الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / السلطنة تحتل المراكز الأولى عالميا في سرعة معدل التنمية البشرية
السلطنة تحتل المراكز الأولى عالميا في سرعة معدل التنمية البشرية

السلطنة تحتل المراكز الأولى عالميا في سرعة معدل التنمية البشرية

مسقط ـ “الوطن”:
لم يكن مصادفة أن تضع الأمم المتحدة في تقرير لها عن التنمية البشرية لعام 2010 السلطنة في مقدمة دول العالم في سرعة معدل التنمية البشرية على خلال العقود الأربعة الفائتة، حيث أكدت الأمم المتحدة إن السلطنة جاءت في المركز الأول على مستوى العالم بين 135 دولة في معدل التحسن الذي حققته مقارنة بما كانت عليه عام 1970 .. كما أن الأمم المتحدة اعتبرت في تقريرها الذي صدر تحت عنوان “الثروة الحقيقية للأمم مسارات إلى التنمية البشرية” أن مصدر هذا التقدم ليس إيرادات النفط والغاز كما قد يفترض، وإنما هو نتيجة للإنجازات الكبيرة التي حققتها السلطنة في الصحة والتعليم، أي في البعدين غير المرتبطين بالدخل من دليل التنمية البشرية.
وتتبنى حكومة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ مفهوماً واسعاً لتنمية الموارد البشرية يعتبر الإنسان الهدف والغاية النهائية لعملية التنمية وليس وسيلة فقط لتحقيقها حسب المفهوم التقليدي للتنمية، لهذا اهتمت كافة خطط التنمية السابقة بتنمية الموارد البشرية وفق هذا المفهوم الواسع.
فمن خلال انتهاج سياسات وآليات عملية متكاملة لتنمية الموارد البشرية استطاعت السلطنة أن تعد المجتمع العُماني لاستشراف آفاق القرن الحادي والعشرين الذي ستتركز خلاله الجهود على تنمية الموارد البشرية بأوسع معانيها”.
ولإلقاء الضوء على ذلك بشكل أوسع، نظمت الجمعية الاقتصادية العمانية مؤخراً قراءة نقدية للدكتور نادر فرحاني رئيس فريق تحرير تقرير التنمية العربي الصادر من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بعنوان “تقرير التنمية البشرية العماني في سياق التقارير الدولية” وتناولت نادر فرحاني المفاهيم من النمو الاقتصادي إلى التنمية البشرية ثم التنمية الإنسانية العربية، وتقارير التنمية البشرية في السلطنة قراءة نقدية، وأمثلة على ضعف التنمية الإنسانية في السلطنة والمنطقة العربية ابتعدت عنها تقارير التنمية البشرية الوطنية ، وتوصيات لتحسين تقرير التنمية البشرية وزيادة مساهمته في ترقية التنمية البشرية في السلطنة.
وقال الدكتور نادر فرحاني : تهدف هذه الورقة إلى تقديم قراءة نقدية لأوضاع التنمية الإنسانية في السلطنة، بناء على فحص تقريري التنمية البشرية اللذين صدرا في 2003 ثم في 2012، ومجمل المعرفة المتاحة عن أوضاع التنمية الإنسانية في السلطنة، ومحيطها الخليجي والعربي، وعلى ضوء مضمون تقارير التنمية البشرية (العالمية والوطنية)، وتقارير التنمية الإنسانية العربية .. وبداية، فلا ريب في أن إصدار التقريرين عمل مهم يدل على اهتمام الدولة المحمود بالتنمية الإنسانية، وفوق ذلك فإن التقرير الثاني يمثل تحسناً مقارنة بالأول كما سيظهر في القسم الثاني من هذه الورقة .. ولكن لما كان أي جهد بشري يظل ـ مع الاجتهاد ـ يطلب الكمال ولا يدركه، ولا يخلو من نواقص، فإن التناول النقدي لهذين التقريرين، كما لحال التنمية الإنسانية في السلطنة بوجه عام، يبقى أمرا مطلوبا، بل لازما، في منظور الحرص على تدعيم التنمية الإنسانية في السلطنة.

