الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : حروب الجيل الرابع .. حين تدمر الدول بأيدي شبابها

شراع : حروب الجيل الرابع .. حين تدمر الدول بأيدي شبابها

خميس التوبي

في خضم سونامي الفوضى والإرهاب الذي يضرب بكل شدة وعنف المنطقة وأطاح بالعديد من دولها ويهدد أخرى، وفي خضم استمرار عمليات التدجين للفكر وتطويعه لما يخدم مخطط تفتيت المنطقة وإعادة رسمها، تبحث اليوم دول المنطقة عن السواد الأعظم من شبابها الذين وقعوا ضحية لحروب الجيل الرابع المتمثلة في وسائل الإعلام المختلفة ووسائل التواصل/ التنافر الاجتماعي، والذين أصبحوا صيدًا سهلًا ـ إلا ما رحم ربي ـ لعمليات تدجين الفكر وغسل الأدمغة، فتحولوا تحت تأثير وسائل الحرب هذه إلى رماح ينحر بها الأعداء الأوطان العربية تحت شعارات طائفية مذهبية “سنية، شيعية، مسيحية”، وإنسانية حقوقية “الديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة وحماية المدنيين وحقوق الإنسان” التي نجح الأعداء عبر تنميقها وتزويقها وتزيينها في نفوس الشباب المدجنين في اقتحام المحظورات وما عجزت عنه جيوشهم وأجهزة استخباراتهم.
اليوم يقف الأعداء منبهرين حتى الثمالة من القدرة الفائقة لوسائل حرب الجيل الرابع على تحقيقها متوالية السقوط والتحطيم لدول بالمنطقة وبأيدي شبابها سيرًا على قاعدة الدومينو، فمن خلال هذه الوسائل استطاع الاستعمار الامبريالي الصهيو ـ غربي وعبر أجهزة استخباراته تجنيد جيوش من الشباب العرب سواء عبر اللقاءات المباشرة وإعداد كوادر منهم وتدريبهم على كيفية اقتناص المعلومة والعزف على وتر الخبر الخاص ببلدهم، وطريقة التحدث وإثارة البلبلة حوله، وكيفية اصطياد مجموعات من الشباب لا سيما خاوي الفكر والمعرفة ومن الباحثين عن عمل أو المتسربين عن الدراسة أو من المدمنين، وكيفية السيطرة عليهم واحتوائهم وامتلاك تبعيتهم. وعادة ما يتم تجنيد ممن لمع نجمهم في سماء التمرد والخيانة والعمالة، وممن حاولوا الاختباء وراء أستار الثقافة والوطنية، وكذلك دعاة الدفاع عن حقوق الإنسان والعدالة والمساواة والديمقراطية.
وأمام الانتشار الهائل لوسائل حروب الجيل الرابع ولجيوش المجندين انتشر “الرويبضة” مزاحمين بخوائهم الفكري والمعرفي رجال الدين والسياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والأدب والأمن، فغَدَا كل واحد منهم محللًا سياسيًّا واقتصاديًّا ومفتيًا، يدس أنفه فيما لا يقع ضمن دائرة تخصصه ومعرفته وفهمه، ويزكم بجهله الأنوف، ويعمي البصر والبصيرة، وهو في ذلك إنما يؤدي وظيفته المسندة إليه سواء بإدراكه أو بجهله لإثارة الفوضى وتشويه كل خطوة تخطوها بلاده، شاهرًا سيف غبائه وجهله ووعيه المغيب أمام كل شاردة وواردة تتعلق بالسياسة أو الاقتصاد أو الدين أو…أو… داخل بلاده.
إن ما جرى ويجري إعداده من مؤامرات وفتن وإرهاب في مطابخ أجهزة الاستخبارات الصهيو ـ غربية لا يخرج عن سياقات الهيمنة والاستعمار الموجهة إلى الإنسان العربي قبل دولته، لأن السيطرة على أفكاره وهدمه إنسانيًّا وكيانيًّا وفكريًّا ودينيًّا وطائفيًّا ومذهبيًّا عبر وسائل الإعلام الحديثة (وسائل حرب الجيل الرابع) سيجعلان منه آلة تدمير ضد وطنه، وهذا ما يمكن اكتشافه من خلال مستوى التطابق في مجمل عناصر المشروع العدواني الإرهابي؛ أي مستوى التطابق بين القوى الاستعمارية والتنظيمات التابعة. وهناك جملة وقائع تؤكد هذا التحول في سياسة الاستعمار الصهيو ـ غربي، والنجاح في خلق حالة التماهي القائمة بين المستعمِرين (بكسر الميم) والمستعمَرين (بفتح الميم) فكريًّا، منها:
أولًا: ما نشرته صحيفة “اندبندنت” البريطانية عن أن بريطانيا تدير محطة مراقبة سرية في الشرق الأوسط لاعتراض عدد كبير من المكالمات الهاتفية والرسائل الإلكترونية وحركة البيانات على الإنترنت وتتبادل تلك المعلومات مع أجهزة المخابرات في الولايات المتحدة. وذكرت الصحيفة نقلًا عن وثائق سربها الموظف السابق بوكالة الأمن القومي الأميركية إدوارد سنودن أن المحطة تأتي في إطار مشروع تنصت عالمي بقيمة مليار جنيه استرليني 1.56 مليار دولار تديره بريطانيا لاعتراض الاتصالات الرقمية. وأضافت الصحيفة اللندنية أن البريطانيين تمكنوا من التنصت على كابلات الألياف البصرية البحرية التي تمر عبر الشرق الأوسط. كما كشف سنودن لصحيفة الجارديان البريطانية عن ملفات سرية تتهم الاستخبارات البريطانية والأميركية بإدارة برنامجين مشتركين يعرفان باسم (تامبورا) و(بريزم) تم من خلالهما اختراق كبرى مواقع وشركات الاتصالات العالمية مثل (جوجل) و(فيسبوك) إضافة إلى تسجيل مكالمات هاتفية وتخزين ملفات إلكترونية لا تحصى. فضلًا عن الشكاوى والجدل الكبير داخل الولايات المتحدة حول رقابة الاستخبارات الأميركية لشبكات الإنترنت. ما يعني أن هذه الوسائل تدار مثلما تراقب من الاستخبارات البريطانية والأميركية والصهيونية، ويبث عبرها السموم من الخارج من خلال عملاء بالداخل في الدول العربية والإسلامية.
ثانيًا: صحيفة “وول ستريت جورنال” نشرت مقالًا عن الصهيوني برنارد لويس الذي رسم خريطة التقسيم والتفتيت للدول العربية والذي دعا إلى استخدام وسائل الإعلام الحديثة (حرب الجيل الرابع) لاصطياد الشباب ونزع الثقة منهم وغسلهم فكريًّا، وهنا نورد مقتطفات منه:
إن برنارد لويس “90 عامًا” المؤرخ البارز للشرق الأوسط قد وَفَّرَ الكثير من الذخيرة الأيديولوجية لإدارة بوش في قضايا الشرق الأوسط والحرب على الإرهاب؛ حتى إنه يُعتبر بحقٍّ منظرًا لسياسة التدخل والهيمنة الأميركية في المنطقة. طوَّر “لويس” روابطه الوثيقة بالمعسكر السياسي للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة منذ سبعينيات القرن العشرين، كما كان مستشارًا لإدارتي بوش الأب والابن. لويس الأستاذ المتقاعد بجامعة “برنستون” ألَّف 20 كتابًا عن الشرق الأوسط من بينها “العرب في التاريخ” و”الصدام بين الإسلام والحداثة في الشرق الأوسط الحديث” و”أزمة الإسلام” و”حرب مندسة وإرهاب غير مقدس”. لم يقف دور برنارد لويس عند استنفار القيادة في القارتين الأميركية والأوروبية، وإنما تعدَّاه إلى القيام بدور العرَّاب الصهيوني الذي صاغ للمحافظين الجدد في إدارة الرئيس بوش الابن إستراتيجيتهم في العداء الشديد للإسلام والمسلمين، وقد شارك لويس في وضع إستراتيجية الغزو الأميركي للعراق؛ حيث ابتدع لويس للغزو مبرراته وأهدافه التي ضمَّنها في مقولات “صراع الحضارات” و”الإرهاب الإسلامي”.
وفي مقابلة أجرتها وكالة الإعلام مع “لويس” في 20/5/2005م قال الآتي بالنص: “إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون، لا يمكن تحضرهم، وإذا تُرِكوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمِّر الحضارات، وتقوِّض المجتمعات، ولذلك فإن الحلَّ السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم، وتدمير ثقافتهم الدينية وتطبيقاتها الاجتماعية، وفي حال قيام أميركا بهذا الدور فإن عليها أن تستفيد من التجربة البريطانية والفرنسية في استعمار المنطقة؛ لتجنُّب الأخطاء والمواقف السلبية التي اقترفتها الدولتان، إنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية، ولا داعي لمراعاة خواطرهم أو التأثر بانفعالاتهم وردود الأفعال عندهم، ويجب أن يكون شعار أميركا في ذلك، إما أن نضعهم تحت سيادتنا، أو ندعهم ليدمروا حضارتنا، ولا مانع عند إعادة احتلالهم أن تكون مهمتنا المعلنة هي تدريب شعوب المنطقة على الحياة الديمقراطية، وخلال هذا الاستعمار الجديد لا مانع أن تقدم أميركا بالضغط على قيادتهم الإسلامية ـ دون مجاملة ولا لين ولا هوادة ـ ليخلصوا شعوبهم من المعتقدات الإسلامية الفاسدة، ولذلك يجب تضييق الخناق على هذه الشعوب ومحاصرتها، واستثمار التناقضات العرقية، والعصبيات القبلية والطائفية فيها، قبل أن تغزو أميركا وأوروبا لتدمر الحضارة فيها”.

إلى الأعلى