الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نصف قرن على خطاب بورقيبة في أريحا

نصف قرن على خطاب بورقيبة في أريحا

د.أحمد القديدي

” .. اليوم بعد خمسين عاما من خطاب أريحا نجد بعض العرب في غفلة من الحقائق الجديدة والتحولات الراهنة في العالم، لايزالون لا يفرقون بين الحق والواقع، ويطالبون بالمستحيل عوض المطالبة بالممكن الآن وتأجيل ما هو غير ممكن للغد أو لما بعد الغد دون التفريط في الحق، لأن السياسة هي في النهاية فن الممكن،”
ــــــــــــــــــــــــــ

منذ نصف قرن بالضبط ألقى الزعيم بورقيبة خطابه الشهير في مخيم أريحا وكان يقوم بجولة في تسع من دول المنطقة من 18 فبراير إلى 15 مارس 1965 و حلل برؤية المناضل العربي المجرب المعوقات والأخطاء العربية التي أدت بالفلسطينيين إلى تلك الحالة من الإحتلال والتشرد واقترح أن يأخذ أبناء الشعب الفلسطيني مصيرهم بأيديهم وأن لا تغرهم الشعارات الحماسية حتى يخططوا للنصر بالعقل والحكمة والاستعداد دون التفريط في الأصل وقال في ذلك الخطاب حذار من أن تكون فلسطين هي الأندلس الثانية. وللتاريخ فان الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة كان أول من فهم وفكك اللعبة السياسية والاستراتيجية العالمية قبل غيره فيما يتعلق بالملف الفلسطيني حين ألقى خطابه الشهير بمخيم أريحا في 11 مارس من عام 1965 وعرض خلاله الحل الذي يوازن بين الحق والواقع،أي بين الحفاظ على الوطن بالكفاح المسلح والدبلوماسية بالتمسك بالشرعية الدولية المتمثلة في قرار التقسيم 29 نوفمبر 1947 وبذلك مثلما قال بورقيبة نضع إسرائيل خارج الشرعية. والذي حدث مع الأسف بعد ذلك هو شتم بورقيبة واتهامه بالتهم العربية الجاهزة.
واليوم بعد خمسين عاما من خطاب أريحا نجد بعض العرب في غفلة من الحقائق الجديدة والتحولات الراهنة في العالم، لايزالون لا يفرقون بين الحق والواقع، ويطالبون بالمستحيل عوض المطالبة بالممكن الآن وتأجيل ما هو غير ممكن للغد أو لما بعد الغد دون التفريط في الحق، لأن السياسة هي في النهاية فن الممكن، والتفاوض مع العقبات والمناورة المشروعة من أجل إحباط مخططات الخصم والعدو. ولعل الاحتقان المؤقت الذي يعرقل الشعب الفلسطيني بعد تباطئ المصالحة بين الإخوة في الضفة والقطاع هو احتقان سببه الأول عدم التفريق بين الغاية الأساسية الإستراتيجية والوسيلة الملائمة لبلوغها وهي المسماة بالتكتيك أي التخطيط السياسي الذكي مرحلة مرحلة وخطوة خطوة. فالمجاهدون في الجهاد وحماس لهم نفس الغاية التي يسعى إليها محمود عباس بالضبط استراتيجيا لكن الاختلاف وحتى الخلاف هو في التكتيك أي المرحلية و العقلانية واستعمال العقل و البصيرة.