أولا: في المفاهيم: من النمو الاقتصادي
إلى التنمية البشرية ثم التنمية الإنسانية العربية

وقال : قبل أن يعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عن مفهوم “التنمية البشرية” في 1990 كان يغلب على الفكر التنموي مدرسة التنمية الاقتصادية التي تبناها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والتي كانت تعتبر النمو الاقتصادي مقاساً بالناتج المحلي الإجمالي للفرد، ومعدل النمو فيه هو مقياس تقدم الأمم وقد عاب جمهور دارسي التنمية، خاصة في العالم النامي، على هذه المدرسة نواقص عديدة من أهمها إهمال جانب توزيع الناتج بين فئات المجتمع وأفراده، إذ، كأي متوسط حسابي، لا يعني المؤشر أن كلاً من أفراد المجتمع يحصلون على هذه القيمة المتوسطة، فبعضهم يحصل على أكثر منها بكثير، والبعض يحصل على أقل منها بكثير، بلغة علم الإحصاء، المتوسط الحسابي، بالتعريف، يهمل التباين في المجتمع المعني والخبرة أن توزيع الدخل يميل لوجود قلة تحصل على أعلى الدخول، بينما تتراكم الغالبية عند أدنى مستويات الدخول، على شكل حرف راء مقلوب أفقياً، بالإضافة إلى أن هذا المتوسط الحسابي لا يقيس الرفاه الإنساني الحقيقي للبشر أو تمتعهم بطيبات الحياة، أو مدى التقدم الإنساني في المجتمع، فحتى من يحصل على الدخل المتوسط فليس هناك من ضمان لأن يكفيه للحصول على متطلبات العيش الكريم أو ضمانة لأن ينفقه في هذا الغرض .. ومن ثم فإن الإعلان عن مفهوم HUMAN DEVELOPMENT والذي ترجم في البداية ـ خطأ وتعجلا في رأي الكاتب ـ بالمصطلح العربي “التنمية البشرية”، كان يمثل انقلابا جذريا على المدرسة التقليدية في التنمية الاقتصادية يعلي من شأن البشر في الاقتصاد وفي عملية التنمية، وينقل عملية التنمية وقياساتها، من مستوى الأشياء والماديات، المشيّدات والأموال، إلى صعيد الجوانب المعنوية السامية من الرفاه الإنساني مثل الحرية والمعرفة والكرامة الإنسانية .. ورغم أنه قد شاع، بالعربية، استعمال “التنمية البشرية” كترجمة للمصطلح الإنجليزي human development، إلا أن “التنمية الإنسانية” عندنا تعريب أصدق تعبيراً عن المضمون الكامل للمفهوم، كما سيتضح بعد قليل، مع الإبقاء على مصطلح “التنمية البشرية” بدلالة أضيق، تقابل تقريباً ما اصطلح عليه في وقت سابق بعبارة “تنمية الموارد البشرية human resources development، الأمر الذي يسمح به ثراء اللغة العربية ولا يتاح بالقدر نفسه في اللغات الأجنبية المشتقة من اللاتينية .. فعلى حين تستعمل كلمتا “البشرية” و”الإنسانية” تبادلياً في العربية، يمكن إنشاء تفرقة، دقيقة، ولكن دالة، بين الأولى، كمجموعة من الكائنات، والثانية، كحالة راقية من الوجود البشري، فالإنسانية تعبر عن سمو الوجود البشري، وهذه التفرقة هي أساس تفضيلنا لمصطلح “التنمية الإنسانية” بالعربية.
وعلي صعيد آخر، استقر بالعربية استخدام مصطلح “رأس المال البشري” كتعريب لمصطلح human capital، بمعنى التوجهات والمعارف والقدرات التي يكتسبها الأفراد، أساساً من خلال التعليم والتدريب والخبرة العملية، وعندنا أن مفهوم “رأس المال” الذي يتسق مع “التنمية الإنسانية” أوسع كثيراً من “رأس المال البشري” على المستوى الفردي، وبعد أرحب على المستوى المجتمعي.
وقد اكتسب مفهوم “التنمية البشرية/الإنسانية” ذيوعاً منذ عام 1990م بتبني برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للمصطلح، بمضمون محدد، وتركيب مقياس، مبسط، للتنمية الإنسانية- هو في الواقع أقرب لكونه مقياساً للتنمية البشرية بالمعنى الضيق المرادف لرأس المال البشري- ونشر تقرير سنوي حول الموضوع ، وينبني المفهوم على التراث الفكري الخاص بدور البشر في التنمية الذي مر بتطورات متتالية توصلت إلى جُل العناصر التي تبناها تقرير التنمية البشرية (العالمي) الأول (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بالإنجليزية، 1990).

‌أ. مفهوم التنمية الإنسانية/ البشرية
يقوم المفهوم على أن التنمية الإنسانية هي “عملية توسيع خيارات البشر”، ونتوقف هنا لتبيان مركزية الحرية في مفهوم التنمية الإنسانية، فمنطق توسيع خيارات الناس يرتِّب أولوية مطلقة لإعمال حرية الاختيار بين بدائل متاحة، الأمر الذي ينطوي بدوره على مركزية الحرية في التنمية الإنسانية، كما تساوي بعض الكتابات النظرية الأحدث بين التنمية والحرية (سن، بالإنجليزية، 1999) .. والواقع أن “الخيارات” choices تعبير عن مفهوم سابق، يعود إلى الاقتصادي، هندي الأصل، والحائز على جائزة”نوبل” في الاقتصاد :”أمارتيا سن” A. Sen منذ الثمانينيات، ألا وهو “الاستحقاقات” entitlements، ويرى فيه الكاتب تعبيراً عن حق البشر الأصيل في هذه “الخيارات” للبشر إذاً، لمجرد كونهم بشراً، حق أصيل في العيش الكريم، مادياً ومعنوياً، جسداً ونفساً وروحا، ويتفرع عن هذا المنطلق نتيجتان مهمتان:
الأولى: إن التنمية الإنسانية بداية ترفض أي شكل من أشكال التمييز بين البشر على أي معيار كان: النوع أو الأصل الاجتماعي أو المعتقد.
الثانية: إن مفهوم الرفاه الإنساني في التنمية الإنسانية لا يقتصر على التنعم المادي وإنما يتسع للجوانب المعنوية السامية في الحياة الإنسانية الراقية مثل التمتع بالحرية والكرامة الإنسانية، واكتساب المعرفة والجمال وتحقيق الذات الذي ينبع من المشاركة الفعالة في شؤون الاجتماع البشري كافة.
وأحقيات البشر، حسب تقرير التنمية البشرية العالمي، من حيث المبدأ، غير محدودة، وتتنامى باطراد مع رقي الإنسانية .. ولكن عند أي من مستويات التنمية، فإن الاستحقاقات الثلاثة الأساسية، في نظر تقرير التنمية البشرية العالمي، هي “العيش حياة طويلة وصحية، والحصول على المعرفة، وتوافر الموارد اللازمة لمستوى معيشي لائق” .. ولكن التنمية الإنسانية لا تقف عند هذا الحد الأدنى، بل تتعداه إلى استحقاقات إضافية أخرى، تشمل “الحرية السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وتوافر الفرص للإنتاج والإبداع، والاستمتاع باحترام الذات وضمان حقوق الإنسان” (تقرير التنمية البشرية، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 1990).
