الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - ٤ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / إكراهات “الشعر النّبطي” وخيارات الشّعر الفصيح في كتاب “انشغال الغيم” للشّاعر أحمد بن محمد المعشني

إكراهات “الشعر النّبطي” وخيارات الشّعر الفصيح في كتاب “انشغال الغيم” للشّاعر أحمد بن محمد المعشني

تربطني بالسلطنة صلات عميقة. صرت أنبت في تربتها كأنّني شجرة لبّان، أرى في أحيان كثيرة النّاس يقطعون من لحائي جزءا طويلا ويعرّون فرعي لأبدأ في إفراز سائل اللبّان، وأراه يتكوّن في أضلاعي في شكل كريّات صغيرة، وأرى النّاس يجمعونه آخر اليوم. وتعرّفت في عملي على العمانيين فوجدتهم مثل طبيعتهم متوحّدين رغم تنوّعهم، كرماء معطائين منفتحين على غيرهم في نسيج اجتماعي تختلط فيه الجنسيات وتتعدّد. وحظيت، على عكس المهاجرين، بصداقات عميقة سهّلت لي النّفاذ إلى جوهر الشّخصيّة العمانيّة التّي تتميّز بخصيصتين كبيرتين هما العراقة والأصالة في جانب والتّوق إلى التّجديد في جانب ثان. وعرفت أدبهم، وحضرت ما تيسّر من عروضهم، وأفدت منها إفادة كبيرة. ولقد كان الشّاعر أحمد محمد المعشني أحد الأدباء الذّين تعرّفت إلى إبداعاتهم طيلة سنوات إقامتي بصلالة وربطتني به صداقة عميقة، فتبادلنا قراءة الشعر الفصيح والشعر النبطي، وأخذنا الحديث أحيانا إلى مسارب أخرى ترتبط بالثّقافتين التّونسيّة والعمانيّة. من خلال جلسات القراءة وعبر السّماع كان واضحا أنّ للشّاعر المعشني حضورا هاما في المشهد الأدبي وهو من أهمّ الأصوات الشّعريّة إذ يحدّثك عنه الجميع بتقدير ومحبّة ويذكرون شعره بخير. لم أكن في بداية دخولي إلى السّلطنة أفهم لهجاتها المتعدّدة وإن كنت أستملح نطقها وأجد فيها حياة وغنى وثراء بدأت لغتنا العربيّة تفقده في الكثير في نصوصها الجديدة. فاللّهجات “المحكية” مثل المهريّة والجبّالية والشّحريّة والكثيريّة… أقدر في عديد المواضع على التعبير عن قلق الإنسان ومآسيه وحياته والتّي تتجاذبها مشاغل متعدّدة.
تقابلنا مرارا، رفقة صديقنا الشّاعر البهيّ محمّد قراطاس، ونمت بيننا شجرة الأدب وتفرّعت وأورقت ونشرت في الفضاء زهورها وثمارها. ما كنت أسمعه، كان جديدا وبديعا على أذني المتعوّدة بأجراس عربيّة وتقليديّة وحديثة. وكان هذا القول الشعري يشدّني ويعريني بفهمه ويدعوني إلى البحث في بلاغته وفي موضوعاته. “المحكي” أو النبطي، أو ما نسمّيه في تونس “الشّعبي” أو “الدّارج”، فضّة سائلة وذهب صاف. لم تعكّره شوائب الحضارة. بقي “محافظا” في الكثير من النّصوص، نعم. بقي قديما في نصوص أخرى، لكنّه حتّى وهو محافظ وقديم يتميّز بجماليات لا حدود لها ويكتنز ببلاغات غير مدجّنة وبهموم “جمعيّة” تضيء عمق الشّخصيّة العمانيّة وتكشف أغوارها. لغة هي، حبلى بأجيال من الأحزان واللّهفة والخوف والحسرات والتأمّلات الخفيّة والتّجارب الفارقة. بلاغتها تكمن في خصوصيتها وفي قدرتها على استيعاب “العالم” المحيط بالشّاعر وتصويره بعمق وتحويله من مرويّات شفويّة بسيطة إلى لوحات شعريّة غنائيّة بديعة تستوعب لحظتها وتسجّل ما كان يمرّ ويبلى. قرأت الكتاب مرّات، وأنا المدرّب على قراءة الشّعر العربي، فلم أشعر أنّني ابتعدت عن معتاد الشّعر الصّافي العميق الذّي اعتدت قراءته، لكنّني تردّدت، قلت لم لا أعيد القراءة؟ لم لا أشرك بعض من أصابتهم محن الحرف من الكتّاب ومحبّي الشّعر في السّماع، فزاد يقيني بأنّ ديوان “انشغال الغيم” هو نصّ شعريّ باللغة المحكيّة، لكنّه يحاول أن يستحضر اللّغة العربيّة وبلاغتها ونصوصها الكبرى. يستحضرها في ألفة ورفق، حتّى يخيّل إليك أنّ لا فاصل بين اللّهجة المحكيّة واللّغة العربيّة. كلاهما نظام مخصوص، لكنّهما يتمازجان. إنّني أقرأ الكتاب بذاكرة وافدة، فلا أجد أنّ نصوصه تخذلني، وأقرأ بآلة نقديّة حديثة، فلا أشعر أنّ النّصوص تعجز عن مجاراتها. المحكيّ إذن مساحة أدبيّة بكر، بلاغتها لا تزال غضّة وغير مكشوفة وملأى باستعاراتها الخاصة وروحها النّابتة مثل شجرة اللبّان في تربة اللبّان في تربة هذي الأرض. والمعشني يحسن البدايات ويحسن الخواتيم، وبينهما ينسج ثوبا أدبيّا قشيبا يحضن ذاته في جميع حالاتها ويصوّر الآخرين عبر الغزل والمدح والذّكر الحسن أو الوطن عبر قطع شعريّة غنائيّة أو السّلطان في قصائد صادقة جميلة. للشّعر في هذا الكتاب فهم خاص مرتبط بالشّخصيّة العمانية التّي تفيض أدبا وصدقا، وتعبّر بواسطة بيئتها فتنطق الغيم، وتجعل الشّمس تتناسل، و”سمحان” الجبل الظفاري مغرورا، بل إنّ السّماء نفسها تتحوّل في نصّ “مدائن النّور” إلى بنت قادرة على “قطع مسافات الأسباب”. وظفار هذي قصّة لوحدها في الكتاب، إذ هي امرأة معشوقة بعيونها “وطن عشق وبحور”، وهي مدينة غارقة في النّور. يقول عنها:
“أربع جهاتك نور”
فالنّور يحوّطها من جهاتها الأربع، في حضورها الفضاء نفسه يذوب. ومثل هذا كثير في الكتاب. تتحوّل ظفار والمكان عموما إلى استعارة كبرى، إذ يضخّ الشّاعر روحه في الطّبيعة وجميع كائناتها ويتمازج الكلّ في النصّ لصياغة الرّوح العمانيّة التّي تتراوح بين أصالة مكتنزة بقيمها وحداثة مغرية بلذاذاتها. يسمّي الشّاعر كتابه “انشغال الغيم”، يفكّر كما حدّثني أن يصف الشّمس في يوم صلاليّ غائم، حيث تجهد لتضيء الكون وتخترق الغيوم. الصّورة، لمن لم يعش في صلالة، تبدو عاديّة، لكنّها، لمن مرّ بهذه البلاد، صورة موحية. إذ تختبئ الشّمس فعلا وراء ثوب الغيوم الشفّاف. المهمّ هنا هو قدرة الخطاب على قراءة التّفاصيل الذّاتية الغائمة التّي تحيط بحياة الشّاعر، فنرى العشق الحميم دون تفاصيل، وأنفاس الهيام، ونرى الحسّ الكريم، ونرى العيون، ونكاد نبصر قصّة، لكنّها تتبدّى دون تفاصيل أيضا، لكنّ الشّاعر لا يكتفي “بالمرئيّ”، بل يحاول أن يجد “مدى آخر قديما” في التّفاصيل. يرغب في إيجاد صديق أو نديم، يتمنّى معه “التعاتيب والملام” تحت سماء ظفار الغائمة “كلّ الأماني تستقيم”، الجرح الذّي لا نعلمه يطيب، وأسباب الخصام التّي لا نعلمها تنتهي. الغيم، ليس غير جزء من محافظة ظفار الرّائعة، وظفار مشغولة عن أحزان أبنائها وأفراحهم، عن شموسهم وأقمارهم التّي تضيع في العتمة وتموت في بطء. أمّا الشاعر فإنّه مشغول بنصّه، يحاول أن يجعله مختلفا عن مألوف شعر أهله. فيحاول تخييل واقعه، فيستقطع مشاهد وصورا ممّا ألفته عيناه ومن تجاربه الكثيرة التّي مضت ويغرسها في تربة خياله، ويحافظ على غموضها الموحي وحيرتها. هنا يتوقّف الإدراك العادي للموجودات، فالثّرى يهمس والغيم ينشغل والشّمس تردّ السّلام. عالم الذّات يفيض بمشاعره وإدراكاته ويطرح في صور تخييليّة طريفة وعميقة رؤيته. أحيانا يعبّر الشّاعر عن الإحساس الفاجع في قوله:
“حسّ المطر فرحة يتيم”،
وتنشغل القصيدة بأحزانها وبأفراحها، ونرى الذّات الشّاعرة تنغرس في تربة ظفار، وتتشكّل مشاهد شعريّة ناعمة نديّة موحية تستلذّها النّفس، تذكّرنا بنصوص شعريّة رومنسية لشعراء كثر أحببناهم وعشنا في ظلال قصائدهم. وأحيانا أخرى يعبّر عن إحساس الفقد، فقد كلّ ما كان في حياته الماضية. فيمعن في التذكّر، وتندهش حواسّه، وترتبك كلماته، وتسيطر على النّفس الحيرة والعتمة، ويغرق الخطاب في نفس تذكّري حزين، “أذكر أنّي..”. الحيرة، هنا، ليست لسبب معروف، بل غامض. فالشّاعر مذبوح بسيوف الوقت الصّدئة، طريح لهواه الغامض، يحمل جراحه وخصوماته، وينتظر المرأة/ الحياة. ويوم “شاف الحياة”، تساءل: “واش تبونه يسوّي؟”. في الكتاب وعي حاد بالذّات دون تصريح ودون استفاضة، بل هي لمحات خافتة خاطفة. وغالبا ما تحضر في القصائد أحاسيس مضطربة قويّة هادرة مكتومة يهتمّ الشّاعر بتتبّع أثرها في روحه وجسده. فنجد نصوصا عن الجراج، “هذا جرحي”. والجرح هنا هو الرّغبة في ترك الأثر في الأرض وترك علامة محفورة في لوح النّسيان المتعاظم. يفتح الشّاعر لفظة الجرح على عديد المعاني، يقول:
“هذا جرحي
رمل وأطرافه نخيل
وعاشق يحمل قتيل
ما لقالو حد
جثمانه يشيل”.
ولكنّه أيضا:
“ذاكرة حزن المدينة
سوالف اللّيل وأنينه
مانسى شي من قديمه
الأسامي والشّوارع
والشّبابيك الحزينة
وليلة الفرقة ووعدك
وعدك الذّابح سجينة”.
في الجراح تنكشف معاناة الشّاعر العاطفيّة التّي تتبدّى في صور مخيّلة جميلة يرقى فيها الهمّ الفرديّ ليصبح همّا جماعيّا. تصبح الجراح حديث المدينة، يستعاد فيها الفراق والوعد، ويتواصل فيها الحزن والألم والأنين، وتتعمّق الجراح لتختطّ لها في النّفس جدول نور وحروف. تذكّرني قصائد الكتاب بنصوص كثيرة في أجزاء منها، تخبرني بعادات عريقة في الحضارة العمانيّة المترامية الأطراف، وتشهد على جغرافيا مجهولة في الخطاب الشّعري، بالنّسبة للقارئ المغاربي، وهي المتعلّقة “بظفار”، هذه المحافظة المفتوحة على المحيط، بجبالها الرّائعة وتنوّع تضاريسها وثراء ثقافاتها وروعة خريفها. لا تحضر ظفار حضورا سياحيّا، ولا نرى النّاس إلاّ في ثوب الألفة والمحبّات في عناق أبديّ مع طبيعتهم، يتوسّدون اللّيل حين ينام القمر، فيحضن خوفهم. تصبح الطّبيعة بديلا طبيعيّا للمرأة الغائبة ووسيلة عشق صادقة، ويحضر معجم الطّبيعة بكثافة ملفتة، لكنّها تحضر حيّة نامية مخيّلة، يحرّكها في الغالب التّشخيص وأحيانا الاستعارة. ويكون الغزل رغم ألمه ونزوعه إلى التفجّع والتأسّي في إطار طبيعيّ قادر على احتواء عواطفه. يقول:
“يداهمني حزن ظالم
يحاصر كلّ شي فيني
وأنا الشاعر، وأنا الحالم
وأفلاك الهوى عيني”.
تصبح الذّات في الخطاب أصل الكون وسجينته أيضا. محاصرة هي، وأحزانها ظالمة، وكلّ شيء فيها محاصر. ورغم امتلاء الذّات بالشّعر والحلم فإنّها تظلّ مسيّجة بهوى صعب وبعشق مستحيل. تطلّ عليه عيناه دون إدراك لجسديته. تبدو الذّات أيضا غريبة في عالم غريب. يصرّح الشاعر:
“ما حدّ يبيني أو أبيه”.
وينسى الواقع، وتصبح حياته “قصّة فراق، حلم وأماني واشتياق”. ويصرّح في نبرة يائسة مغرقة في التعطّف:
“ما أبي منك ورد
أبي من عيونك جواب”.
ويصبح الصّمت، لا الكلام، جوهر الوجود. امّا الألم والإيلام فإنّ الكتاب يطفح به، دون تفصيل ودون تعريّة ودون إخبار. وتكثر الأسئلة:
“وشلون يا أصعب سؤال؟
وأشكون يا أصعب جواب؟”.
ولا نعلم نحن ما السّؤال الصعب ولا ما الجواب، لكنّنا ننساق مع الشّاعر الغريب. نرى في زحمة النّاس أناسا “ما هم بناس”، “تراب وأحجار وسما”. ونرى وطنا “بس مو وطن”. بل غربة، غربة الغريب في دياره، غربة كغربة التّوحيدي “تفتّت العظام، وتشغل النّفس”. الشّاعر فيها معروض جراحا مجمّعة “خانها الوقت، وغفت”. صمت وإيلام فقط، وألم مستعص، مرّرته الدّنيا بنسيانها، أي جعلته مرّا. أمّا المرأة هنا فإنّها تقترن بالحلم البعيد والمنفى القريب، هي في آن واحد جرحه الدّامي وهي ابتسامته وأمنه “ونور بعيوني ضوى”. لكنّها لحسن حظّ الشّعر، غير قادرة على إعطاء الورد، وهو هنا كناية عن الحياة التّبادليّة الطبيعيّة، بل قادرة على الحضور من الذّات الشّاعرة في صميمها والبعد عنها في واقعها. للمرأة في هذا الكتاب حضور طاغ. والشّعر المحكيّ كلّه في الغالب موجّه إليها، هي عند الشّعراء منذ أقدم الحضارات السرّ والحقيقة، وهي عند الشّاعر مخاطب بعيد عصيّ على التصوّر، أجمل ممّا هو في الحقيقة، هي المرأة الحقيقيّة، مضافا إليها تصوّره المفارق لجوهر حقيقتها. “فعيونها تجمّل الشّمس”، وهي من “تهذّب الرّيح بإحساسها”، “وتوقظ اللّيل بجفونها”.. وهي تظهر في شكل شجرة عنب، يتدلّى ثمرها الطيّب ويسيل شراب الرّغبة من أغصانها. صورتها مجتزأة من الطّبيعة الحيّة الخصبة، تميل إلى الإبانة والوضوح على عادة العرب في التّصوير، لكنّها أحيانا تخرج عنهما إلى الإغراب والعدول وربّما المبالغة، في مثل قوله:
“عقدين وأكثر وهذا حال مفتونك
لا ملت عنك شبر. صار الجبل ساقي”.
