الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إشراقات عمانية

إشراقات عمانية

سعود بن علي الحارثي

سابعا : المخطوطات : رسائل – صكوك – مؤلفات
” .. خصص العرب في مؤلفاتهم الأدبية أقساما خاصة بالرسائل باعتبارها صنف من أصناف الأدب كالشعر والقصص, وقد تعرضت هذه المؤلفات لأشكال الرسائل وسماتها وأهدافها وتطورها التاريخي وقدمت نماذج ثرية عنها, وقد صنفها السيد أحمد الهاشمي في كتابه جواهر الأدب إلى ثلاثة أقسام (( الرسائل الأهلية – الرسائل المتداولة – الرسائل العلمية)),”
ــــــــــــــــــــــــــ
يمكن أن نعرف الرسالة على أنها أداة أو وسيلة التقاء أو همزة وصل غير مباشرة بين طرفين مرسل ومستقبل أو معد ومتلقي لها, في مرحلة كانت فيه الرسالة أداة التواصل الوحيدة, وهي تعبير صادق عن التواصل وفي ذات الوقت هي إحدى طرق الحوار بين البشر, ولا رسالة إلا ولها أهداف وتحتوي على مضامين تعظم أو تصغر, تنتهي في لحظتها أو تنتشر, تضيق أو تتسع, بحسب فحوى الرسالة وخصائصها وقيمتها ومكانتها والنتائج المرجـوة منها وموقع ومستوى معدها والموجهة إليهم تلك الرسالة أفرادا كانوا أم جمعا , وفيما إذا كانت الرسالة ذات أبعاد عامة وتحمل أهدافا وعناصر تتسم بالاستمرار والتطور والإبداع والحياة, أم أنها وضعت فقط لهدف محدد وغرض ينتهي بانتهاء القراءة الأولى للرسالة, أي أنه غير قابل في معناه ومقصده للتطور والاستمرارية, وقد تكون الرسالة ذات أهداف سياسية أو فكرية أو اجتماعية أو اقتصادية أو توعوية, وقد تحمل عند انطلاقتها تلك الأهداف جميعا, وقد تخفي الرسالة وراء شعارها الجميل ومسماها المتألق الجاذب أهدافا تختلف عما هو ظاهر للعيان ومرام لا يكشفها إلا الحاذق والحصيف من القراء والباحثين والمطلعين .. وقد تحقق الرسالة جميع أو بعض أهدافها وقد تفشل في ذلك, وللنجاح والفشل أسباب ونتائج, ولا تتضمن بعض الرسائل أكثر من إشارة أو صورة عابرة أو بضع كلمات تكون غاية في العمق والتبحر تتطلب لفهم فحواها صفحات من الشرح والتفسير وفك الرموز, وقد تطول الرسالة فتصل إلى مئات من الصفحات والصور والرموز, وتحمل النصوص الأدبية من شعر ورواية ومقال رسائل قصد المبدع من إبداعه ذاك بث موجاتها إلى القراء, والرسالة الصادقة في أهدافها هي تلك التي تتوافق مبتغياتها الحقيقية مع ما تحمله من مضامين ومسميات وشعارات معلنة والتي تسعى إلى نشر قيم الخير وإصلاح الإنسان وتقويمه وتنمية مهاراته, أو توثيق العلاقة ومد حبل التواصل أو للتعبير عن الأشواق والحميمية والود, أو للسؤال عن الأحوال والأوضاع وما آلت إليه أو لطلب حاجة وتوجيه سؤال بغرض الإجابة عليه …
وقد خصص العرب في مؤلفاتهم الأدبية أقساما خاصة بالرسائل باعتبارها صنفا من أصناف الأدب كالشعر والقصص, وقد تعرضت هذه المؤلفات لأشكال الرسائل وسماتها وأهدافها وتطورها التاريخي وقدمت نماذج ثرية عنها, وقد صنفها السيد أحمد الهاشمي في كتابه جواهر الأدب إلى ثلاثة أقسام (( الرسائل الأهلية – الرسائل المتداولة – الرسائل العلمية)), ويقول في التعريف بها (( وهي مخاطبة الغائب بلسان القلم وفائدتها أوسع من أن تحصر من حيث أنها ترجمان الجنان ونائب الغائب في قضاء أوطاره ورباط الوداد مع تباعد البلاد , وطريقة المكاتبة هي طريقة المخاطبة البليغة مع مراعاة أحوال الكاتب والمكتوب إليه والنسبة بينهما … )) وكانت المراسلات التي تتم بين الأدباء والأعيان والحكام والعلماء غاية في الإبداع والمضمون وتقوم مقام الإعلام في أيامنا الراهنة مع الاختلاف في الوسائل والأساليب التي تتيح سرعة الانتشار والتواصل مع أكبر عدد من الناس. وقد برع العمانيون أيما براعة في إعداد الرسائل بشتى أنواعها العلمية والأدبية والسياسية, والخاصة والعامة فيما بين الشخصيات العلمية والاجتماعية أو على مستوى الأسرة بين الأخ وأخيه أو الزوجة وزوجها, وفي التأليف وكتابة الصكوك وتوثيق العديد من المعاملات والحسابات اليومية والحقوق , وكان ( المندوس) الصندوق الخشبي و(السحارة) الصندوق الحديدي و( الروزنة ) وهي عبارة عن مخابئ أو فجوات في جدران البيوت الطينية توضع فيها العديد من الأشياء كالزينة والكتب والأواني المزخرفة التي تأتي من الصين وماء الورد , توضع فيها مع الأشياء الثمينة الأخرى الكثير من المخطوطات : رسائل _ صكوك شرعية _ وصايا _ مؤلفات _ حصر لأموال الأوقاف وحصص الفلج .. وتمثل تلك المخطوطات بأنواعها ثروة مهمة تعرف بحياة العماني وأساليب تعامله واهتماماته والظروف والأحداث التاريخية التي مرت بها البلاد في فترات زمنية مختلفة وتقدم قراءة دقيقة لمستوى الوعي والتعليم , تكتب تلك الوثائق بخط أنيق من يطلع عليها اليوم يكاد يشك بأنها قد خطت قبل قرون من الزمن , فجمال الكتابة وبروزها ودقة زخرفتها تهدي المطلع إلى أنها قد طبعت بآلة حديثة , ومن يبحر في قراءة المخطوطات العمانية رسائل كانت أم شعرا أم تآليفا لكتب فقهية وتاريخية وأدبية ويطلع على الزخرفة الفنية في تنوع تشكيلاتها وتناغم عناصرها ومكوناتها في بداية ونهاية تلك الأعمال والكتابات المحفورة على الجلد الخارجي ذا الملمس الناعم الطري والألوان الأخاذة لا يملك إلا أن يقف أمام تلك الجماليات وذلك الإبداع وقفة إجلال واحترام لأولئك الرواد وما يمتلكونه من فنيات واتقان في العمل وقدرة على تسخير الأقلام والأحبار والورق والأنامل في اخراج تلك الأعمال التي لم تقتصر على الكتابة والتأليف وإنما تجاوزت ذلك بتقديمها الكتاب والرسالة في قالب بشجع القارئ والمتعلم والباحث على القراءة والمطالعة والبحث والتعلم والتجاوب , فأين وجد أولئك العلماء والأدباء والباحثون والخطاطون كل ذلك الوقت لتأليف مئات الرسائل وعشرات الكتب التي يصل الواحد منها أحيانا إلى عشرات المجلدات تخطها أنامله أو من يساعده من الخطاطين كلمة كلمة بتلك الأناقة ؟ , ودائما ما تختتم المؤلفات بذكر مؤلف الكتاب وأهدافه من التأليف واسم الخطاط الذي كتب النص والشخصية التي من أجلها كتب والتاريخ , ومن يتبين حجم وأعداد المخطوطات العمانية التي ما نجا منها من التلف والضياع ومن الكوارث والزمن لا يعد شيئا مع ما ضاع ولم يكتشف بعد , يعجب أيما إعجاب لتلك الحركة العلمية النشطة والمدارس التقليدية والثقافة العامة التي قدمت كل أولئك العلماء والأدباء ومعهم ذلك التراث الهائل .
تشعرني المراسلات القديمة أو المخطوطات المتنوعة في أغراضها وأهدافها ومجالاتها والتي أحتفظ بها في مكتبتي وأحب بين الفينة والأخرى أن أبحر بين سطورها متأملا مستمتعا بجمال خطها العربي وكأن كاتبها قد أنهى كتابتها قبل أيام وليس ما يقارب القرن من الزمان , وإبداع كتابها في انتقاءهم للكلمات الفصحى المعبرة عن المعنى في أقل العبارات وأغزرها وأعمقها , وما تتضمنه من علم وأدب ورأي أصيل وحسن اضطلاع بالسياسة وحس وطني وشعور ديني وإطلاع عميق على أحداث ومستجدات العالم وتطوراته وثقافة شعوبه .. تشعرني بالحميمية والود وتأخذني إلى الماضي البعيد , أتفكر في اهتمامات الآباء وفي أساليب تعاملهم مع الحياة وفي قدرتهم على التغلب على التحديات الكثيرة التي تواجههم , كل كلمة وعبارة وسطر تتضمن هدفا وتحمل رسالة , دقة في اختيار الكلمات المناسبة وضبط غير طبيعي في الصياغة , نبضات صاحب الرسالة تكاد أن تقفز من بين السطور وهي تعبر عن مشاعره وأحاسيسه وآماله, كيف كانت تلك اللحظة بالنسبة له وهو يعد رسالته تلك , اراهاصاتها , أحداثها , ما يدور في المحيط من حراك ومشاهد وصور, تتزاحم ساعتها الأمنيات , ليت أجهزة التصوير كانت موجودة فتنقل لنا مع تلك الرسالة كل ما كان يدور في مرحلتها الزمنية أي لحظة إعداد الرسالة أو أن