وتقوم عملية التنمية الإنسانية على محورين أساسيين:
الأول: بناء القدرات البشرية الممكِّنة من التوصل إلى مستوى رفاه إنساني راق، وعلى رأسها العيش حياة طويلة وصحية، واكتساب المعرفة، والتمتع بالحرية، لجميع البشر دون تمييز.
والثاني: التوظيف الكفء للقدرات البشرية في جميع مجالات النشاط الإنساني، الإنتاج وفعاليات المجتمع المدني والسياسة.
التنمية الإنسانية إذاً ليست مجرد تنمية “موارد بشرية”، أو وفاء بالاحتياجات الأساسية للناس فحسب، وإنما هي نهج أصيل-الإنسانية في التنمية الشاملة المتكاملة، للبشر وللمؤسسات المجتمعية، يستهدف تحقيق الغايات الإنسانية الأسمى: الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.
وعليه، فإن أي مفهوم أضيق للتنمية أو التقدم، اقتصادياً كان أو بشرياً بالمعنى الضيق، لا يرقى لغنى مفهومنا للتنمية الإنسانية، فقد استقر أن الكائن البشري الغني مثلا لا يعد متقدماً في مفهوم التنمية الإنسانية مادام بقي محروماً من الحرية، بالمعنى المتبنى هنا، كما إن خبرة التاريخ – القديم والمعاصر – ترى أن المجتمعات التي لا تنعم بالحرية لا تستطيع حتى أن تحافظ على المنجزات الاقتصادية والتنموية، بأي معنى أضيق من التنمية الإنسانية، ولا تقدر على أن ترتقي معارج التقدم الإنساني السامية.
وللأسف فإن تقرير التنمية البشرية العالمي تنازل عن عنصر الحرية، والحكم الديمقراطي الصالح، في تركيب مقياس التنمية البشرية بعد محاولة أولى واجهتها كثرة الدول التسلطية الأعضاء في الأمم المتحدة بالاعتراض العنيف.
وقد أفضى هذا الاستبعاد إلى اقتصار مقياس التنمية البشرية الذي يتبناه تقرير التنمية البشرية العالمي على دمج مؤشرات ثلاثة: توقع الحياة عند الميلاد كمؤشر على المستوى الصحي العام، ونسبة التعلم كمؤشر على اكتساب المعرفة، والناتج المحلي الإجمالي للفرد كمؤشر على التمكين الاقتصادي.
وهذه كلها مؤشرات كمية لا تفي المفاهيم الأصلية حقها من التعمق، كما يعترف تقرير التنمية البشرية الوطني، وسنبين في حالة السلطنة في القسم الثالث من الورقة، فلا يهتم مؤشر طول الحياة مثلا بنوعية الحياة المعاشة، ولا يعبر مؤشر نسبة التعلم إلا عن مدى انتشار التعليم كميا ويهمل مسائل جودة التعليم تماما، ويظهر التحليل المعمق أن مؤشر الدخل يهيمن على المقياس المركب، فمثلا، حيث تتغير مقاييس انتشار التعليم والمستوى الصحي ببطء نسبيا في الزمن، فإن التغير في مقياس التنمية البشرية يكافئ في الأجل القصير التغير في مؤشر الدخل للفرد.
وتعطي هاتان الخاصيتان بلدان الوفرة المالية، ومنها البلدان العربية الخليجية جميعا، ميزة إضافية تدفعها لِقمّة ترتيب رتب بلدان العالم على هذا المقياس، وفي منطقتنا العربية – على التحديد – استفادت الدول العربية الخليجية من هذه الميزة فتصدرت بعض هذه البلدان العربية ترتيب الدول على مقياس التنمية البشرية وفق تقرير التنمية البشرية العالمي، على الرغم من تخلفها البادي على بعض مقاييس التنمية الإنسانية، خاصة تلك المتصلة بالحريات.
وتعد البلدان العربية بوجه عام من أقل المناطق في العالم تمتعا بالحرية والحكم الديموقراطي السليم، انظر على سبيل المثال موقع مجموعة البلدان العربية على واحد من أهم مؤشرات التمتع بالحريات السياسية، مقارنة بباقي التجمعات في العالم، عند وقت إعداد تقرير التنمية الإنسانية العربية الأول.
ولهذا أصر فريق تقرير التنمية الإنسانية العربية على تبني مصطلح التنمية الإنسانية كتعريب للمصطلح الأصلي، وليس التنمية البشرية، مع إعادة الاعتبار لبعد الحرية والحكم الديمقراطي السليم في مضمون المفهوم وقياسه ليكتمل ثراء المفهوم كما استُحدِث، باعتبار أن الإنسانية حالة أرقى من الوجود البشري.
واقترح تقرير التنمية الإنسانية العربية الأول (2002) مقياساً مركباً للتنمية الإنسانية يأخذ في الاعتبار مدى التمتع بالحرية والحكم الديمقراطي السليم والحرص على صيانة البيئة الطبيعية، ولبيان الفارق بين المفهومين، التنمية البشرية والتنمية الإنسانية والقياسات المترتبة عليهما، في حالة البلدان العربية، يقارن الشكل بين مواقع البلدان العربية على مقياسي التنمية البشرية، وفق التقرير العالمي، وحسب مقياس التنمية الإنسانية الذي تبناه تقرير التنمية الإنسانية العربية الأول (2002) ومنه يتبين أن التدهور في رتبة دول الوفرة المالية العربية اكبر من غيرها.
‌ب. في المنهجية: الحاجة إلى العلم الاجتماعي الناقد في الوطن العربي
أي علم اجتماعي يخدم النهضة في المجتمعات المتخلفة؟ نرى أن العلم الاجتماعي الناقد هو الأجدر بالتبني، خاصة في المجتمعات المتخلفة.
ويعد العلم الاجتماعي الناقد محاولة لفهم النواحي القهرية في المجتمع، عقلانياً، بحيث يحفز هذا الفهم جمهور العلم من الناس لتغيير مجتمعهم، وتحرير أنفسهم، فالقصد ليس مجرد الفهم أو التفسير، بل تغيير المجتمع، في وجهة تحررية، من خلال العلم الاجتماعي، ويقوم العلم الاجتماعي الناقد على أن القهر هو أساس آفات الوجود البشري المعاصر، ومن هنا يهتم العلم الاجتماعي الناقد، علمياً، بثلاث عمليات مجتمعية جوهرية: الاستنارة، والقيام أو التمكن بمعنى النهوض، والتحرر.
ومن المهم الإشارة إلي أن هذه التوجهات النبيلة للعلم الاجتماعي الناقد ربما تبالغ في مقدرة الناس، خاصة في المجتمعات المتخلفة، على امتلاك المعرفة العقلانية وإمكان استغلالها، بكفاءة، في مكافحة القهر. بعبارة أخرى، هناك خصائص للمجتمعات البشرية القائمة – خاصة النامية منها- تعوّق وظيفة العلم الاجتماعي الناقد، خصوصاً في مضماري الاستنارة والقيام، وتتمثل هذه العوائق في غياب القدرة على التفكير العقلاني، بسبب نجاح هياكل القوة المسيطرة في وأد هذه القدرة من خلال أساليب التنشئة القهرية (خاصة من خلال التحكم في التعليم النظامي والإعلام المدار)، وعقابها عن طريق اللجوء إلى القوة الغاشمة إن اقتضى الأمر، وسيطرة التقاليد التي قد يعني الانضواء تحتها التسليم بواقع القهر المعيشي، بل تدويمه .. ورغم أهمية هذه التحفظات على نجاعة الوظيفة المجتمعية، والإنسانية، للعلم الاجتماعي الناقد، إلا أننا نرى، إيجابياً، أن هذه العوائق تشكل، في حد ذاتها، موضوعات لهذا الصنف من العلم الاجتماعي، وتُقوّي الحاجة إليه في المجتمعات المتخلفة.
وعلى هذا، فإن نقد الوضع الراهن، عبر توسل العلم الاجتماعي الناقد سبيلاً للتغيير خدمة للتقدم، يمثل في نظري الوظيفة الأسمى للعلم والعمل المجتمعي لفئة المثقفين، خاصة في المجتمعات المتخلفة.
ويدخل في نطاق نقد الواضع الراهن، لا ريب، نقد الإنتاج المعرفي. وفي هذا المنظور، فإن نقد تقارير التنمية البشرية في عُمان ظاهرة صحية بامتياز، يزيد إسهامها في صنع التقدم في البلد كلما كان النقد موضوعيا ومترفعا على الاستعداء الفج والمزايدة الرخيصة.
* هل يمتنع النقد الذاتي في ظروف الأزمة أو استهداف الأمة من أعداء؟
عند معاناة الأمة لأزمة أو استهدافها من أعداء لا يُحِل فئة المثقفين من التزامها بنقد الأوضاع الراهنة وصولاً للتقدم، باعتباره التزاماً بالمصلحة العليا للوطن التي تجب كل مصلحة عداها، بل تجعل النقد الذاتي ألزم.
لا يخدم غرض النهضة، في تقديري، أن نمتنع عن نقاش أمور نراها حيوية لتقدمنا إذا ما كان لأي من كان رأي فيها أيما كان، وليس جديراً بأمة تريد أن تنهض أن نعتبر كل ما يقال بشأنها، كفراً بواحاً، فنغلق عقولنا وراءه وأمامه، إن نهج التنمية الإنسانية يجد في إغناء التنوع الثقافي داخل الأمة، وفي التلاقح المغني مع الثقافات الأخرى دعائم نهضة إنسانية تصل العرب بالعالم وبالإنسانية.
‌ج. رد فعل الدول العربية على تقارير التنمية الإنسانية العربية
لقد مثل توجه التنمية الإنسانية العربية إنجازا في الفكر التنموي نبع من المنطقة العربية وانتبه له العالم كله، فقد أفاق العالم في خريف العام 2002، ومرة كل عام تقريبا منذ ذلك الحين، لسنوات أربع متتالية، على حقيقة أن المنطقة العربية ليست خلوا من الفكر النقدي الجاد والرصين الهادف لمصلحة الأمة، وكانت الرسالة التي استوعبها العالم أن هذه المنطقة ليست مواتا كما كانوا يظنون.
ومن المؤسف أن هذه الرسالة لم تستوعب إلى الحد ذاته في الساحة العربية التي كانت هي قبلة فريق التقرير، والمثل العربي يقول “مغني الحي لا يطرب”، أو ليس في هذا تعبيرا آخر عن استحكام أزمة المعرفة في البلدان العربية، أليس من نكد الأمور أن الاهتمام بالتقرير في المحيط العربي، خاصة في الدوائر الرسمية، كان يأتي تابعا للاهتمام به من خارج المنطقة؟ .. من المؤسف أن الدول العربية وجدت نفسها مجبرة على التعامل جديا مع مضمون تقرير “التنمية الإنسانية العربية” بعد أن جاءها من خلال الإدارة الأميركية في ثوب “الشرق الأوسط الكبير” ومن أوروبا في شكل اتفاقات الشراكة، التي لا تتوخي إلا مصالح مُقدميها، بل تهدر بعضاً من أهم مكونات النهضة العربية، وفق تقرير “التنمية الإنسانية العربية “، خاصة في مضمار التحرر الوطني والاستقلال، أي حرية الوطن العربي وتكامله .. ولنا أن نتساءل: ألم يكن أولى بالدول العربية أن تتبنى تقرير “التنمية الإنسانية العربية” برمته، ركيزة لمشروع النهضة العربية الأصيلة بدلا من أن تهرول لتخليص المبادرات الخارجية من سوءاتها التي نجمت عن الانتقاء المغرض للإدارة الأميركية والدول الغربية الأخرى من محتوى التقرير في صياغة مشروع “الشرق الأوسط الكبير وغيره من اتفاقات الشراكة الغربية مع الدول العربية؟

‌د. مفهوم الحرية المكافئ للتنمية الإنسانية
طوّر فريق تقرير التنمية الإنسانية العربية مفهوما شاملا للحرية يكافئ التنمية الإنسانية في منظور الوطن العربي، وهكذا انتهى تقرير التنمية الإنسانية العربية إلى تعريف التنمية الإنسانية بأنها مكافئ للحرية بمفهوم شامل يمتد من حرية الفرد إلى حرية الوطن.

