات الكلام، ويفتقر إلى النماذج العملية، وتندر المعرفة العلمية فيها، فقمت بمشروعي هذا، حيث جمعت بين الرسالة التنموية والقصة الواقعية التاريخية، والمعرفة العلمية. فكتاب “نساء خالدات” تناولت فيه عبر فصول منظمة كيف تبنى المرأة ذاتها، لتكون ناجحة في الدنيا والأخرى، وأبرزت من خلال تناول أكثر من 100 امرأة ناجحة، ليقدم استراتيجيات مجربة للنجاح والسعادة تجمع بين التنظير والتطبيق، وتقدم مهارات النجاح والشخصية الجذّابة، متناولا جوانب البناء العقلي والمعرفي والروحي والنفسي والحضاري والجمالي. أما كتاب الشيخ صالح الحارثي، فالكتاب يقدم عبر التركيز على حياة الشيخ الجوانب التي استطاعت أن تصنع منه إنسانا مميزا فاعلا، ليس في عمان فقط، بل على المستوى العالمي، واخترت شخصية الشيخ لأنه لم يكتب من قبل عنها، كما أن الكتاب يسلط الضوء على النضال العماني في فترة الخمسينيات والستينيات. وكتاب “سفينة رمضان” رغم أن عنوانه محدد برمضان، لكنه يقدم استراتيجيات فعّالة من أجل تكوين الإنسان فكريا وروحيا وسلوكيا وتربويا، عبر منهجية متكاملة تجمع بين الابتكار في الأسلوب والبساطة في اللغة والشمول في المادة، مستلهما التاريخ ليقدم الواقع. ناشدا الحكمة، مركزا على فقه التغيير وبرمجة الذات ومواجهة المغريات وإدارة الوقت وفقه الـتأمل والتفكر.
• كلنا نعلم أن أدب الطفل في السلطنة لا يزال مغيّبا بعض الشي، رغم المحاولات المتعددة الرسمية والخاصة إلا أننا نفتقدها بكل تأكيد، لكنك لم تتجاوز هذا المجال، ولديك عدد من الإصدارات في هذا النطاق، ككتاب “قصص الإيمان” وهو جمع بين الفن القصصي للأطفال والتوجيهات العقدية، بداية هل يمكن أن تنقل لنا تفاصيل هذا الكتاب؟
- كتب “قصص من الإيمان” كانت تجربة ماتعة، طبعنا أكثر من عشرة آلاف نسخة ونفدت، وقد اعتنى الناشر ـ وهو مكتبة الأنفال – بالإخراج وجمال الطباعة وحضور الصورة، كما أننا لم نغفل التمارين والمواقف المعبرة، والحوارات القصيرة، مع حضور الرسالة الهادفة والآيات القرآنية. وقد انتهيت مؤخرا من الأجزاء الأولى من مشروع آخر للأطفال وهو بعنوان عظماء عمانيون، يقدم حياة أحد عظماء عمان، فيقف عن حياته، مستلهما العبرة من الفكرة. وقد اهتممنا بالتصميم والرسوم والإخراج، فالطباعة الجيدة، والدعاية المصاحبة، واللغة المعاصرة، والسعر المناسب، وحضور الصورة المعبّرة المناسبة للطفل أمر مهم.
ومن طالع هذه القصص يرى ذلك عيانا.
• لماذا لم نر شعرا للأطفال من تأليفك؟
- في ديواني “نبض الحروف” الكثير من أناشيد الأطفال، وقد انتشرت انتشارا مذهلا، فمعظم أناشيد الأطفال تم إنشادها في المدارس والأعياد الوطنية، وما زلت أكتب للأطفال متى سنحت الفرصة.
