الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع .. سوريا: تفاوض كيري .. رضوخ أم مناورة؟

شراع .. سوريا: تفاوض كيري .. رضوخ أم مناورة؟

خميس التوبي

قطعًا من تابع التصريحات الأميركية الأخيرة وإيحاءها برغبة واشنطن في التحاور في النهاية مع الرئيس السوري بشار الأسد لإنهاء الأزمة السورية، استلفتته تلك النوبات من القلق والصداع والجنون وفقدان التركيز التي أصابت القوى المشكِّلة للمعسكر التآمري الذي تقوده الولايات المتحدة لإسقاط سوريا، حيث بدا ذلك في ردات الفعل المستهجِنة والمستنكِرة لتصريحات رئيس الدبلوماسية الأميركية جون كيري التي (ردات الفعل) عبرت عن خوف كبير من أن تطوِّح الولايات المتحدة بشركائها في أرض الحوار مع سوريا بالتزامن مع أو عقب الحوار مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية حول ملف برنامجها النووي فلا يرجعون بعدئذ، أو يرجعون وهم يجرون أذيال الخيبة والحسرة والهزيمة والانكسار والإذلال بعد أربع سنوات عجاف، لا سيما أولئك الشغَّالون من المرتزقة والعملاء والوكلاء.
لقد ألقى كيري حجرًا في المياه الراكدة لمعارضة بلاده “المعتدلة” و”الفانتازية” على الأرض السورية جراء التقدم اللافت للجيش العربي السوري وقوات الدفاع الوطني المساندة له، والتحول الكبير في المزاج الشعبي وارتفاع مستوى الوعي لدى المواطن السوري نتيجة ما رآه من حقائق وهول المشاهد والصور التي لم تخطر على باله لممارسات المعارضة الأميركية “المعتدلة”، وهو أسلوب قائم في السياسة الأميركية وقد استخدمته الإدارة الأميركية كثيرًا، سواء فيما يخص الأزمة السورية أو غيرها وذلك لقياس ردات الفعل، واستكشاف الآفاق الممكنة وغير الممكنة من أجل البناء على ذلك الخطوة اللاحقة.
صحيح أن كيري حاول قلب الحقيقة بتصوير واشنطن أنها هي التي ترغب في التفاوض وأن الرئيس السوري هو من يرفض. إلا أنه ـ في تصوري ـ هناك قراءات واستنتاجات لماهية تصريحات وزير الخارجية الأميركي جون كيري في مقابلته مع شبكة (سي بي أس) الأميركية التي رد خلالها على سؤال حول احتمال التفاوض مع الرئيس السوري بشار الأسد بالقول: “حسنًا، علينا أن نتفاوض في النهاية. كنا دائمًا مستعدين للتفاوض في إطار مؤتمر جنيف 1″. مضيفًا: “الأسد لم يكن يريد التفاوض. إذا كان مستعدًّا للدخول في مفاوضات جدية حول تنفيذ جنيف 1، فبالطبع. نحن نضغط من أجل حثه على أن يفعل ذلك”.وحين نربط هذه التصريحات بالظرف والزمن يمكن أن يقودنا الربط إلى الاستنتاجات التالية:
أولا: أن كيري لا يزال يخوض مفاوضات صعبة وحساسة مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف حول ملف البرنامج النووي الإيراني، والولايات المتحدة تسابق الزمن لإنجاز الاتفاق مع طهران، فضلًا عن أنها قد وعدت حلفاءها وأتباعها بأن الاتفاق لن يكون على حساب مصالحها ومصالحهم الاستراتيجية والقومية. ولذلك يبدو أن كيري إما أراد أن يقدم طعمًا لطهران في صورة تنازل عن ما أعلنته إدارة أوباما وتعلنه من مواقف ضد سوريا وشخص الرئيس بشار الأسد وحكومته، لتليين مواقفها وتقدم هي الأخرى تنازلات تريدها واشنطن وحلفاؤها، وبعد النجاح في ذلك سيكون لكل حادث حديث. وإما أن كيري أراد أن يبعث برسالة لحلفاء بلاده وأتباعها مفادها بأن الاتفاق مع إيران هو أخف الضررين على الولايات المتحدة من فشله، وبالتالي لا بد من تقديم تنازل في الملف السوري بالاعتراف بشرعية الرئيس السوري وحكومته والتفاوض معه وصولًا إلى حل سياسي ينهي الأزمة.
