الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / نتنياهو وهيرتسوغ.. “عند جُهينة الخبر اليقين”

نتنياهو وهيرتسوغ.. “عند جُهينة الخبر اليقين”

د. فايز رشيد

” إن التقسيمات الصهيونية لوجود ثلاثة معسكرات لليمين والوسط واليسار في الكيان، بالنسبة للموقف من القضية الفلسطينية، هو افتراء على الحقيقة والواقع وعلينا أن لا نقع عربيا في فخ هذه التسميات… ففي النتيجة كلهم صهاينة. صحيح أن بعض الأحزاب ترفع شعارات برّاقة، لكن المدقق في مسلكيتها وبعض شعاراتها يجد وبلا أدنى جهد أنها ليست أكثرمن لعبة انتخابية،”
ـــــــــــــــــــــــــــ
أصدق تصريحات القادة الصهاينة هي تلك التي يصرّحون بها عشية الإنتخابات، كونها تعبّر حقيقة عمّا في دواخلهم ويخاطبون بها شارعهم لكسب المزيد من الأصوات. القاسم المشترك الأبرز للتصريحات هي التطرف، لذا فإن كسب أصوات الشارع تأتي من خلال التطرف أيضا… وهو ما يعني بالضرورة : تطرّف هذا الشارع وحقيقة تحولاته !.
نتنياهو أعلن بكل الصراحة والوضوح أنه إذا ما عاد إلى السلطة فلن تقوم دولة فلسطينية، وسيقوم بتعزيز الإستيطان، وبخاصة في القدس.هيرتسوغ يصرّح بأنه سيحرص على أن تظّل القدس العاصمة الموحّدة والأبدية لإسرائيل. ليبرمان يقول بأنه سيشن حربا جديدة على غزة. ليفني يكفيها (فخرا) أنها برّرت ممارستها الشخصية للرذيلة مع فلسطينيين وعربا في سبيل مصلحة إسرائيل!. للعلم كلهم يتباهون باللاءات حول القدس، وسحب التجمعات الإستيطانية الكبيرة من الضفة الغربية، وحق عودة اللاجئين. كلهم متفقون على جوهر مستقبل مضمون الدولة الفلسطينية العتيدة، نتنياهو يعلن صراحة: لا دولة. هيرتسوغ وليفني مع دولة بشروط إسرائيلية لها،أما ليبرمان فإنه ينكر وجود شعب فلسطيني من الأساس.
يحاول البعض بكل الوسائل والسبل تلطيف نتائج الإنتخابات، بالاستطلاعات التي تؤكد فوز “المعسكر الصهيوني” بزعامة هيرتسوغ- ليفني!.الاستطلاعات جرت في الكيان من جهات عديدة وبشكل شبه يومي تقريبا(حتى ما قبل يومين من بدء الإنتخابات وفقا للقانون). التركيز في العديد من الوسائل الإعلامية يتمثل في التطرق إلى السباق بين التحالف الأشد تطرفا بزعامة نتنياهو، وبين التحالف المتطرف بزعامة هيرتسوغ!. بالطبع الاستطلاعات كثيرة والمؤكد فيها أن الأحزاب اليمينية الأشد تطرفا هي التي ستحقق تناميا وتقدما كبيرا من حيث النتائج ، وهو(مثلما قلنا) ما يدلل على مسار واتجاه التحولات في الكيان. أيضا، حتى لو زادت مقاعد المعسكر الصهيوني عن أصوات الليكود، فالأخير هو الأقدر على تشكيل الحكومة بزعامة نتنياهو، اعتمادا على الأحزاب الأكثر تطرفا مثل “شاس” وحزب ليبرمان “إسرائيل بيتنا” و “يهودات هاتوراة” وحزب “هاكولام” بزعامة القادم الجديدة كحلون، وغيرها.
إن التقسيمات الصهيونية لوجود ثلاثة معسكرات لليمين والوسط واليسار في الكيان، بالنسبة للموقف من القضية الفلسطينية، هو افتراء على الحقيقة والواقع وعلينا أن لا نقع عربيا في فخ هذه التسميات… ففي النتيجة كلهم صهاينة. صحيح أن بعض الأحزاب ترفع شعارات برّاقة، لكن المدقق في مسلكيتها وبعض شعاراتها يجد وبلا أدنى جهد أنها ليست أكثرمن لعبة انتخابية، لا تعكس حقيقة التوجهات السياسية لها في كثير من القضايا، وبخاصة فيما يتعلق بالصراع والتسويات المطروحة، سواء مع الفلسطينيين أو العرب. فمثلا يتصور الكثيرون منا أن فوز تحالف حزبي “العمل” برئاسة هيرتسوغ مع حزب “كاديما” بقيادة تسيبي ليفني، سيكون “أرحم” من فوز نتنياهو وتحالفه، بالاعتماد على تصريحات كل من هيرتسوغ وليفني ومناداتهما بـ”السلام”. نعم غالبية تصريحاتهما تصب في أهمية الوصول إلى “السلام”. ليفني وهيرتسوغ (على سبيل المثال) انتقدا في تصريحاتهما نتنياهو على تعامله مع حرب غزة 2014 (بعد انتهائها بالطبع) ،واتهماه : بأنه بشن الحرب وضع عقبات جديدة امام تحقيق السلام مع الفلسطينيين والعرب، وعطّل على إسرائيل قيام تحالفات إقليمية جديدة.
