السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / كيماوي داعش!

كيماوي داعش!

” لا غرابة في حصول داعش وغيرها من الجماعات الإرهابية في سوريا والعراق على الكلور أو غيره من الأسلحة الكيماوية، بالضبط كما حصلت على أنواع مختلفة من الأسلحة التي مولتها ملايين الدول الداعمة لما تسمى المعارضة السورية الهادفة للإطاحة بالنظام السوري. ويسهم العرب ـ للأسف الشديد ـ في ذلك التمويل أكثر من غيرهم، بالضبط كما مولوا حروب تدمير العراق من قبل وليبيا من بعد.”
ــــــــــــــــــــــــ
استغرب البعض أن يصدر مجلس الأمن الدولي مؤخرا بيانا ضد استخدام غاز الكلور في الحرب في سوريا دون اتهام النظام السوري بالتحديد، إلى أن أعلن الأكراد أن لديهم أدلة على استخدام مقاتلي تنظيم الدولة غاز الكلور ضد قوات البشمركة الكردية. الواضح إذا ان مجلس الأمن، أو على الأقل الأعضاء دائمي العضوية، يعرف من يستخدم غاز الكلور ـ وربما غيره من الأسلحة الكيماوية ـ في الحرب السورية. وما بيان المجلس سوى محاولة للتنصل من مسؤولية دولية عن تمدد تنظيم الدولة، وما يضمه من جماعات كداعش وغيرها، بالضبط كما يفعل العالم عبر تحالفه لمحاربة داعش وكما فعل الغرب من قبل تجاه القاعدة وطالبان وغيرها ـ وبوضوح تجاه الجماعة الأم لكل تلك التنظيمات.
أولا، لا يستبعد اطلاقا ان يستخدم داعش السلاح الكيماوي ضد المدنيين والمقاتلين على السواء، فقد أثبت كل هؤلاء المتطرفين أنهم لا يعتدون بأي معايير أخلاقية أو انسانية. فبعد ما شهده العالم من ممارساتهم تجاه حتى المدنيين العزل الذين يختطفوهم ثم يذبحوهم لن يكون غريبا أن يزيلوا بشرا بالسلاح الكيماوي لأنهم يخالفونهم الرأي والمعتقد. ولا أظن أنه يمكن فتح باب التبرير لهؤلاء المجرمين المتطرفين بالقول إنهم ربما سيطروا على مخزونات أسلحة كيماوية تابعة للقوات السورية أو العراقية، فقد شبعنا كذبا وتلفيقا منذ فضيحة عرض الجنرال كولن باول وقت ان كان وزير خارجية جورج بوش الصغير في الأمم المتحدة لأسلحة العراق الموهومة. ثم إن العالم اصطف بنهاية عام 2013 ليجبر الحكومة السورية على التخلص نهائيا من اي أسلحة كيماوية لديها والقضاء على اي امكانية لتصنيعها.
لا غرابة في حصول داعش وغيرها من الجماعات الإرهابية في سوريا والعراق على الكلور أو غيره من الأسلحة الكيماوية، بالضبط كما حصلت على أنواع مختلفة من الأسلحة التي مولتها ملايين الدول الداعمة لما تسمى المعارضة السورية الهادفة للإطاحة بالنظام السوري. ويسهم العرب ـ للأسف الشديد ـ في ذلك التمويل أكثر من غيرهم، بالضبط كما مولوا حروب تدمير العراق من قبل وليبيا من بعد. ولو أن أحدا غير الأكراد اتهم داعش أو النصرة باستخدام السلاح الكيماوي لسمعت صراخا من كل حدب وصوب يبرئ الإرهابيين ويلقي باللوم على النظام السوري. لكن الأكراد أهل ثقة لدى الغرب ولدى الدول المناوئة للحكومة السورية، ومصدر الشك الوحيد في الاتهام الكردي لتنظيم الدولة هو أن الأكراد ربما يريدون توريط تركيا باعتبارها من ورد السلاح الكيماوي لداعش. لكن الواضح أن أدلة الأكراد المادية قوية، وإلا ما كان مجلس الأمن اصدر بيانه سالف الذكر قبل ايام.
مع كل هذا، لا يتوقع أن يحظى هذا الأمر بالتغطية الواسعة ولا برد الفعل القوي والواضح من دول العالم ـ خاصة أميركا وأوروبا ـ التي يفترض أنها تحارب داعش وتريد القضاء عليها. فالعالم ببساطة لا يهمه كثيرا استخدام داعش أو النصرة أو حتى أنصار الشريعة أو انصار بيت المقدس في ليبيا ومصر السلاح الكيماوي، فكلهم عرب ومسلمون يقتلون عربا ومسلمين. حتى الأكراد، وإن اهتم بهم الغرب لغرض مرحلي، ما لم يكن هناك مصلحة تتحقق من وراء متابعة استخدام داعش للكيماوي ضدهم فلن يكون حظهم أفضل كثيرا. وبما أن الدول الساعية إلى اسقاط النظام السوري لا تجد فائدة في فتح موضوع كيماوي داعش فلن يتحرك العالم، بل إن تلك القوى ـ غربية كانت أم اقليمية ـ ربما ترى في فتح موضوع كيماوي داعش “حرفا للأنظار عن الخطر الرئيسي وهو النظام السوري”!.
وللأسف الشديد يبدو ذلك مفهوما تماما، فتأكيد استخدام تنظيم الدولة للسلاح الكيماوي سيعيد الشكوك القوية التي أثيرت إبان حادثة استخدام ذلك السلاح في الغوطة في صيف 2013 وكانت الذريعة الدولية لنزع السلاح الكيماوي السوري بقرار من مجلس الأمن. تلك الشكوك كانت منطقية في وقتها، وحال تأكد اتهامات الأكراد لداعش ستكتسب تلك الشكوك مصداقية. ولن يجدي كثيرا القول بأن تنظيم الدولة لم يكن موجودا في أغسطس 2013 وقت مجزرة الغوطة، ذلك ان داعش والنصرة وغيرها من التنظيمات “الجهادية” تبادلت الأعضاء وولاءات الجماعات ليتكون تنظيم الدولة. ولعلنا لم نكد ننسى أن السلاح الكيماوي وقتها استهدف قرى ذات أغلبية مسيحية (وإن كان الإرهابيون لا يفرقون بين متدينين وغير متدينين، مسلمين وغير مسلمين) لا يستغرب أن تستهدفهم جماعات كالنصرة وجيش الإسلام وما شابه أكثر مما هو من مصلحة النظام استهدافهم. ثم إن العالم بدا وكأنه كان بانتظار هذا الهجوم الكيماوي للصراخ طلبا للتدخل العسكري الدولي. لكن الواضح وقتها أن القوة الوحيدة القادرة على التأثير بتدخل دولي وهي أميركا كانت تعرف من استخدم الكيماوي ومن اشتراه ومن أدخله إلى سوريا بهدف توريطها في تدخل عسكري فلم تستجب للصراخ. وذهبت محاولات استئجار الفرنسيس ليطالبوا بتدخل عسكري دولي ضد دمشق استنادا إلى حادث الكيماوي أدراج الرياح.

د.أحمد مصطفى كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى