الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / الشورى والاختلاف

الشورى والاختلاف

فضّلنا الله تعالى وكرّمنا على باقي المخلوقات وأوكلنا خلافته في الأرض، وكما تختلف مكونات الأرض من ماء وهواء وتراب، وكما تختلف المخلوقات بأنواعها وأشكالها ومأكلها ومشربها جعل الله الاختلاف بين البشر أمراً طبيعياً.
الاختلاف عامل أساسي من عوامل التوازن ، ليس في الأجناس والأعراق والأشكال فحسب، بل في الطبائع والأهواء والصفات البشرية. فلا تكتمل الحياة إن كان لكل الناس ذوق واحد وأسلوب واحد، ولا يمكن إيجاد حل للصعوبات والمشكلات إن كان الكل يفكر بالطريقة نفسها.
لذلك أمر الله تعالى الإنسان بالشورى، وفي هذا دعوة واضحة للاستفادة من الاختلافات والبناء عليها، قال تعالى في سورة الشورى:
وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (38).
وقال عز و جل في سورة آل عمران في الآية (159): وشاورهم في الأمر.
حين نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله جعلها رحمة للأمة. (رواه ابن عباس) فالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام قبِل المشورة رغم غِناه عنها ولنا في نبيّنا أسوة حسنة، لقد علمنا كيفية الشورى حين أخذ برأي صحبِه قبل التفاوض على تفريق الأحزاب، وحين أخذ بمشورة وخبرة سلمان الفارسي بحفر خندق حول المدينة.
والشورى نظام يساهم بلا شك في بناء وترتيب المجتمع والدولة على أسس وقوانين حكيمة تفتح الباب للتجديد وتبادل الأفكار الخلاّقة التي تقود البلاد إلى المزيد من التطور والريادة وإحقاق العدل. و هي تُشعر الناس بالأمان والاطمئنان وتدفعهم للمشاركة في القرارات المتعلقة بمصالح البلاد لأنها تعتمد على الخبرات القديمة وتفتح الأفق للطموحات الجديدة.
نصّت المادة (12) من النظام الأساسي للدولة والمتعلقة بالمبادئ الاجتماعية على أن العدل والمساواة وتكافؤ الفرص بين العمانيين هو دعامات المجتمع التي تكفلها الدولة ، ولقد أثبت التاريخ وتجارب العديد من الدول التي سيطر عليها الرأي الواحد أن غياب الشورى يؤدي إلى الاستبداد والفساد وسيطرة المصالح الشخصية وغياب القانون، وهذا ما لا يليق بشعبنا الطموح، الذي يعشق المصلحة العامة ويفتخر بانتمائه الوطني الإنساني.
قد يسأل البعض ما هي الشورى؟ أو بمعنى آخر كيف يمكن أن تجاري الشورى العصر الحديث وكيف تلبي احتياجات المواطنين؟
نذكر في هذا المجال ما قاله جلاله السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه – لأعضاء مجلس الشورى بمناسبة افتتاح الدورة الأولى لمجلس الشورى عام 1991: إنها لمسؤولية جسيمة أنتم أول من يتحملها وأمانة عظيمة أنتم في مقدمة من يُسأل عنها.
هي مسؤولية لأنها الطريق إلى التنمية والتقدم وإيجاد الحلول.
وهي أمانة لأن نجاحها يعني تحقيق توازن المجتمع وبمختلف مكواناته ومجالاته ومصالحه.
وقد ضمن قانون انتخاب أعضاء مجلس الشورى حق الترشح لأي مواطن عماني الجنسية بصفة أصيلة، سليم العقل، مقيد في السجل الانتخابي، لا يقل سنه عن الثلاثين سنة ميلادية، لا يقل مستواه العلمي عن دبلوم التعليم العام، لم يسبق الحكم عليه بعقوبة جنائية أو جنحة مخلة بالشرف أو الأمانة وغير محجوز عليه، غير منتسب إلى جهة أمنية أو عسكرية. وبالتالي فإن هذا القانون نموذج صادق لتطبيق مبادئ الشورى وتكافؤ الفرص.
يحقق أعضاء مجلس الشورى نجاح مجلسهم بالدرجة الأولى من خلال احترام الرأي الآخر والبعد عن التطرف، فالتطرف هو رد فعل قاصر وعجز عن التكيّف. ويتحقق النجاح كذلك بسعة الأفق والثقافة لأن ضيق الأفق والانغلاق لا يؤدي إلا للتكبر والأحكام المسبقة التي تقف عائقاً في وجه الإبداع والتنمية. أما أهم ما يجب أن يتصف به أعضاء مجلس الشورى فهو بعد النظر والتركيز على الهدف المشترك الذي هو مصلحة الوطن، عُماننا الحبيبة . أفلا يستحق ّ منا هذا الهدف العمل بكل ما في وسعنا لإنجاح مبادئ الشورى؟
لا يسعني إلا أن أحمد الله الذي أمرنا بالشورى قانوناً إسلامياً وسراجاً نعتمد عليه للحفاظ على مكاسب الوطن ولتحقيق المزيد من الإنجازات والنجاحات والتنمية، والله الموفق.

د.محمد بن إبراهيم الزدجالي
رئيس جمعية المحامين

إلى الأعلى