الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الحرب غير الواردة بين أميركا والصين

الحرب غير الواردة بين أميركا والصين

يجعل شبح نهاية العالم اقتصاديا الحرب بين الصين والولايات المتحدة غير واردة بقدر ما كان الخوف من نهاية العالم نوويا حال نشوب حرب سوفيتية ـ أميركية. أو هل الأمر هو على هذا النحو تماما؟ في الحقيقة، فإن المخططين العسكريين الصينيين والأميركيين يفكرون في تفاصيل بديعة، كما هو متوقع لهم بشأن كيفية الفوز في مثل هذا الصراع. وتكمن المشكلة في أن الخطط المفصلة التي يتم إعدادها يمكن أن تجعل العداوات أقل ورودا، غير أن قوتين كبيرتين لديهما كل المبررات لتجنب الحرب يمكن أن تجدا نفسيهما في حرب.
عندما ظهر عجزه أمام اثنين من حاملات الطائرات الأميركية خلال الأزمة التايوانية عام 1996، توصل الجيش الصيني، وكما تظهر الكتابات العسكرية الصينية، أن أفضل طريقة لتجنب عملية إهانة أخرى مماثلة تتمثل في ضرب القوات الأميركية قبل أن تضرب الصين. وفي الوقت الذي لا يسعى فيه الصينيون إلى الحرب فهم يخشون بشكل خاص من حرب طويلة حيث إن القوة الأميركية الشاملة بالتأكيد يمكن أن يكون لها الغلبة. ومن ثم فإنهم يعدون الخطط والقدرات الميدانية لمهاجمة حاملات الطائرات والقواعد الجوية وشبكات القيادة والتحكم والأقمار الصناعية مبكرا وبسرعة.
ولدى الصين حاليا الثقل الاقتصادي والتقني كما تتطلب تلك الخطة وتمثل هذه أعلى أولويات الدفاع بالنسبة للصين. وينشر الجيش الصيني بسرعة أعدادا من الصواريخ (من بينها مقاتلات للحاملات). وغواصات من الصعب العثور عليها ومجسات طويلة المدى لتعقب واستهداف القوات الأميركية وأسلحة مضادة للأقمار الصناعية وشبكات رقمية لتنسيق الهجمات والأسلحة الإلكترونية لتحطيم الشبكات الأميركية. وعندما أعلنت وزارة الدفاع الأميركية عن “محور آسيا” العام قبل الماضي، أوضحت أن هزيمة تلك القدرات هي حاليا محور التركيز الرئيسي للجيش الأميركي.
ولأن الدفاع عن القوات الأميركية في مواجهة تلك القدرات هو أمر صعب ومكلف جدا، توصل الاستراتيجيون في وزارة الدفاع “البنتاجون” إلى فكرة “تعرف بأنها معركة جو ـ بحر” شل تلك القوات ـ قاذفات صواريخ وقواعد جوية وأحواض الغواصات ومراكز القيادة والتحكم ـ قبل أن يتم إطلاقها. وأغلب هذه الأهداف في الصين. وكما هو الحال في خطة الحرب الصينية، فإن الفكرة هي القصف بسرعة وضراوة وإنذار قليل.
يتضمن هذا التخطيط المتبادل بين أميركا والصين حالة نموذجية لعدم استقرار الأزمة التي يكون ثمن الفشل فيها عن الهجوم قبل أن يشن الخصم الهجوم هو الهزيمة. ويدرك كل طرف أن الطرف الآخر يفكر بنفس الطريقة ومن ثم فإن لديه كل الدوافع للتصرف بشكل استباقي إذا بدت الحرب وشيكة. أو محتملة. وربما مجرد ممكنة. وبالتسليم بعواقب أن تكون أنت الثاني في الهجوم، فإن هذا المنطق المتفاقم يمكن أن يحول المواجهة إلى حرب مفتوحة.