ثانيا: تقارير التنمية البشرية في عُمان، قراءة نقدية
الملحوظات الأهم على التقريرين الوطنيين تتلخص في أنهما اعتصما بالعمل الفني التقليدي، حتى لا أقول الحسابي، متمسكين بمقياس التنمية البشرية المستعمل في تقرير التنمية البشرية (العالمي)- الذي أشرنا إلى قصوره أعلاه وسنؤكد عليه في القسم الثالث من الورقة فيما يلي – وبتوصيف مكوناته مسحيا، مستعملين الإحصاءات الرسمية في الأساس، وابتعدا عن المعالجة النقدية لأوضاع التنمية الإنسانية في السلطنة، فعزفا عن التحليل المعمق نقديا وعن المقارنات الدولية المفيدة، فامتنع عليهما الفهم المعمّق للأوضاع الراهنة وسبل التحسين عليها، وقصرّا في اقتراح الاستراتيجيات والسياسات الكفيلة بترقية التنمية الإنسانية في السلطنة، فجاءا أقرب إلى تسجيل مسحي لإنجازات الحكومة والتباهي بها في مجالات تنمية الموارد البشرية، كميا.
وللحق، عانت من هذه المثالب كثرة تقارير التنمية البشرية الوطنية التي قامت على إعدادها جهات حكومية ارتأت في هذه التقارير سبيلا للدعاية للحكومة وللترويج لإنجازاتها واجتلاب رضا الرؤساء، خصوصا في البلدان التي تسيطر فيها الدولة على المجال العام، وبالطبع فوتت مثل هذه التقارير الفرصة في أن تقدم زادا فكريا من النقد البناء اللازم لتعميق التنمية الإنسانية، وبالمقابل، فإن تقارير التنمية البشرية الوطنية التي صدرت عن جهات مستقلة عن السلطة التنفيذية نحت لأن تكون نقدية ورصينة في الوقت ذاته، وكان لها من ثم، تأثير أقوى على الرأي العام والمجتمع والحكومة على حد سواء، مقدمة بذلك مساهمة فعالة في ترقية التنمية الإنسانية.
ويتفق هذا التوصيف العام مع بعض ما وصل الكاتب من آراء باحثين وكتاب عُمانيين لعلى أذكر منهم الدكتور حمد الغيلاني وأحمد المعيني. لكن يشير أحد الباحثين إلى محاولة تسقُّط إنجازات مدعاة في تقرير 2012.
“يتضح أن تقرير التنمية البشرية الوطني يؤكد تقدما للسلطنة خلال هذه الفترة وهي 2001-2010، بينما يؤكد تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية تراجعا كبيرا في مؤشر التنمية البشرية من (0.749 (نقطة) عام 2001 الى 0.704 (نقطة) عام 2010م) ، كما أنه خلال العامين التاليين (2011-2013) استمرت السلطنة في التراجع في مؤشر وترتيب التنمية البشرية وفق تقارير الامم المتحدة (2011: ترتيب السلطنة 89، ومؤشر التنمية 0.705، 2013: ترتيب السلطنة 84، ومؤشر التنمية 0.730)، أي أن السلطنة خلال الفترة الحالية وبشكل عام تراجعت خلال الفترة الاخيرة (2010-2013) عما كانت عليه قبل عشر سنوات (2001م)، وليس كما أظهره تقرير التنمية البشرية الوطني الذي يشير الى تقدم السلطنة خلال نفس الفترة”.
وبخصوص الامتناع عن اقتراح الاستراتيجيات والسياسات يقول التقرير الثاني إن “التقارير الوطنية عن التنمية البشرية … لا توفر حلولا ولا تقدم توصيات، بل تقدّم بلاغا عن حالة التنمية البشرية .. وتترك الفرصة للجهات ذات العلاقة أن تدرس القضايا المثارة وتقترح الحلول”، وهذا أمر محل نظر، حتى لا اقول تهربا من المسئولية، ولو بالمعنى الفني الضيق.
‌أ- ملحوظات تفصيلية على تقرير 2003: كان التقرير موفقا في طرح ما أسماه “خصوصيات عُمانية للتنمية البشرية” (إطار 2-1، ص 12) لكن باقي التقرير لم يقدم تحليلا وافيا لهذه الخصوصيات، ولو كان تطرق لها بالعمق الواجب لأفاد كثيرا.
وكان التقرير موفقا كذلك في استكمال الإحصاءات الرسمية ببحوث ميدانية عمقّت من فهم حال التنمية البشرية .. ويحمد للتقرير أيضا الاهتمام بإصحاح البيئة الطبيعية وبالنهوض بالمرأة (وإن كان الكاتب يفضل تعبير نهوض المرأة)، والإشارة إلى العلاقة الوثيقة بين “الحكم الجيد” والتنمية البشرية التي لمسها برفق شديد، ولم تخل الخاتمة من نظرات نقدية مفيدة لمجمل حال التنمية البشرية.