• من بين كتبك التراثية التي عرفناها ، كتاب عبارة عن تعليق وترتيب كتاب “إحياء الفاني في ذكر ألف حدث وحدث عماني”، ويبدو أن ثمة أمرا خفيا في هذا الكتاب، نود أن نتعرف عليه؟ ترى ما هو المميز فيه؟
- هذا الكتاب تركه الشيخ سعيد بن حمد الحارثي ولم ينشر، ويبدو أنه لم يكمله، فقام أخوه الشيخ أحمد بن حمد الحارثي بإرساله لي، فوجدت الكتاب طبع طباعة غير دقيقة، والأحداث غير مرتبة، وغير مؤرخة، والأحداث متداخلة ولمشاغل الشيخ فقد كتب هذا الكتيب في عجالة، فقد أهمل فترات زمنية فلم يذكر عنها شيئا كدولة بني سامة وبني وجيه وبني مكرم، لأنها ـ بالنسبة لمنهجه التاريخي – ليست ذات أهمية، أو لغموضها، واهتم بعصور ـ كعصر الأئمة – فأفرد لها المزيد، كما أهمل أحداثا معاصرة له كانت مهمة جدا شهادته عليها كثورة الجبل الأخضر وثورة ظفار، وكعادة الشيخ طعّم كتابه بالغرائب والعجائب والقصص.وقد انصب جهدي إعادة ترتيب الأحداث فوق القدم الزمني. فأرخت بعض الأحداث، وكتبت ما يوافق التاريخ الهجري من التاريخ الميلادي. وترجمت أبرز الأعلام والمناطق. ووجدت الكتاب غير مستوف للعدد 1001، فقمت بتقسيم بعض الأحداث إلى حدثين ووضعتُ الحدث المفصول عن حدثه الأصلي بلون مغاير ليعرف. كما قمت بتقسيم الكتاب إلى وحدات وعصور زمنية .
• وماذا عن كتاب الذكريات والتاريخ “أدم ذاكرة التاريخ وذكريات الحياة”؟
- روي أن أبان قد قدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال يا أبان كيف تركت مكة؟
قال : تركت الأذخر وقد أغدق والنمام وقد أورق، فأغرورقت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بلال رضي الله عنه:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة …..بوادٍ وحولي أذخرٌ وجليلُ
وهل أردنْ يوماً مياه مجنةٍ ……وهل يبدون لي شامة وطفيلُ
ويقال أن سابور ذو الأكتاف كان أسيراً ببلاد الروم
فقالت له بنت الملك وكانت قد عشقته: ماتشتهي؟
قال شربة من ماء دجلة وشمة من تراب إصطخر، فأتته بعد أيام بشربة من ماء وقبضة من تراب وقالت له هذا من ماء دجلة ومن تراب أرضك فشرب وأشتم بالوهم فنفعه من علته،
وقال الجاحظ كان النفر في زمن البرامكة إذا سافر أحدهم أخذ معه تربة أرضه في جراب يتداوى به ، وما أحسن ماقال بعضهم:
بلاد ألفناها على كلّ حالة …..وقد يؤلف الشي الذي ليس بالحسنْ
ونستعذب الأرض التي لاهواء بها …….ولاماؤها عذب ولكنها وطنْ
فكيف إذا حمل الوطن فوق هذا وذاك دفء الحياة وعراقة التاريخ
ومنذ ولدتُ في حارة الجامع -إحدى حارات أدم القديمة- التصقت بهذه الأرض التي كانت هي الأخرى في حالة ولادة، حيث عصر النهضة وهو يفتح حقائبه الخضراء لينثر زهوره في كلّ عمان، لتثمر رحيق الانجاز، وتنمو شجرة النهضة مورقة هذا العهد الزاهر الميمون. كل الذي أعرفه أنني يوم ولدت، كانت يد النهضة تنفذ انقلابها على التخلف.. والمرض والجهل.
هكذا يأخذني الحديث عن أدم إلى شغفي بالتاريخ، والذين سكنوا أدم وتغلغلوا في حاراتها وزقاقها الضيقة، يعرفون كيف يفتح لهم التاريخ ذراعيه من حيث لا ينتظرون،بوابة صغيرة من الخشب تنفتح. ويبدأ الإسراء بين الزقاق الضيقة والبيوت الملتصقة ومسارب الضوء وتبدأ سمفونية التاريخ تسرد حكايتها مع الضوء والظل والشرفات والأبراج.
الدروازة الرخامية، المنضدة الخشبية، المسحاة، الأوتاد والمعاليق المكدسة فيها الثياب،ضمن نطاق هذا الجمال الدافىء، ولدتُ، وحبوتُ، ونطقتُ كلماتي الأولى.