في أعقاب عودة الحرارة لمبدإ المصالحة الفلسطينية باجتماع المناضلين من فتح وحماس وبداية تشكل وحدة حقيقية حول الأهداف المشتركة نشأت في العالم العربي ولدى الرأي العام العربي حقيقة جديدة مخيفة وهي أنه بتراكم المصائب بعد إجهاض الربيع العربي واستفحال ظاهرة داعش وخطورة الوضع السوري وحروب الفصائل في ليبيا وتعقد الوضع في العراق ومخاطر إنقسام اليمن وعدم الاستقرار في مصر فإن منزلة القضية الجوهرية للعرب أي فلسطين بدأت تتراجع بل ولا تحتل الصدارة لدى الدول العربية نفسها فما بالك بالدول الأخرى وأعداء العرب وهو ما مكن نتنياهو من ابتزاز الولايات المتحدة والتلاعب على وتر إنقسام القرار الأميركي بين البيت الأبيض والكونجرس في زيارته الأخيرة التي دعا فيها للحرب على إيران و زعزعة ما تبقى من أمل في العالم العربي والإسلامي كما أن جامعة ادول العربية مغيبة وشرعت إسرائيل الظالمة تراجع مواقفها وتتموقع دوليا على ضوء هذا التشرذم العربي وقد كتب عدد من المراقبين مقالات وأبدوا آراء وأعلنوا مواقف كان أغلبها يدور حول هذه المحاور الثلاث المتداولة في القضية الفلسطينية وهي الحق والحلم والممكن، مهما اختلفت الرؤى والتحليلات، ومن هؤلاء إسرائيليون مثل كاتب سيرة الرئيس الراحل ياسر عرفات أمنون كابليوك والشريك في مؤتمر جنيف/ يوسي بيلين، وهما من بين المثقفين اليهود الأكثر تفهما للقضية الفلسطينية والأشد دفاعا عن الحق الفلسطيني إزاء الغطرسة الإسرائيلية. وأعتقد صادقا مع نفسي بأن الرموز الثلاثة المذكورة أي الحق والحلم والممكن هي التي علينا جميعا نحن العرب تحليلها والنقاش حولها ومن ثم تحديد أولويات الخروج من عنق الزجاجة الذي حوصرنا فيه منذ عهد النكبة 1947 تاريخ إنشاء دولة إسرائيل وما أعقبها من كوارث. فالحق الفلسطيني هو اليوم في منظورا لمنظومة الدولية الحق المعترف به في نطاق القانون الدولي المنبثق عن قرارات منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن و الذي بالطبع يهضم حقوقا للشعب الفلسطيني، وجاء جيلان جديدان ما بعد النكبة، ليكتشفا على الميدان في الشرق الأوسط ، واقعا جديدا مختلفا فرض فيه العالم كله على العرب دولة طارئة هي إسرائيل، أقول العالم كله لا الولايات المتحدة فقط ، لأن الاعتراف الدولي باسرائيل منذ 1947 جاء من موسكو ومن أنقرة ومن باريس ومن نيو دلهي قبل أن يأتي من واشنطن، ولأن أغلب الدول الكبرى الفاعلة في الشرق الأوسط كانت تضمر عكس ما تعلن. وفي هذا المناخ العربي المهدد بالانفجارات المختلفة نحيي اليوم ذكرى خطاب بورقيبة في أريحا وهو الخطاب الذي لو استمع اليه العرب لما خاضوا حروب 67 و 73 ولما اضطر الفلسطينيون أن يكتفوا اليوم بحدود 1992 بعد أن كانوا يطالبون بحقوقهم المشروعة بحدود 1947 و 1967. فان الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة كان أول من نبه العرب من غفلة التاريخ وأذكر للتاريخ أن الزعيم بورقيبة قال لنا وكنت من بين العاملين معه في الثمانينيات:” لقد خدعني الزعيم عبد الناصر غفر الله له حين عرضت عليه أفكاري قبل خطاب أريحا فقال لي أنذاك:”انه الحق إنما قله أنت لأنني رئيس دولة متشابكة مع إسرائيل” وأضاف بورقيبة بمرارة: لقد ضيع العرب فرصة تاريخية أخرى.
رحم الله الجميع وغفر لهم بعد نصف قرن ولكن ليعتبر العرب ويا رب رحمتك وعفوك للعرب في هذا الإعصار القادم.

إلى الأعلى