‌ب- ملحوظات تفصيلية على تقرير 2012: يحمد للتقرير أن تعرض في الفصل الأول، وهو في الأساس ترجمة من التقرير العالمي، لمسألة قصور أدلة التنمية البشرية، وأن “دليل التنمية البشرية لا يعكس كل أبعادها” لكنه لم يسع لمعالجة هذا القصور بأي صورة جادة .. كما يحمد للتقرير، اتباعا لسنة التقرير الأول، أن لجأ للمسوح الميدانية لاستكشاف رضا العُمانيين عن جوانب مختلفة من حياتهم وكيفية استغلال وقتهم، ودخل وإنفاق الأسر مستكملا ما توصل إليه من مقياس التنمية البشرية.
على وجه الخصوص، يشير التقرير إلى العديد من القضايا التي أصبحت قضايا مركزية من وجهة نظر التنمية البشرية، ومنها “المشاركة والحرية والتي تعني تمكين الناس من المشاركة وإشاعة الحوكمة والديمقراطية والمساواة وتوفير الحقوق المدنية والسياسية والحرية الثقافية تعد قضايا أساسية أيضا في هذا السياق” .. ولكن كانت هذا منتهى التعرض لهذه الموضوعات.
ويستحق الإشادة أن تضمن التقرير في فصله الرابع معالجة لمسألة التنمية والإنصاف باستعمال بيانات مسح الدخل والإنفاق والذي بين التفاوت بين مختلف مناطق البلد في مستوى المعيشة متوصلا لتقديرات لمدى انتشار الفقر.
وعلى أهمية الفصل التاسع الخاص بأوضاع المرأة والطفل باعتبارهما من الفئات المستضعفة في كثير من المجتمعات العربية، والأهمية الحاسمة لترقية أوضاعهما في أي مشروع جاد للتنمية الإنسانية، فإن المعالجة في التقرير لم تقدم الأساس الكفيل بنيل هذه الغاية.
ويمثل التطرق لحال المجتمع المدني في الفصل العاشر بداية مهمة لفحص البنية المؤسسية، عصب التنمية الإنسانية، في المجتمع .. ولكن المعالجة كانت ليس فقط وصفية ولكن حذرة بالإضافة الى كونها خجولة، فامتنعت الفائدة المرتجاة.

ثالثا: أمثلة على ضعف التنمية الإنسانية في السلطنة

يهدف هذا القسم إلى التطرق بإيجاز إلى بعض العوامل التي تنتقص من التنمية الإنسانية في السلطنة، كما في كثير من البلدان العربية، بقصد إخضاعها للنقاش المُدقّق والتحليل المعمّق، توطئة لاقتراح الاستراتيجيات والسياسيات الكفيلة بتحقيق أعلى مستوى ممكن من الرفاه الإنساني من خلال التنمية الإنسانية الفعالة في جميع قطاعات المجتمع ومناحي الحياة كافة.
‌أ- هاجس مغلوط: التوجس من ارتفاع نمو السكان والعمل على تخفيضه: يبدو غلوّا أن بلدا يعتبر غنيا في المحيط العربي، ويستقدم ربع سكانه ونصف قوة العمل من خارجه- ما يستدعي مشكلات ثقافية ومجتمعية واضحة- يستهدف تخفيض معدل نمو السكان الوطنيين.
انظر مثلا .. “تتمثل أهم محاور استراتيجية تنمية الموارد البشرية والتي سيرتكز عليها في تحقيق الرؤية المستقبلية لهذا القطاع وصولا إلى تحقيق الرؤية المستقبلية للاقتصاد العُماني ـ عُمان 2020م في الآتي: أولا: تحقيق التوازن بين النمو السكاني والنمو الاقتصادي من خلال تخفيض معدل النمو السكاني الحالي للوصول به إلى أقل من (3%) بحلول عام 2020م وذلك من خلال التوعية وليس الإجبار”.

‌ب- ضعف الصحة الإيجابية
الجسم السكاني العربي عامة، وليس فقط في السلطنة، أقرب إلى الورم منه إلى الشحم، كما تفيد المقابلة العربية البليغة الشهيرة بسبب تدني الصحة ووهن المعرفة، ويتبدى ذلك بلغة التنمية البشرية في القصور في بناء القدرات البشرية الأساس لا سيما نقص التمتع بالصحة الإيجابية.
تعرّف منظمة الصحة العالمية مفهوم “الصحة الإيجابية” على أنها حالة من تمام العافية، جسديا وعقليا ونفسيا” وليس مجرد غياب المرض أو الاعتلال، فليست الصحة، إيجابيا، مجرد تفادي الموت- إلى حين بالطبع- ليعيش المرء مريضا أو معتلا، بما يهدر بعضاً من قدرته البشرية الأولى ويقلل من توظيف قدراته البشرية في النشاطات المجتمعية، مُنقِصا من إمكان التنمية الإنسانية في المجتمع كله.
وترجمة لهذا التعريف انتقلت منظمة الصحة العالميةلاستبدال مؤشر “سنوات الحياة المفقودة للمرض” بدلا من مؤشر توقع الحياة عند الميلاد المستعمل في مقياس التنمية البشرية. فطول مدى الحياة ليس ميزة إن كان العيش مع المرض.
وفق هذا التعريف نجد أن التمتع بالصحة الإيجابية مازال بعيداً عن عموم العرب ويعاني بعضهم حرمانا انتقائيا أعلى، حتى في بلدان الوفرة المالية التي تعاني سمات خاصة من انعكاس الوفرة على قصور الصحة، لاسيما بالنسبة للنساء والأطفال.
فنشاهد في البلدان العربية قيما مرتفعة لمقياس “سنوات الحياة المفقودة للمرض” الذي تتبناه منظمة الصحة العالمية كمؤشر عام، سلبي، على الحالة الصحية العامة. وترتفع قيمة المقياس لمستويات أعلى نسبيا في حالة النساء (منظمة الصحة العالمية، باللغة الإنجليزية، 2011).