كان اصطدامي بالجمال والجلال قدراً يومياً.
ومن هذا الاصطدام التاريخي ولد شبقي بالتاريخ والأرض، وهذا هو تفسيري الوحيد لهذا العشق. امتلأت طفولتي تاريخا وحكايا، وامتلأت دفاتري ذكريات وأسماءً، وامتلأت أبجديتي بهذه اللهجة الأدمية التي تتغلغل في كلّ مفاصل حياتي. هذا البيت الأدمي الجميل استحوذ على كل مشاعري، وأفقدني شهية الخروج إلى خارجه.. كما يفعل الكتّاب في كلّ مكان..دعوني أعترف أنه سجني الاختياري الجميل، ومن هنا نشأ عندي هذا الحس (البيتوتي) الذي رافقني في كلّ مراحل حياتي.وكان هذا الكتاب نتيجة ثلاثة أمور مهمة أولها: نشأتي ضمن هذه البيئة وحبي لهذه الأرض وأهلها. ثانيا: مشاركتي ببحث طويل جدا في ندوة أدم عبر التاريخ مما تعذر نشره كله ضمن كتاب الندوة. ثالثا: نزولا عند طلب ملح متكرر من أبناء أدم وهذا الكتاب ليس تاريخيا بل جمع بين تاريخ أدم والملامح الطبيعة والجغرافية لها والملامح الحضارية والعمرانية والملامح العلمية والثقافية والحياة الاجتماعية والذكريات التي تضيء الذاكرة والطفولة.
• في الفترة الأخيرة، هناك توجهات نحو النقد في الأدب العماني، وثمة أسماء اشتغلت على هذا الجانب، أنت لك إصدارات في المجال ذاته، الأول بعنوان “الجامع في الأدب العماني القديم والوسيط”، والثاني بعنوان “الجامع في الأدب العماني الحديث والمعاصر”، ماذا تتناول هذه الإصدارات بالتحديد؟ هل هناك أسماء أو كتبا تطرقت إليها؟ وما هو رأيك الشخصي في حركة النقد في السلطنة؟
- دفعني لكتابة هذا الكتاب الشكوى من شحة المصادر المكتوبة المعنية بعُمان والعُمانيين ونشاطهم الحضاري، وهذه الظاهرة العُمانية العتيقة لم تؤثر فقط على كتابة التاريخ العُماني بمعناه التقليدي فحسب، بل ألقت بظلالها الكثيفة على الأنشطة الأدبية والعلمية والفنية، فولّد تغييبا للإرث العماني الفكري والأدبي الحقيقي، فكم من شاعر وأديب ومفكّر، لا نكاد نعرف عنه إلا من مصادر غير عمانية. وفي الآونة الأخيرة خرجت دراسات متفرقة عن طريق الجهات الرسمية أو الأكاديميين أو مجلة نزوى، فاحتاج ذلك إلى جمع الشتات، لنقدم بشكل موجز مرتب منظّم وجبة خفيفة للناشئة وعامة الناس ومضات من أدب عمان. هذا من جانب، ومن جانب آخر فقد ظهرت في المجتمع مقولات تتحدث عن جدة الحركة الثقافية في عمان. فاحتاج ذلك إلى توجيه النظر إلى المنجز الأدبي العماني عبر العصور، لنقدمه بشكل موجز مرتب منظّم للناشئة وعامة الناس. هذا إضافة إلى افتقار المكتبات المدرسية إلى كتاب منهجي يمثّل الشعر العماني. فجل ما يدرس من ظواهر أدبية تحتاج إلى الربط بالأدب العماني، ليعلم الطالب أننا لسنا فقراء في هذا الجانب. وعليه فإن محاولة إعادة قراءة الأدب العماني بعين المبدع لا المؤرخ، وفق منهجية واعية سهلة مبسطة، أصبحت ضرورة ندعو اليها كل المثقفين العمانيين. وها نحن بهذه المحاولة نلقي حجرا في هذا النهر الراكد، فاخترنا من ذلك الكم الضخم من الأدب العماني في كل مجالاته الشعرية والنثرية