الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تجربة الناصريين في العراق

تجربة الناصريين في العراق

احمد صبري

لم تسعف الظروف السياسية التي سبقت وصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة في العراق عام 1968 التيار القومي العربي وفصائله الناصرية من استلام مقاليد الحكم بشكل مباشر رغم تصدر بعض رموزه للمشهد السياسي بعد انقلاب عبدالسلام عارف على سلطة البعث عام 1963.
واتسمت تلك الفترة الممتدة من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1963 ولغاية 17/7/1968 بالهدوء السياسي النسبي والاستقرار الاقتصادي رغم محدودية دخل العراق من عوائده النفطية، إلا أن القرارات الاشتراكية التي أصدرتها حكومة طاهر يحيى في تموز/يوليو 1964 حاولت أن تعيد هيكلية الاقتصاد العراقي وإخضاعه بالكامل لسلطة الدولة ومؤسستها الاقتصادية كما هو الحال في مصر عبدالناصر في تلك المرحلة كشرط لتحقيق الوحدة مع مصر عبدالناصر، حسب ما صرح به قادة التيار الناصري في تلك الفترة.
ولم تسجل في تلك الفترة أي فضائح وخروقات مالية لافتة أو هدرا للمال العام أو استغلال أي مسؤول لسلطته ونفوذه بالتستر على مبددي المال العام وحماية اللصوص وتأمين الحماية لها كما يجري بالعراق في الوقت الحاضر.
لقد كان المال العام وحمايته ومنع المساس به من المحرمات لم يتجرأ أي مسؤول حكومي أو سياسي التقرب منه رغم فترات الإثارة التي شهدتها تلك المرحلة من محاولات انقلابية من بعض رموز الحركة الناصرية في تلك الحقبة.
لقد كانت نزاهة الناصريين واعتدال مواقفهم ومسيرتهم السياسية عنوان تجربتهم التي اتسمت بالانفتاح على الآخرين ولم يتورطوا بقضايا فساد مالي أو سياسي أو استغلال سلطة الدولة لتحقيق مصالح شخصية أو عائلية.
ويسجل لرموز التيار الناصري العروبي خلال الفترة التي تصدروا فيها المشهد السياسي بالعراق أنهم كانوا دعاة مصالحة ووفاق خصوصا وقف الإجراءات الثأرية والانتقامية بحق خصومهم لا سيما إلغاء شرط تحقيق الهوية للراغبين بالتعيين، وإعادة المفصولين السياسيين لمؤسساتهم، وإطلاق سراح المعتقلين لأسباب سياسية باستثناء حالات محددة إلى حد الانفتاح على القوى السياسية التي كانت تعارض النظام في محاولة لإشاعة الثقة في الحياة السياسية التي اضطربت في عهد الزعيم الراحل عبدالكريم قاسم الذي قتل بعد انقلاب 8 شباط/فبراير عام 1963.
ورغم ما لقيه رموز التيار الناصري العروبي من جفاء وتعامل قاسٍ بعد عام 1968 إلا أنهم انتخوا للدفاع عن الوطن والذود عن حياضه عندما تعرض للتهديدات في محاولة لتأكيد حضورهم وإظهار موقفهم إزاء التحديات التي كانت تعصف بالعراق في تلك الفترة.
إن النهج الذي اعتمده الناصريون في تجربتهم بالعراق كان امتدادا لفكر ونهج مصر عبدالناصر، هو مشروع استهدف تعزيز وحدة الأمة وصيانة أمنها والحفاظ على ثرواتها وتوزيعها بشكل عادل على أقطارها. غير أن الخلافات التي عصفت برفاق الدرب حالت دون تحقيق ذلك لا سيما تحقيق الوحدة مع مصر رغم أنها كانت من أوليات من تصدر المشهد السياسي في تلك الحقبة.
وعلى الرغم من الضغوط التي تعرض لها الأخوان الراحلان عبدالسلام عارف ومن بعده عبدالرحمن عارف اللذين حكما العراق من عام 1963 لغاية 1968 لتحقيق الوحدة مع مصر إلا أنهما ترددا في الاستجابة لهذه الضغوط، وما ساعدهم على ذلك هو عدم حماس عبدالناصر للوحدة مع العراق قبل أن يحل مشاكله لا سيما القضية الكردية والعلاقة مع إيران وتحقيق التوافق الوطني حول الوحدة بعد تجربة انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة.
نهج الاستقامة والانفتاح على الآخر والابتعاد عن لغة التخوين والانتقام والثأر من القوى العاملة على الساحة، هو من حصن الناصريين بالعراق من الوقوع بالمحظور وترك لهم إرثا يعتزون به يتذكره العراقيون بعد الإخفاقات والكبوات التي يعيشها العراق منذ غزوه وحتى الآن.
وهذه الشهادة بحق التيار الناصري العروبي هي شهادة للحقيقة وللتاريخ عن مرحلة، وفترة هي من أشد فترات الاثارة في تاريخ العراق التي كتب عنها الكثير إلا أن سمتها وعنوانها كانت النزاهة والصدق ونظافة اليد ونكران الذات والمبدئية بالتعامل مع قضايا الوطن عسى أن تكون حافزا ومعينا لساسة العراق للاستفادة من قيم ومبادئ تجربة ما زال العراقيون يتذكرونها.

إلى الأعلى