وعلى خلاف التفاوت المعتاد عالميا، تعاني النساء في البلدان العربية مستوى أعلى من زيادة الوزن والبدانة (تقرير التنمية الإنسانية العربية، 2005)، خاصة في البلدان العربية الخليجية؛ تتراوح بين 50% في السلطنة إلى أكثر من الثلثين في السعودية (مسيغر، باللغة الإنجليزية، 2004).
وفوق ذلك، يعاني الأطفال في البلدان العربية الخليجية من مستويات أعلى نسبيا من زيادة الوزن والبدانة والأمراض المتصلة بهما مثل داء السكري وأمراض الجهاز الدوري وضغط الدم، (نج وآخرون، باللغة الإنجليزية، 2010) غالبا تعود إلى إدمان الوجبات السريعة من الغذاء غير الصحي.
وكان معدل انتشار البدانة عاليا في السعودية والكويت حيث يرتفع بين الأطفال فيما قبل سن المدرسة (8-9%) وتعد معدلات البدانة بين المراهقين من أعلى المعدلات في العالم وكانت الأسوأ في الكويت (40-46%) .. إلا أن مقارنة بيانات الأطفال تشوبها صعوبة تفاوت المعايير، وبين الأمراض غير المعدية المتصلة بسوء التغذية، يرتفع معدل وقوع السكري وارتفاع ضغط الدم، ويتزايد معدل الانتشار بالتقدم في العمر، وتعاني دولة الإمارات المعاناة الأشد بسبب سرعة التزايد بين عامي 1995 و2000 (المرجع السابق نفسه).
وفق أحد المصادر، بلغت زيادة الوزن في منطقة شرق المتوسط، مستوى يدعو للجزع، فقد سجلت معدلات لزيادة الوزن والبدانة في حدود 3-9% بين الأطفال في سن ما قبل المدرسة، وارتفعت المعدلات إلى 12-15% بين الأطفال في المدارس، وسُجّل ارتفاع ملحوظ في البدانة بين المراهقين يتراوح بين 15-45%، وبين البالغين سجلت النساء معدلات أعلى للبدانة (35-75%) مقارنة بالرجال (30-60%)، ويعود ارتفاع معدلات البدانة في المنطقة إلى عوامل عديدة منها التغير في العادات الغذائية، وقلة الحركة وتعدد مرات الإنجاب في حالة النساء. (مسيغر، 2004)

‌ج- تدني جودة التعليم
على الرغم من التقدم الضخم في نشر التعليم بين النشء، يسود اتفاق على أن مقتل نظم التعليم العربية هو تردي الجودة، بحيث تقصُر أنساق التعليم في البلدان العربية عن إكساب المتعلمين المهارات والقدرات المطلوبة للكفاءة الإنتاجية المرتفعة والمهيئة للابتكار من خلال اكتساب المعرفة، خاصة إنتاجها، مثل القدرة على التعلم الذاتي وامتلاك ناصية ملكات التحليل والنقد، وهي أساس الإبداع.
ويبدو انخفاض مستوى جودة التحصيل التعليمي في البلدان العربية جليا عند المشاركة في الدراسات الدولية لتقييم الإنجاز التعليمي، وفي دراسة اتجاهات الإنجاز التعليمي في الرياضيات والعلوم، وأحدثها جرت في عام 2011، جاءت نتيجة جميع البلدان العربية المشاركة، ولم يتجاوز عددها الثماني بلدان، في الفرعين، أقل من متوسط مدى الاختبارات، الذي يشير لمتوسط الإنجاز المتوقع.
‌د- ارتفاع معدلات الباحثين عن عمل الباحثين عن عمل في كثير من البلدان لزيم الفقر نظرا لأن أصحاب الأصول الرأسمالية قلة، ولا يبقى لدى غالبية الناس من مصدر للدخل اللازم للوفاء بحاجات العيش إلا بيع قوة عملهم، ومن ثم فليس لمن لا يحصلون على عمل من هؤلاء إلا الالتحاق بفئة الفقراء.
ومرة أخرى ليست السلطنة فريدة في هذه المشكلة، فمجموعة البلدان العربية تعاني أعلى معدلات الباحثين عن عمل بين مجموعات بلدان العالم، وفي كثرة منها يرتفع معدل الباحثين عن عمل بين الشباب عن المتوسط، ما يشكل إهدارا لطاقة أكثر فئات المجتمع حيوية وقدرة على المشاركة في جميع مناحي النشاط المجتمعي بفعالية.
وفي نظر الكاتب أن هذه التقديرات تقلل كثيراً من مستوى الباحثين عن عمل في مجمل البلدان العربية حتى لو اقتصرنا على التقديرات الرسمية التي تقلل من مدى شيوع ظاهرة الباحثين عن عمل في البلدان العربية، ومن فحص مجمل المعطيات المتاحة يقدِّر الكاتب أن المعدل الفعلي للباحثين عن عمل في مجمل البلدان العربية يصل إلى قرابة 20% عام 2010م، وإلى أعلى من ذلك بين الشباب الذين يدخلون سوق العمل لأول مرة.
وارتفاع الباحثين عن عمل الشباب مشكل قائم في البلدان العربية الخليجية أخرى، مثلا، يتيح تقرير مكتب العمل الدولي عن اتجاهات التشغيل في العالم بيانات كاشفة عن تضاريس الباحثين عن عمل في الاقتصاد العربي الأغنى، السعودية.
