الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / سلطة الخبراء والنفوذ السياسي

سلطة الخبراء والنفوذ السياسي

عادل سعد

يُعزى إلى التجاذبات وتسجيل المواقف بين سلطة الخبراء والنفوذ السياسي التسبب في نكوس العديد من المشاريع الاقتصادية التي كان يمكن أن يعول عليها لتغيير الخريطة التنموية في أكثر من بلد عربي واحد، وكذلك في العديد من البلدان النامية.
لقد حصل ذلك على هامش خلافات أدت إلى ضياع فرص تنموية مع ملاحظة أن النفوذ السياسي يلعب دورا أكثر تأثيرًا في الرأي العام ويستطيع أن يغطي على فشل هذا المشروع أو ذاك من خلال الماكينة الإعلامية التي يملكها، وبالتالي التعتيم على مسؤوليته وفي الوقت نفسه إسقاط وجهات نظر الخبراء الذين لا يمكن أن يكون إلا في الظل لاعتبارات توزيع المراكز ومواقع التأثير في المشهد العام.
أما لماذا يفعل السياسيون ذلك؟، ولماذا يتنازل الخبراء عن حقوقهم في إبداء الرأي الصائب فالأمر أكثر من ضغط واحد يصب لصالح هذا التشخيص حين يرتبط ذلك ارتباطا معينا بحالة فساد. وأذكر أن سياسيًّا عراقيًّا كان وراء استثمار مقاولات بهدف تقليل الكلف حيث عمد منفذو المشروع إلى الاستعانة بسقالة واهية، وكان رأي الخبير أن السلامة العامة لا تتوفر فيها، وسقطت بالفعل وأدى سقوطها إلى حصول ضحايا ثم تم لملمة الموضوع بادعاء أن الحادث (قضاء وقدر). ولست هنا بصدد إعداد قائمة بجسور وبنايات ومشاريع انهارت نتيجة تسليك مقاولة البناء بأرخص الكلف على حساب الجودة وسكوت الخبراء. والطامة الكبرى أن يستجيب خبراء المشاريع الاقتصادية لإغراءات الفساد المفتوحة التي يمكن أن تطرح برزمة مبررات. بل إن هناك ما يدفع إلى الاستعانة بخبراء أجانب، وكأن البلد خال من أصحاب الرأي السديد في تبني هذا المشروع الاستثماري او ذاك. وهكذا يتم اغراق البلاد بالخبراء الذين يستنزفون الإمكانات المالية كرواتب وسكن وطعام وهدايا وغيرها من الأموال التي تمرر تحت (الطاولات)، وتحضرني هنا حادثة تعود إلى سنوات سابقة عندما استقدمت الحكومة العراقية خبراء من استراليا لإنقاذ الأوضاع الزراعية في البلاد وانتشالها من حالة التدهور، ووضعت تحت تصرفهم إمكانات كبيرة للبدء بالتنفيذ من أجل وضع إستراتيجية لرفع سقف إنتاج غلات غذائية ونقدية، وكم كان الوضع مدهشا عندما التقى هؤلاء الخبراء الأجانب بالعاملين في مركز (إباء الزراعي) وهو مركز حكومي حيث تبين أن آراء خبراء المركز العراقيين كانت أكثر أهمية من آراء خبراء الأجانب، والمفارقة أن طاقم هؤلاء الخبراء نقلوا إلى أستراليا تطبيقات كان يقوم بها هذا المركز العراقي التطويري، مع اعترافهم بما جرى وفي وقت لاحق تبين أن وزير الزراعة آنذاك كان يطمح أن يزور أستراليا ويأخذ (قسطا) سياحيا هناك من خلال تلك الخطوة على أساس التعرف على خبرة الأستراليين الزراعية ميدانيا، وبالتالي استجلاب الخبراء، ولي أن أضيف أن بعض السياسيين العراقيين لا يكتفون بأن يتبوأوا على كراسيهم، بل ويقومون بالاستيلاء على مقاعد الخبراء بادعاء المهارة، وبذريعة أنهم يستطيعون أن يملوا حقائبهم الوظيفية.
ثم إن هناك سياسيين يميلون إلى أسلوب مغايرة آراء الخبراء ولا يهمهم ما يحصل بعد ذلك للإيهام بأنهم في مستوى المسؤولية، ولكن وفي كل ذلك لا يجوز إداريا ومنطقيا أن تتم الموافقة على آراء الخبراء قبل أن يجاب على عدد من الأسئلة المنطقية، كما ينبغي أن يتاح للخبير؛ أي خبير الوقت الكافي للدراسة الميدانية وأن تعقد لآرائه ورشة عمل لمناقشة ما يطرحه، كذلك لا بد من وجود لوائح وتشريعات تنظم العلاقة بين الخبراء والمسؤولين السياسيين المعنيين بالنشاط الاقتصادي العام.

إلى الأعلى