طرفا هذا التحالف (المعتدل!) يرفعان شعارات تتحدث في معظمها عن: العدل والمساواة بين كل الشرائح الإجتماعية في الكيان، شعارات تخاطب الفقراء وتدّعي: الدفاع عن مصالحهم وغير ذلك من الكلام الرنّان!. لا يلبث مرشحوالحزبين (كما كل الأحزاب الأخرى)، وبعد نجاهم: أن يتنكروا لكل شعاراتهم السابقة. من الأمثلة البارزة على صحة ما نقول : تسيبي ليفني نفسها وتحولاتها السياسية أثناء تسلمها للمناصب الوزارية، يائير ليبيد زعيم حزب ” يوجد مستقبل” وغيرهما كثيرون.
معروف تاريخ حزب العمل (أثناء تسلمه للحكم) في اقتراف العدوان على الدول العربية عدا عن الفلسطينيين، والمذابح التي اقترفها، وسياسته الإستيطانية وغيرذلك من الإجرام. ومعروف أيضا دفاعه عن مجازر الكيان وهو خارج السلطة. المجال لا يتسع لإيراد اتفاصيل ما اقترفه هذا الحزب بحق شعبنا وأمتنا.
إن حزب العمل الإسرائيلي، وكذلك حزب كاديما، هما حزبان صهيونيان حتى العظم، وفي تبنيهما للقضايا الاجتماعية الداخلية يحملان شعارات لا يعملان على تطبيقها، وهما يساومان على هذه الشعارات في أغلب الأحيان. لقد خاض الحزبان مع الفلسطينيين مباحثات طويلة، لم تسفر عن شيء حقيقي بقدر ما استعملت من قبلهما، كتكتيك سياسي، هدفه أولاً وأخيراً: الإيحاء للعالم بأن هناك في إسرائيل قوى تدعو إلى السلام. المعتدلون هم من رفضوا ويرفضون اعتناق الأيديولوجية الصهيونية فكراً وممارسةً، وهم الذين يكافحون ضد السياسات الإسرائيلية، وفي كثير من الأحيان لا يستطيعون العيش في مثل هذا الشارع، بل تراهم يغادرون إسرائيل، بل يهاجرون منها مثل: إيلان بابيه، والمحامية التقدمية: فيليتسيا لانجر.
ليس المقصود مما تقدم، إغماض العينين عن وجود التمايزات أو حتى التناقضات بين الأحزاب الإسرائيلية تجاه هذه القضية السياسية أو تلك، لكن هذه إن وجدت فهي تتخذ مظهر الثانوية. وليس أيضا المقصود إغفال التناقضات القائمة في الشارع الإسرائيلي (فكلمة المجتمع لا تنطبق على مستوطني أرضنا)، فإطلاقها على ساكني مطلق دولة يكون طبيعيا ، لكنها في الكيان لا تكتسب شرعية بفعل فسيفسائية وموزاييكية العناصر المشكلة لشارعه وبحكم عدم ارتباطهم سوى بالديانة ولا شيىء غيرها. لا مفاهيم: الشعب ولا القومية ولا الأمة تنطبق على تجمعهم الاستيطاني البحت، فكيف يشكلون مجتمعا؟.
ما قلناه: هو حقائق الولاء الحزبي في دولة الكيان، للصهيونية كمصدر وأساس لما تعتنقه من فكر، وتمارسه واقعا من سياسات. أما شعارات بعض الأحزاب .. فتظل لعبة انتخابية .. ليس إلا، ويظل ولاء الأحزاب في الكيان أولا وأخيرا للتعاليم الصهيونية الشوفينية العنصرية ،التي أقرّت الأمم المتحدة : بأنها ظاهرة عنصرية، ومعروفة هي ظروف إلغاء القرار. نعم الفرق الوحيد بين التحالفين: أن نتنياهو يضرب بقبضة فولاذية دون غطاء، أما العمل وتحالفه فله نفس القبضة الفولاذية ولكان بقفازين مخمليين.. فهل من فرق في النتيجة من الذي سيفوز!؟… وسنتابع تطورات الوضع الإنتخابي أولا بأول لنكتب المقالة القادمة عنه.إن النتائج (غالبا ما ستكون وفقا لما جاء في سياق هذه المقالة). ولننتظر ونر. يبقى القول: نعم قطع المتنافسون في الانتخابات الشك باليقين..وسيظل المثل العربي الأصيل قائما.. “عند جهينة الخبر اليقين”.

إلى الأعلى