الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / يدها.. وأنا!!

يدها.. وأنا!!

مخضبة أطراف ذكرياتنا نستاف من تفاصيلها حكاية الحنين.. الحنين سفير الغاربين خلف مسامات العمر.. العمر لحظة فرح تشرق تغرب ونحن هناك نمضي لكنا نبقى هنا معهم!!
السماء نشيد والحافلات أرامل الإسفلت يبكين صراخا ولا مجيب.. اغسلني أيها القادم من كبد مزقتها الرعود فأنا احتضار الماء وموت الغانية السابعة تحت غيث الزير واستراحة مالك!!
تمر صباحا.. تمر مساءً ويمر قلبي.. ساعتها السادسة وساعتها الأخرى النصف بعد التاسعة.. ألفت الانتظار بعيدا في معطف الظلام الباكي لعزف أقدام صبايا الحارة المارات لجلب الماء من خزان الماء الحكومي.. لوحة جميلة أربع من سنيني ألفت ذلك.. العجيب في تلك اللوحة انقراض الرجال بعد هذه الساعة فلا قبلة تصلي إليها أقدامهم بكل اختصار يموتون إلانا!!
علمتنا أناشيد الوحدة السذاجة.. نسترق النظر من بعيد صافرة شفاهنا بقصيدة نزار:
يدك التي حطت على كتفي كحمامة نزلت لكي تشرب
عندي تساوي ألف أغنية يا ليتها تبقى ولا تذهب
النفس الغرقة في انحناءات الجواري تمنت ذلك !!
هي معلقة شعرية .. نجم حولي الظهور .. كلما أظلم الليل سحبت رجلاي لأنظرها قيثارة الليل المغنى استاف قهقهات النكات المطروحة على غدير ماء الحكومة من بين أكوام الأصوات الصادحة في ظلام الليل أعرفها تفاصيلها أهداب عيني .. حتى لهاث تعب رأسها من ثقل الدلو أعرفه لم تكن كأي النساء ولا كأي أحد من البشر.
يروي لي أحد الرفاق نبأ ضحكاتهم الساخرة على فتيات مضينا أمامهم وهم دالفون على الحارة يحملن مواعين سقياهن، بأن احداهن تعثرت لتسقط على الأرض محاولة التشبث بثوب رفيقتها فتهاوين جميعا فما كان منهم سوى الضحك حتى بادرتهم احداهن بغضب صارخة في وجوههم:
- خجلو على وجوهكم قليلي أدب!!
للأدب في فلسفاتنا معايير ملونة من الدماء اللي يضخها الوجه .. حدثتني نفسي بأن أكمل عليه سيرة الغضب الأنثوي بكلمة ذكورية من قبضتي حتى تثبت موازين أدبه.. قلبي كان يحدثني بأنها كانت معهن وانهم سخروا منها.
احلامنا ايقونات فرح في تفاصيل حيواتنا أينما يممنا قبلتها تغتالنا فرحا ونزفا.. ها أنا اليوم أسند رأسي على سرير يفترشه صغيري في دهاليز المستشفى شيطنة الطفولة أوقعته على رصيف جاف كسر عظم ساقه فأضحى نزيل المستشفى وأنا قرينه.. الساعة تميل على النصف من بعد التاسعة وقيثارة النعاس تزغلل عيناي ..لحظه!! ما هذا النشيد الذي يدغدغ اذناي؟؟ أهو حلم التف حول ذاكرتي وأفلت صفحات من دفاتر الذكريات؟ لكني مستيقظ ونائم فما ذاك؟!
نغم ربابة قدماها تهوي على سمعي كأن رنين الأمس الغابر يطرق هاجسي ما لقلبي يستفيق راقصا لا انه محض اضغاث أحلام وما أنا لها بعارف أو موقن.. على ممر أبيض تسمرت عيناي مبصرة إياها.. كيمامة تمر على القلب حاملة ابريق ماء وفي حضنها طفل وعلى كتفه يدها.

ادريس بن خميس النبهاني

إلى الأعلى