ما يقدم لمحات ومعالم عامة لكل عصر. أما منهجية الكتاب فهو مقسّم إلى عشرة عصور تاريخية، من أجل متابعة تطور الأدب العماني عبر تتبعه التاريخي. يتمثل هذا التقسيم في تقديم توطئة سياسية وثقافية لكل عصر، وتقديم ملامح الشعر العامة في كل عصر، ثم أعقبناه بنماذج شعرية، كما أن كل نموذج شعري، بدأناه بالترجمة للشاعر، ثم نص مختار، وإضاءات عابرة على النص. وقدمنا ملامح النثر العامة في كل عصر، ثم أعقبناه بنماذج نثرية. وكل نموذج نثري، بدأناه بالترجمة للناثر، ثم نص مختار، وإضاءات عابرة على النص. وتتبعنا الملامح الأدبية العامة الشعرية والنثرية. وترجمنا لأهم الأدباء مع تقديم نماذج للدراسة، دون تقطيع القصيدة أو القصة أو المقالة لأن التمزيق والتشريح، لا يبقى من روح الأدب غير جثة الجمال. وحتى لا نمزق القصيدة، فالإحصاء، والحساب، والتحليل، والفكر المنطقي يجب أن تتوارى مع الأدب.
إضافة إلى تقديم قراءات ثقافية لظواهر معينة، واخترنا في نهاية كل فصل مختارات شعرية أو نثرية أو كليهما.لا ندّعي أن هذه المحاولة شاملة في طرحها، فقد ذكرت أنها إضاءة للناشئة والعامة من غير المختصين، ولعلها الشرارة الأولى لخروج كتاب جامع عن الأدب العماني، وحسبنا أننا حاولنا قدر جهدنا أن نختارها من بين ركام ضخم من الأدب العماني. وبالفعل هناك الكثير الكثير من النماذج التي سيطلع عليها المختص لأول مرة. كل ذلك بلغة سهلة وترتيب واضح واختيار جميل ومع الطباعة الأنيقة.
وأنا مدين هنا بالشكر الجزيل الجليل للسيدين الجليلين سالم بن ناصر البوسعيدي وقحطان بن ناصر البوسعيدي، اللذين تكفلا بطباعة هذا الكتاب بمجلداته الثلاثة.
وبالمناسبة سميناه الجامع ليس فقد لأنه جمع إضاءات لكل مراحل الأدب العماني في كتاب واحد، ولكنه أيضا جمع شتات كثير من المقالات المكتوبة عن الأدب العماني.
• إن كانت هناك محاولة لأن تكون أكثر قربا من المؤسسات الرسمية والخاصة والإشتغال على نشر نتاجاتك الأدبية بصورة أكثر، إلى أين ستتجه؟
- إلى المكان الذي أشعر فيه بقيمة البحث، والتفريغ للبحث والمطالعة.
المكان الذي يقرني باحثا وكاتبا. المكان الذي يقدر قيمة الكلمة المحلقة بجناح الحرية.
المكان الذي لا تطاردك فيه المشاغل الروتينية المملة التي لا تقدم ولا تؤخر. المكان الذي يرحب بفكرك ولا يضيق برأيك ولا يقتل وقتك. وإن وجد هذا المكان، هل تراه يريدني إن أردته.
• ما هو الجديد الذي سنقرأه للشاعر والكاتب والباحث سالم البوسعيدي خلال الفترة المقبلة بإذن الله تعالى؟
- لدي الآن كما أخبرتك مشروع الأطفال “عظماء عمانيون” وهو ممتد لأكثر من ثلاثين كتيبا. كما أن لدي مشروع مكتبة الأسرة التي خرج منها الكتيب الأول هذا العام بعنوان “الموجز في التاريخ العماني”، والعام المقبل بعون الله وتوفيقه ستكون السلسلة كلها جاهزة في صندوق واحد، وهو مشروع هادف لوضع مكتبة مبسطة للأسرة العمانية في كافة الجوانب المعرفية الأساسية، مكونة من عشرة كتيبات.

إلى الأعلى