الخميس 23 نوفمبر 2017 م - ٤ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / “المُحاسَبَة المعرفية” ضرورة!

“المُحاسَبَة المعرفية” ضرورة!

جواد البشيتي

إنَّ جزءًا كبيرًا من معارفنا يتعذَّر قياس منسوب الحقيقة الموضوعية فيه قبل مضي بعض الوقت؛ ولا بدَّ، من ثم، من تدوينه وحفظه في انتظار أنْ يأتي الواقع بما يؤكده ويثبته، كليًّا أو جزئيًّا، أو بما ينفيه ويدحضه، كليًّا أو جزئيًّا؛ وهذا الجزء المعرفي هو ما يلبس عادة لبوس التنبؤ، أو التوقع، أو الوعد، أو التعهد، أو التأكيد.
هناك من صُنَّاع معارفنا من يتنبأ بحدوث أمر ما؛ وهناك من يتوقع حدوث أمر ما؛ وهناك من يَعِد بتحقيق أمر ما؛ وهناك من يتعهد بعمل شيء ما؛ وهناك من يؤكد أنَّ أمرًا ما لن يحدث أبدًا، أو سيحدث.
وصنَّاع معارفنا هؤلاء، بعضهم منجِّمون، وبعضهم علماء، وبعضهم قادة وزعماء، وبعضهم مِمَّن يتولُّون صناعة الرأي العام.
وعليه، نقترح إنشاء مراكز تُعْنى برصد وتدوين وتسجيل كل ما يمكن إدراجه في هذا الحيز من معارفنا، ووضعه في “ثلاجة” إلى أن يصبح ممكنًا، من الوجهة الواقعية، تمييز الغث من السمين فيه، فإنَّ من الأهمية بمكان أنْ يعرف الناس، بعد مضي بعض الوقت، وجهة نظر الواقع في التنبؤ وصاحبه، وفي التوقع وصاحبه، وفي الوعد وصاحبه، وفي التعهد وصاحبه، وفي التأكيد وصاحبه.
وهذا إنما يعني أن تَنْشُر تلك المراكز بيانات تَذْكُر فيها، مثلًا، أنَّ هذا المنجِّم تنبأ بحدوث هذا الأمر سنة 2014؛ ولقد انقضت تلك السنة من غير أنْ يتحقق تنبؤه هذا؛ وأنَّ هذا الرئيس قد وعد بتحقيق هذا الأمر؛ ولقد تأكد الآن أنه لم يفِ بما وعد؛ وأنَّ هذا القائد قد تعهد أنْ يفعل (أو لا يفعل) هذا الأمر؛ ولقد ثبت الآن أنه لم يكن صادقًا في تعهده؛ وأنَّ هذا الكاتب الصحافي الكبير قد توقع حدوث هذا الأمر؛ لكن الواقع أتى بما ذهب بتوقعه.
ونحسب أنَّ قيام هذه المراكز، أو المختبرات المعرفية، سيسهم مساهمة كبيرة في تطوير معارفنا، مع منتجيها ومستهلكيها.
ولقد أحسنت صحيفة “كوريري ديلا سيرا” الإيطالية صنعًا إذ أعادت نشر مقال، نشرته صحيفة “كومسومولسكايا برافدا” السوفياتية في الـ31 من كانون الأول (ديسمبر) سنة 1959، وضمَّنته توقعاتها في ما يخص الشكل الذي سيكون عليه العالم سنة 2010.
أشياء كثيرة توقَّعَتْها الصحيفة السوفيتية منها أنْ تحل الآلات محل الإنسان في المصانع، وأنْ يتخلى العالم عن استعمال النقود، وأنْ يخلو من الكحول والجريمة، وأنْ يُقدَّم الطعام مجانًا إلى الناس كافة في مطاعم مفتوحة على مدار الساعة، وأنْ تصبح الهواتف صغيرة الحجم ومحمولة ومزودة كاميرات، وأنْ يمتلأ القمر بمصانع للمعادن.
عندما نُشرت تلك التوقعات الملوَّنة بلون أيديولوجي، في عز “الزمن الأحمر”، صدَّقها، أو مال إلى تصديقها، كثير من الناس؛ أمَّا اليوم فأصبح ممكنًا أنْ يعرف كل الناس منسوب الحقيقة الموضوعية فيها، وأنْ يتأكدوا أنها جميعًا باستثناء توقع الهاتف المحمول كانت توقعات غير واقعية.
والآن، أي سنة 2015، أصبح ممكنًا أيضا أنْ يختبر الناس جميعًا تنبؤ العرَّافة العمياء (البلغارية الأصل) فانجا بأنْ تشهد سنة 2010 نشوب حرب عالمية ثالثة، تستمر حتى سنة 2014، وتستخدم فيها الأسلحة النووية على نطاق واسع.
إنَّ ملايين من العرب يخضعون للتأثير المعرفي للمنجِّمين، ويَصْغون لهم وكأنهم لا ينطقون إلاَّ عن علم ومعرفة، فلِمَ لا يحاسَب هؤلاء في ما يشبه “محكمة معرفية” تعقد في السنة التالية، ويُتْلى فيها “بيان الاتهام” على شكل بيان يُوضَّح فيه للناس، أو لهؤلاء الملايين من العرب، مصير ومآل تلك التنبؤات؟!
حتى بعض العلماء والجامعات والصحف العالمية لا يتورعون عن المساهمة في نشر معارف لا تختلف كثيرًا عن تلك التي يتوفَّر المنجِّمون على نشرها؛ فها هي جامعة “فيلانوفا” في فيلادلفيا تنسب إلى علماء فلك أنَّ الحياة على وجه الأرض قد تباد عما قريب نتيجة انفجار نجم ضخم مُسْتَعِر يبعد عن كوكبنا نحو 3260 سنة ضوئية.
إننا لا نستبعد أبدًا احتمال حدوث كارثة كونية، لا تنهي الحياة على وجه الأرض فحسب، وإنما تدمِّر الكوكب الأرضي تمامًا؛ لكن هذا لا يعني، ويجب ألاَّ يعني، الانضمام والانحياز إلى أولئك الذين لا همَّ لديهم إلا التبشير بزوال العالم عمَّا قريب، وتعيين تواريخ لهذا الزوال؛ ولقد ذهبت تواريخهم وبقي العالم.

إلى الأعلى