ثانيا: وصول الولايات المتحدة إلى قناعة بأن إسقاط سوريا ليس في وسع معسكر التآمر والعدوان ـ على الأقل في المرحلة الراهنة ـ وأن إدارة أوباما بدأت تشعر بمرارة تضليلها من قبل عملائها وأتباعها بأن إسقاط سوريا سيكون أسرع وأسهل من إسقاط العراق وليبيا، خاصة بعد أن تبين لها بعد أربع سنوات كاملة من المؤامرة الإرهابية والتي اشتركت فيها دول وصل عددها إلى مئة وثمانين دولة، ورغم هذا العدد الهائل ـ الذي يتجاوز نصف دول العالم والذي صرف عشرات المليارات من الدولارات وجند أكثر من مئتي ألف إرهابي ومرتزق وتكفيري ـ أن الجيش العربي السوري يزداد صلابةً وصمودًا وتتراكم خبراته القتالية والتكتيكية في الميدان من خلال إدارة المعركة مع العصابات الإرهابية، ملحِقًا بها ضربات نوعية وقاصمة، فضلًا عن صلابة مواقف حلفاء سوريا واستعدادهم للذهاب بعيدًا حتى المواجهة الكاملة والدخول في حرب إقليمية شاملة. ومن المؤكد أن الأجهزة العسكرية والأمنية والاستخبارية ومراكز الأبحاث والدراسات قد وصلت إلى نتيجة مقنعة بشأن هذه الحقيقة بالمقارنة بين فشل حلف شمال الأطلسي في أفغانستان وأمام حوالي ستة عشر ألف مقاتل من طالبان، وبين نجاحات الجيش العربي السوري في مواجهة عصابات إرهابية قوامها مئتا ألف إرهابي أو يزيدون، في ظل حصار اقتصادي جائر، وتدمير ممنهج للبنية التحتية السورية.
ثالثا: لطالما راهنت الولايات المتحدة على حلفائها وعملائها وأتباعها في تدخلاتها العسكرية وغير العسكرية، فإنها تريد أن تقيس إلى أي مستوى يصل إليه نَفَسُ هؤلاء الحلفاء والعملاء واستعدادهم لمواصلة استنزاف دول المنطقة وإسقاطها لتنفيذ المشروع الصهيو ـ غربي، مع إدراكها المطلق بأنها هي وحليفها الاستراتيجي كيان الاحتلال الصهيوني هما الظافران من كل هذه الفوضى والإرهاب. إن أيًّا من تلك القراءات والاستنتاجات أقرب إلى حقيقة تصريحات جون كيري وماهيتها بشأن التفاوض مع الرئيس السوري بشار الأسد، لكن لا يزال ثمة شك كبير وصعوبة في تحديد إجابة مقنعة، فواشنطن مستمرة في دعم الإرهاب وتجنيد الإرهابيين وتدريبهم في الجوار السوري وخارجه وأعلنت عن خطوات عسكرية لحماية هؤلاء الإرهابيين الذين تدربهم بهدف الإطاحة بالحكومة السورية، فهل هي مستعدة للتضحية بهم والاستثمار فيهم؟
وعلى الرغم من جهود الاستدراك التي حاولت جاهدة المتحدثة باسم الخارجية الأميركية جين بساكي للتقليل من وقع تصريحات كيري على قوى معسكر التآمر والعدوان، فإن منطق الرد السوري الرسمي كان حاضرًا على لسان الرئيس بشار الأسد بأن الأفعال هي الدليل على صدق التصريحات وإلا فلا.

إلى الأعلى