الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة : التداعيات الاجتماعية لظاهرة سائقي المشاوير الخاصة

العين .. الثالثة : التداعيات الاجتماعية لظاهرة سائقي المشاوير الخاصة

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

لم يعد خافيا أو مخفيا على الكل، حجم ظاهرة استغلال الوافدين لأرقام سياراتهم الصفراء في نقل الركاب والبضائع، وقد أصبح معلوما بالضرورة من قبل الكل كذلك أن هذه الظاهرة في تنامٍ تزامنا مع تنامي حجم المشاريع في محافظة ظفار الخاصة والعمومية مقابل تردى اوضاع قطاع النقل بما فيه سيارات الاجرة الذي لا يزال يعمل باجتهادات وعشوائية ومزاجية، وتعلم الجهات الحكومية كذلك، أن هؤلاء الوافدين يخالفون في ذلك قانوني المرور والاقامة، ومع كل ذلك، فالظاهرة في تنام] وتمس رزق الكثير من المواطنين الذين لا مهنة لهم سوى العمل على سيارات الاجرة، وبالتالي، لن نتناول هذه الظاهرة في عموميتها بعد ذلك العلم المؤسساتي والمجتمعي ـ وإنما جزئية مهمة جدا فيها ومن منظور تداعياتها المجتمعية.
من اللافت للعيان أن تلكم الظاهرة قد ولدت مجموعة ظواهر في داخلها، ولكل واحدة منها تداعياتها الخاصة، وهذا شئ طبيعي، فالظواهر إن تركت دون حل تتراكم وتتغلغل في البنيات التحتية، وتولد بنات ربما يكون تأثيرهن أكبر من الأم نفسها، وهذا ما يحدث الآن في ظاهرة سائقي المشاوير الخاصة، وهذا اختراق ما بعده اختراق للوافدين في منظومتنا الاسرية، وتنازل جوهري جديد لأولياء الامور عن التزاماتهم الاسرية، فالأسر بالذات العنصر النسائي فيها بعدما يتعذر عليهن ايجاد ولي أمر أو ابن يتفرغ لهن أو حتى يضحي بجزء من الوقت لقضاء حوائجهن الخاصة كالتسوق والتنزه والزيارات والذهاب لمقر العمل …الخ يلجأن الى سائقي المشاوير الخاصة الذين هم من جنسيات متعددة، وقد اصبحت ارقامهم معروفة عند الكثير من الاسر، وللأسف البعض من الرجال يدخل هذا (التحول) من منظور المظهرية، حيث يكون للأسرة سائق خاص أو سائقان خاصان، وهذا فعلا ليس تطورا بل تحولا مجتمعيا له تداعياته الكبيرة على المنظومة الاخلاقية والنفسية الاسرية، وقد أصبحت تداعياتها تطفو فوق السطح، وتكثر وتتسع حالاتها، وتمس الاستقرار الاسري بحسن نية من العنصر النسائي وباللامبالاة من العنصر الرجالي، ولسنا بحاجة للاستدلال بوقائع قد حدثت فعلا مؤخرا، فالظاهرة تحمل اليقين الحتمي في مضامينها بانه سوف ينتج عنها افرازات سلوكية غير اخلاقية وإجرامية مستقبلا (…) كلما تكررت العلاقة وتعمقت بين أطرافها، فالتكرار والعمق يزيلان الحواجز ويرفعان التكلف عن النفسيات، ويقربان العلاقة شكلا وجوهرا، وتلتقي هذه الاسر (ببابو ومينو وراجو وشبير .. وهم من أشهر مقدمي الخدمة الخاصة) أكثر من اولياء امورها في اليوم، ومن ثم، فهل نتوقع أن يكون بابو ومينو ملائكة عندما يشاهدون مظاهر العمق في العلاقة؟ خاصة وأنهم يقدمون الخدمة الخاصة للأسر على مدار الساعة، لا تعرف حدودا زمنية سوى سويعات النوم القليلة، مما يظهر المشهد المجتمعي في رصده العام، أن تلك الاسر هى اقرب لبابو ومينو .. من اولياء أمورها، فرحماه بالأسر، بل ورحمة بأنفسنا ايها الاباء، ففي حديث نبوي شريف رواه عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)، فهل ترك مسئولية الاسرة لبابو ومينو .. تعبر هنا عن التزامنا بالمسئولية الشرعية التي سنسأل عنها – دون شك – ؟ من غيرك ايها الاب الذي ينبغي أن ينقل اسرته للتسوق أو ابنته للتنزه، فالمسؤولية ليست مادية، فالأب يتوهم أنه بمجرد أن يوفر لأولاده المال والطعام والشراب وما يحتاجون، فقد أدى الذي عليه، والحقيقة: أن المهمة الأكبر والأخطر، والتي سوف يكون السؤال عنها أشد هي: مسؤولية الأب عن دين اسرته وعن أخلاقهم، وعن مستقبلهم الأخروي، لأنه ورد في الأثر: أن الابن إذا لم يعتن أبوه بدينه واستوجب النار، يقول: يا رب لا أدخل النار حتى أُدخِل أبي قبلي، وهذا الجدال الأخروي، يدفع بنا الى فتح قضية أخرى تبين لنا الى إي مدى يمكن ادانة بعض الاباء الذين سلموا مسئولية تربية الابناء لسائقي الاسرة الخاصين أو المستترين، فقد استوقفنا في تداعيات هذه القضية مشاهد عدم دخول بعض الطلبة الى المدرسة مباشرة يعد أن تنزلهم سيارات حكومية بالقرب من بابها أو سيارات بابو ومينو .. واتجهوا مباشرة لمحل تجاري يبعد عن المدرسة أكثر من مائتي متر لشراء سيجارة، ووجود مثل هذه المحلات تبيع (التبغ) بالقرب من المدارس، مسئولية من؟ يبيعونها للطلبة بالمفرد (الحبة بخمسين بيسة) فالطالب لا يمكنه شراء العلبة بريال، فهل يعرف اولياء امور الطلبة بهذا السلوك؟ السائق دوره محدد وواضح، وهو نقلهم وليس الحرص على سلامة تربيتهم وحسن اخلاقهم، فمن ينبغي أن يربي من؟ وكيف لا نريد انتشار ظاهرة التدخين في جيل الاطفال والشباب ؟ تستوقفنا كثيرا هذه الجزئية المهمة في قضيتنا المطروحة اليوم، ونعتبرها جزءا لا يتجزأ من ظاهرة كبرى وهى رفع اولياء الامور ايديهم عن الكثير من التزاماتهم الاسرية، وسلموا مسئولية التربية للسائقين والمربيات وللمدرسة فقط، فماذا ستكون النتائج؟ تحدثنا في مقالات سابقة عن بعضها، وأكدنا فيها انتشار ظاهرة التدخين في صفوف الشباب وحتى الاطفال، واعتبرنا ذلك مقدمة لما هو أكبر، والاكبر قد تكون الماواة أو القات أو بقية المخدرات، وكذلك ظاهرة التسرب من المدارس ونتائج الطلبة المتدنية .. والان يتنازلون عن مسئولية كبرى لبابو ومينو.. فالفأس قد وقع في راس البعض، ونتمنى أن لا يقع فوق آخرين، ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)) فالرعاية لا تتجزأ، فهى وحدة متكاملة، كما لا يمكن التنازل عنها لبابو ولا لمينو .. وإنما هى مسئولية شخصية لا تسقط عن الراعي، ولا تتجزأ ابدا، ونتمنى أن ترصدوا وتتابعوا تداعيات ظاهرة سائقي المشاوير الخاصة حتى تعرفوا حجم المشكلة وماهيتها، ونتركها لكم للمتابعة أو على الأقل تخيلها، فمن السهولة بمكان تصويرها بالمنطق السليم.

إلى الأعلى