عقدان مرّا، وحاله في العشق الثّبات. لم يملّ عن محبوبته شبرا إلى حدّ الآن. جمل خبريّة عادية يقرّر فيها حالته، لكنّ التعبير يعلو جماليّا حين يشبّه ساقه بالجبل في الثّبات. وهي صورة بديعة عميقة تجعل حبّه حبّا غير مهدّد بالزّوال ولا بالفقد، حبّا مقرّرا في النّفس من أوّل الخليقة، لا يتبدّل، ولا يتغيّر، ولا يزول. والشّاعر يستعيض عن التّفصيل بالإجمال. لا يقول كلّ شيء، يكتفي أحيانا بنعوت أو إضافات، في مثل قوله: “إحساسك الرّاقي”، أو “أكبر آثامي”.. وهي نعوت لا تكشف شيئا، بل تمعن في التكتّم والسّتر. وتظلّ الجمل، كما يقول صلاح ستيتيّة: “تسبح في ليل المعنى”. والشّاعر يهدّد أحيانا “بكشف الباقي”، لكنّه لا يكشف. ويحتفظ “بالسرّ” في أوراقه. وهنا، كنت وددت لو استفاض الشّاعر في مواضع، لو فصّل القول في أخرى، لو سمّى وأظهر وكشف بعض الأسرار، إذ أنّ الشّعر، ليس فقط تلك النّواحات الصّامتة العميقة، وليس ذلك الفرح الغامر، بل الإصغاء العميق لما حدث ويحدث في حياتنا وكشف أسرار النّفس وما يعرض لها. يطرق الشّاعر مواضيع كثيرة مثل المرأة والطّبيعة ولكنّ أهمّ مواضيعه ظفار وعمان. وهو في الغالب متيّم بكلّ شيء، “مثل عاشق سيّء الحظّ”، كما يقول محمود درويش. لكنّه عاشق صادق، يتبدّى صدقه في الكلمات واضحا. يقول:
“أحبّك حبّ يا مصعب عليّ ثقله
أشيله همّ وعروقي هدب نوحه”.
لا يعترف في حبّه بحدود ولا بزمن ولا بمكان. إنّما هو ترحال في الشّوق وفي لياليه وأيّامه، واستغراق في آلامه ومغامراته. والشّاعر يصرّف اشواقه وحنينه تصريفا عادلا بين المرأة في غزليات يملؤها الشّوق المتوجّع الشّاكي والحنين الباكي، وبين الوطن في نصوص تطفح بالمحبّات، وبين مديح صادق لحضرة صاحب الجلالة السّلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ورعاه، مديح بلغ في عديد المواضع درجة عالية من الشّعريّة والصّفاء والوفاء اللاّئق بباني نهضة عمان الحديثة. وفي هذه النّصوص استعاد الشّاعر، على عادة شعراء المدح العرب، المعاني التّقليديّة لهذا الفنّ، واستعمل بعض طرائقه المعروفة.
هذا الكتاب كتب في مدّة طويلة. وهو يضمّ نصوصا شعريّة تتنوّع أشكالها ومواضيعها، لكنّها تحاول أن تخيّل الحياة وتدفع في الواقع الرّتيب مياه الخيال الموحية. لهذا يمتّعنا بسيل من الصّور المفردة البليغة والمشاهد التّصويريّة الملهمة ويدفع في أرواحنا فضّة القيم التّي بدأت تنحسر، وذهب المشاعر الصّادقة التّي بدأ يخبو. والشّاعر في كلّ ذلك لا يثقل على النّفس، ولا يدفع الملل في الرّوح، بل يخبر عن جوهر نفسه المستغرقة في الأشواق والمجروحة بسيوف الوقت والهجر والفراق والخوف. وهو كتاب ألفة يسع من الشّوق أقصاه، ومن الحبّ أقصاه. وكتاب آلام تبلغ في مواضع درجة عالية من الإيلام والتأثير. والنصّ قريب المأخذ، تقرؤه بسهولة، أليف، فتنسى أحيانا وأنت تقرؤه أنّه من الشّعر المحكي، بل يدفعك إلى قراءته بنفس وسائل الشّعر العربي. هل يعني ذلك أنه نصّ مكتمل؟ لا، بالقطع. إنّه نصّ يستوفي الغاية في صدقيته، ويتغاير مع نوعه أي الشّعر المحكي، ويحاول أن يضخّ في عروقه نار الشّعر الفصيح وحيرته وعمقه بمسايرة أشكاله وتجريب بعض إمكاناته معجما وصورا، مع المحافظة على أهمّ خصائصه “النبطيّة”. نتمنّى للشّاعر المزيد من العمل الشّعريّ للارتفاع بنصّه من إكراهات الشّعر النبطي، ومن المحلّية، إلى أفق عربيّ أرحب، تكون وسيلته إليه خيارات الشّعر الفصيح، فتصبح لغته مقروءة ومفهومة في العالم العربي وعاكسة لما وصل إليه فنّ الشّعر من جماليات. وأتمنّى لهذا الكتاب المتميّز أن يقرأ وينقد نقدا عميقا يفيد الشّاعر في سعيه نحو كتابة نصّ شعريّ عماني محكيّ أكثر تطوّرا وعمقا.

نصر سامي
كاتب تونسي

إلى الأعلى