أي أن الأمر ربما يحتاج إلى شرارة لتفجير الصراع. فضلا عن ذلك فإن القادة العسكريين لا يتخذون قرارات الدخول في حرب بل الرؤساء هم الذين يفعلون ذلك. وفي الوقت الذي يوجد فيه نوع من الارتياح في التفكير بأن القادة السياسيين على الجانبين يمكن أن يخففوا حدة التوترات ولا يأمرون بشن هجوم استباقي، فإن الأمر لا يحتاج كثيرا من التفكير لرؤية كيف يمكن أن تسقط القواطع في قلب أزمة.
ثمة عدة مصادر للشقاق التي يمكن أن تسبب مواجهة حاسمة: فالتحرش الصيني بالسفن اليابانية في بحر الصين الشرقي المتنازع عليه يمكن أن يملي على الولايات المتحدة أن تستعرض قوتها لمساندة حليفتها، ويمكن للقوات البحرية الأميركية أن تعارض محاولة الصين في تقييد حرية البحار في بحر الصين الجنوبي، كما أن عدم الاستقرار في كوريا الشمالية يمكن أن يدفع كلا من الولايات المتحدة والصين إلى التفكير في التدخل، ويمكن أن تقارع الصين وجود السفن أو الطائرات الأميركية التي يشتبه في أنها تتجسس على شاطئها، كما يمكن أن تعلن تايوان الاستقلال. في مثل هذه الحالات، فإن أي حادث أو خطأ يمكن أن يحول مبرر تجنب الصراع إلى مبرر لتجنب الهزيمة.
وقد صار للجيش الصيني الآن صوتا قويا في قرارات الحرب والسلام وميلا لانتهاز الفرص لإظهار أن الصين لا يمكن الضغط عليها ـ والدليل على ذلك هو تحركاته التهديدية في بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي. فلو أنه في حالة أزمة نصح القادة العسكريون في الصين قادتهم السياسيين بأن القوات الأميركية تستعد للحرب وأن الفرصة الوحيدة للصين لتفادي الهزيمة هي الهجوم أولا ـ حسب الخطة المعتمدة ـ فهل يمكن أن تقول بكين: لا؟ كما أن القادة الأميركيين ينغمسون في مبادئ وإجراءات المراقبة المدنية في حين أن نظراءهم الصينيين أقل التفاتا إلى ذلك.
وفي نفس اللحظة إذا نصحت قيادة الأركان المشتركة الأميركية وقيادة المحيط الهادي الرئيس بأن الصينيين يستعدون لشن هجوم استباقي ما لم تتصرف القوات الأميركية على وجه السرعة ـ مرة أخرى حسب الخطة ـ فهل يمكن أن تخاطر واشنطن بخسارة حاملات الطائرات والقواعد الجوية والقوات والمصداقية عن طريق الانتظار؟
مثل هذه الأحداث غير محتملة لكنها ليست غير معقولة. فعلى الرغم من أن جدول العلاقات الصينية ـ الأميركية متخم بقضايا ملحة من قبيل التجسس الإلكتروني إلى سعر الصرف، إلا أنه يجب أن يكون هناك وقت يتم فيه العمل على تحسين الإجراءات والقنوات لنزع فتيل الأزمات وتجنب سوء التقدير العسكري خشية أن يصبح غير الوارد أو غير الممكن تصوره أمرا لا مفر منه. كما يجب على القادة السياسيين في البلدين عدم انتظار أزمة قبل تمحيص خطط شن حرب والتأكيد على الخطط التي تقوي ولا تضعف الاستقرار. وبالنظر إلى المخاطر، فإن الخطط للنصر لا يتعين أن يسمح لها بأن تجعل الحرب أكثر احتمالا.

ديفيد جومبرت وتيرنس كيلي ديفيد جومبرت باحث في مؤسسة راند وعمل مساعدا لمدير المخابرات الأميركية. وتيرنس كيلي مدير برنامج الاستراتيجية والموارد في مؤسسة راند. خدمة “ام سي تي” خاص بـ”الوطن”

إلى الأعلى