كاتبا مقتدرا صور لنا بقلمه المتميز المشهد بشخوصه وعناصره ومكوناتـه , والحياة آنذاك بكل ما تحمله من عناصر وسمات , تفتتح الرسالة دائما بالبسملة , فالمسلمون لا يقدمون على شيء ولا يتخذون قرارا إلا بعد بسملة , ثم ينتقي كاتب الرسالة من لغته العربية أروع عبارات المديح وأجمل الصفات المعبرة عـن الاحتـرام والتقديـر للمتلقـي (( الصفي – الصديق – المحب – الأخ – الودود – عالي الهمة ـ عزيز القدر ـ المحترم ـ النبيه ـ الأمجد ـ الهمام ـ الأرشد ـ الزكي ـ الرضا ـ الأجل .. )) وتتغير تلك الصفات والعبارات وفقا لمكانة الشخص العلمية والاجتماعية والسياسية وعمره ومحل اقامته وقربه أوبعده من المرسل وما إذا كان من أفراد العائلة أو القبيلة أو من خارج مظلتها .. وتنتقل الرسالة بعد ذلك إلى تقديم ملخص عن أخبار المنطقة أو القرية أو البلاد إذا كانت موجهة إلى شخص في بلاد أخرى والأحداث والمستجدات التي طرأت بما فيها الوفيات والولادات والأمطار والحصاد ووصف للمناسبات , كما تتضمن سؤالا واطمئنانا وشوقا للمعاهد والأطلال والأوطان والأحبة وتداولا للأوضاع والأخبار وتحليلا دقيقا لمختلف الأحداث والتطورات ومعاملات تجارية تتمثل في توكيل أشخاص وأوامر بيع وشراء لأصول وعقارات أوتحويلات مالية ومساجلات ومداعبات وتساؤلات أدبية وثقافية وفقهية ونحوية لأعلام كانت لهم مكانتهم العلمية والدينية والسياسية والاجتماعيـة , وتحمل تلك الرسائل كذلك لواعج الشوق والحنين , وتكون محملة بالمشاعر والحميمية وذكريات الصبا , وتتبع مواقع ومعاهد بعينها يتطرق إليها المرسل في رسالته النثرية وفي قصيدته الشعرية . كما تحتوي بعضها على نصائح وتوجيهات تعزز بآيات قرآنية وأحاديث وأبيات شعرية وأمثلة من التاريخ وقصص الأولين ودروس من أحداث مازالت حية , ما يؤكد على مستوى الوعي والثقافة والاطلاع الواسع والدرجة العلمية والنبوغ التي تميز بهـا العمانيون آنذاك .
لقد قامت وزارة التراث القومي والثقافة مشكورة بطباعة عدد كبير من تلك المخطوطات بعد أن خضعت للمراجعة والنقل والتحقيق على يد ثقاة وعلماء متخصصين , كانت همتهم في ذلك تناطح الثريا وقد أمضو سنوات طويلة في ذلك العمل المضني الذي يمر بمراحل مختلفة , وكنت شاهدا على واحدة من تلك التجارب وساهمت باليسير عندما كنت أحضر مجلس الشيخ العلامة / سالم ين حمد الحارثي رحمه الله , الذي كان يستغل كل لحظة وموقف في تكليفنا بالقراءة عليه أو الكتابة وراءه وهو يحقق كتاب / منهج الطالبين للعلامة / خميس بن راشد الشقصي أو بعض من أجزاء كتاب المصنف للشيخ / أحمد بن عبدالله الكندي , وبعض من أجزاء كتاب قاموس الشريعة للعلامة / جميل بن خميس السعدي . وكانت مكتبة الشيخ سالم تحتوي على مئات المخطوطات والرسائل , وفي بدايات النهضة المباركة رفع رسالة إلى المقام السامي حفظه الله بأهمية توجيه جلالته بتحقيق وطباعة المخطوطات العمانية , وكان متواصلا بشكل دائم مع سمو السيد فيصل بن علي وزير التراث في تلك الفترة , وبذلك التواصل والتنسيق والغيرة على المخطوطات من الضياع والعمل المتواصل صدرت العشرات من الكتب والموسوعات الفقهية . وقد بذلت هيئة المخطوطات والوثائق جهدا كبيرا في الآونة الأخيرة في جمع المخطوطات بمختلف أنواعها من المواطنين ومن خارج السلطنة وتوثيقها وفهرستها وحفظها من الضياع وفقا لخطة أخذت في الاعتبار الاستفادة من الخبرات العالمية والاقليمية والمحلية واستخدام الوسائل والأدوات الحديثة , وقد أقامت الهيئة عددا من المعارض لعرض تلك المخطوطات على الجمهور واطلاعه على الجهود المبذولة في هذا الإطار وبث التوعية وحث المواطن على تسليم الوثائق التي يحتفظ بها أو تمكين الهيئة من حصرها وتصويرها والاسهام في مساعدته للقيام بنفسه بذلك الحفظ , وتطمينه بأن وثائقه في أيد أمينة.

إلى الأعلى