الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / لم يفقد كيري رشده

لم يفقد كيري رشده

أ.د. محمد الدعمي

” ..إذا كان معيار “درجة الخطر” (أحمر، برتقالي، أصفر) هو الأرجح لدفع واشنطن للتفاهم مع دمشق، فإن معيار التحالفات “والصداقات” الإقليمية يأتي في الدرجة الثانية، بلا ريب، لأن كل مسؤول أميركي يجب أن يقسم بشرفه وبكل مقدساته ومقدسات بلاده على أن يحرص على أمنها وأمن سكانها بكل ثمن، وبأية طريقة قبل أن يتسنم منصبه رئيساً أو وزيراً أو جابي ضرائب.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ها قد تجسد اليوم ما توقعته قبل عدة أشهر حول اضطرار الولايات المتحدة الأميركية للتعاون مع الحكومة السورية. أما أسس توقعي هذا، فإنها ترتكن الى الطبيعة البراجماتية للعقل الإداري الأميركي الذي يضع نصب عينيه المصالح الوطنية لبلاده قبل أي اعتبار آخر. أما ما نسمعه في الإعلام وعبر ما يتسرب من المحافل الدولية من اتهامات واتهامات معاكسة، إدانات وشجب، دعوات للتنحي وأخرى للحوار، فهي، كما أرى، لا تزيد عن تسويقات للإستهلاك الإقليمي والدولي. هي “خدمات لفظية” قد تخدم لرسم صورة أميركية ذاتية على النحو الذي يرضي بعض الأطراف في الإقليم أو خارجه وبشكل مؤقت قد ينتفي حال تمرير الصورة ونشرها، ومن ثم بعد تحقيق أهداف ذلك كله في خدمة واحدة.
لنتفحص، إذاً، المعايير التي اعتمدها الوزير الناجح، جون كيري، عندما أعلن عن إمكانية فتح قنوات حوار بين واشنطن ودمشق. من ناحية أولى، وضع كيري مصلحة بلاده وأمنها فوق جميع الإعتبارات، الأمر الذي قاده، كما قاد صانع القرار في الغرفة البيضاوية بالبيت الأبيض، الى خلاصة إستفهامية، مفادها: أيهما يشكل خطراً أكبر على الولايات المتحدة حكومة دمشق، أم المعارضة السورية التي راحت استحالاتها المتتالية والمتواصلة تميط اللثام عن الانغماس والتورط في غياهب الإرهاب وشبكاته، على أشكالها وأنواعها؟
وللإجابة على السؤال أعلاه منطقياً، لابد أن يلاحظ المرء إن حكومة سوريا لم ولن تشكل خطراً داهماً على الأمن القومي الأميركي عبر تاريخها الطويل بين الأسد الأب، والأسد الإبن. الخطر الحقيقي، والمجرب، ينبعث من الشبكات الإرهابية وما شاكلها من ذات الصنف الدموي العنيف. الحكومة السورية لايمكن أن تتسرب سراً، أو جواً نحو مدينة نيويورك للفتك بأكبر الأعداد من الأميركان الأبرياء. الشبكات الإرهابية هي التي يمكن لأعضائها فعل ذلك خلسة وبطريقة وحشية، خاصة بعد أن نشرت هذه الشبكات الدموية صوراً لقضم القلوب والأكباد الحية، ناهيك عن صور النحر وقطع الرؤوس.
وإذا كان معيار “درجة الخطر” (أحمر، برتقالي، أصفر) هو الأرجح لدفع واشنطن للتفاهم مع دمشق، فإن معيار التحالفات “والصداقات” الإقليمية يأتي في الدرجة الثانية، بلا ريب، لأن كل مسؤول أميركي يجب أن يقسم بشرفه وبكل مقدساته ومقدسات بلاده على أن يحرص على أمنها وأمن سكانها بكل ثمن، وبأية طريقة قبل أن يتسنم منصبه رئيساً أو وزيراً أو جابي ضرائب. هذا هو مبدأ وأساس الوطنية الوظيفية الأميركية. لذا فإنه مبدأ ينطبق على الوزير كيري ورئيسه قبل سواهما من المسؤولين الأميركان. وحسب معيار درجات الأهمية وما يرافقها من درجات الخطر يأتي الأمن الأميركي قبل أمن إسرائيل، وبطبيعة الحال، قبل أمن الدول الصديقة عبر الإقليم، حسب سلم “الصداقات”.
والحق، فإن هذا “المحرك” الدائم الدوران داخل العقل الأميركي هو الذي يوّلد معطيات السياسات الخارجية الأميركية، خاصة بقدر تعلق الأمر على طريق التفاوض مع إيران حتى نهاية الشوط، ودون الإلتفات إلى الإعتراضات الإسرائيلية وإلى أصدائها في الكونغرس. وحسب معايير النفعية المادية أعلاه، يستشعر الأميركان أن ضمان آصرة اقوى مع إيران أهم بكثير من إدامة أواصر مع دول صديقة لم تعد تمسك بخناق واشنطن بواسطة قبضة النفط. هذا الإعتبار، كما أرى، مهم بعد إعلانات واشنطن المتكررة بأن الولايات المتحدة بلغت، أو ستبلغ الإكتفاء الذاتي من النفط والغاز الطبيعي الآن أو خلال وقت قصير. لذا ستكون مسألة الهيمنة على النفط الوفير في الشرق الأوسط بالنسبة لواشنطن هي مسألة ضغط على القوى الكبرى المنافسة، جوهرياً في أوروبا وروسيا، الصين والهند. هي ليست مسألة حياة أو موت بالنسبة لأميركا، كما هي حال وطارئية مسألة الإرهاب.
إذا هان على المرء الحصول على النفط، وبأبخس الأسعار، كما هي الحال الآن، لماذا إذاً لا يتم التركيز على من يهدد حياة الشعب الأميركي ومستقبل قيادة واشنطن لعالم أحادي القطبية. لنلاحظ هذه الحسابات المبسطة، ونزيد عليها بروز التحدي الروسي الجديد لهيمنة القطب الواحد، كي نعد إعلانات كيري صادرة عن عقل راشد، لم يمسه جنون، بطبيعة الحال.

إلى الأعلى