والأرقام تبوح بمغزاها، ففي الاقتصاد الأغنى في البلدان العربية، ما برح قسم ولو صغير من المواطنين يعاني من الباحثين عن عمل، على معدل أعلى من المتوسم ومن ثم عن الوافدين، وترتفع المعاناة بين الشبيبة إلى ثلاثة أضعاف المعدل العام في عام 2009 حتى نجد واحدا من كل ثلاثة شباب لايجد فرصة عمل .. كما تشير البيانات إلى أن مستوى الباحثين عن عمل الإجمالي كان ثابتا نقريبا وأن مشكلة الباحثين عن عمل بين الشباب ظلت على مستواها البالغ الارتفاع، على الرغم من الوفرة المالية.
‌هـ – تدني إنتاجية العمل
الإنتاجية المرتفعة والمتنامية هي قوام الازدهار الاقتصادي .. ولكن البلدان العربية جميعها تعاني من انخفاض إنتاجية العمل.
غير أن إنتاجية العمل منخفضة نسبياً في جميع الاقتصادات العربية، وهي من أحد أهم مسببات التخلف، اقتصاديا .. غير أن عائدات النفط تغطي على هذا النقص في البلدان العربية النفطية عند استعمال المؤشرات المالية الإجمالية.
ويمكن إرجاع تدني الإنتاجية إلى تضافر النواقص السابق الإشارة إليها في اكتساب القدرات البشرية وتوظيفها بفعالية .. فضعف الصحة، في المنظور الإيجابي، وقلة جودة التعليم تنتقصان من القدرتين البشريتين الأساس في الصحة واكتساب المعرفة، ونقص توظيف القدرات البشرية من خلال نقص التشغيل يضيف مكونا آخر من متلازمة انخفاض الإنتاجية.
فتدني إنتاجية العمل هو أحد تجليات الباحثين عن عمل المستترة، وجدير بالملاحظة أن الباحثين عن عمل (السافرة) تستبعد، ابتداءً، قسماً من الناتج الممكن، عن طريق تعطيل الطاقة البشرية، أهم الموارد قاطبة في تقديرنا في مثل البلدان العربية، وهكذا، بين ما تستقطعه الباحثين عن عمل من الناتج الممكن، ابتداءً، وبين تدني الإنتاجية، يقل الناتج الإجمالى للفرد في البلدان العربية.
وحيث البيانات المباشرة عن الإنتاجية في البلدان العربية أشد ندرة من بيانات الباحثين عن عمل، نلجأ لتقريب مستوى إنتاجية العمل بمؤشر نصيب المشتغل من الناتج المحلي الإجمالي.
ويبين أحد الجداول، مدى تواضع إنتاجية العمل في البلدان العربية بالمقارنة ببعض بلدان المقارنة في جنوب أوروبا وكوريا أو حتى بدولة الجوار المهمة تركيا أو بالغريم الإقليمي، إسرائيل.
ويشتد تواضع إنتاجية العمل في البلدان العربية، خاصة في المنظور المقارن، باستبعاد عائدات النفط من الناتج المحلي الإجمالي باعتبار القسم الأعظم من تلك العائدات يعود لريع على ميزة جغرافية أكثر منه تعبيرا عن مستوى الإنتاجية، وبهذا تصبح المقارنة بين البلدان العربية النفطية وغيرها وبين البلدان العربية وبلدان المقارنة الأخرى، أنقى وأجلى للعلاقات النسبية.
ومن إحدى الجداول المرفقة يتبين تضاؤل الميزة المالية النسبية للبلدان العربية النفطية، ومن ضمنها السلطنة، على باقي البلدان العربية، وباقي بلدان المقارنة، عند استبعاد عائدات النفط من الناتج المحلي الإجمالي.

‌و- تدني التمتع بالحريات المفتاح
المقصود بالحريات المفتاح حريات الرأي والتعبير والتجمع السلمي والتنظيم في المجتمعين المدني والسياسي، وتوسم بالمفتاح لأنها عند تحققها تضمن- نهاية- التمتع بباقي منظومة حقوق الإنسان.
يقوم هذا الجزء على فحص قيم مؤشر مستوى “التمثيل والمساءلة” في البلدان العربية من قاعدة بيانات مؤشرات الحكم الخاصة بالبنك الدولي (كاوفمان وآخرون، 2010)
ويلخص المؤشر عددا كبيرا من المؤشرات الفرعية المتصلة بمدى حرية التعبير ومشاركة الناس في اتخاذ القرار في المجتمع ومساءلة الناس لأجهزة الحكم، ويلاحظ أن قيمة مؤشر “التمثيل والمساءلة” تقع في جميع الدول العربية في النصف الأدنى من المدى الممكن للمؤشر، وباستثناء لبنان والكويت والمغرب، تقل في الباقي عن الربع، وتتدنى في ثلاث دول، السعودية وليبيا (قبل الثورة) وسوريا، إلى مستويات خطيرة غاية في التدهور.
ويمثل إحدى الجداول متوسط قيمة المؤشر، مقارنا قيم البلدان العربية بدولتين من أفضل بلدان العالم على هذا المؤشر، ويلاحظ أن قيم المؤشر سالبة لجميع البلدان العربية .. وماذا يمنع عُمان من تستمتع بأعلى مستويات التعبير الحر ومساءلة المسئولين، وهو مبدأ إسلامي أصيل؟
أزعم أن لا شيء يمنع السلطنة من أن تكون المثل الذي يحتذى في الوطن العربي على الحكم الملكي الدستوري الذي يحترم الحرية ويضمن مساءلة الناس للمسؤولين.
فالحرية أصل من أصول الإسلام، وخلفاء خاتم المرسلين في أمر المسلمين، لاسيما أبو بكر الصديق والفاروق عمر بن الخطاب، أرسوا تقاليد رائعة في مساءلة الناس للحكام، وتقويمهم إن اقتضى الأمر.

‌ز- الحاجة إلى تعاون أوثق، خليجيا وعربيا
إن السلطنة لا تنفرد بمعاناة نواقص التنمية الإنسانية المذكورة أعلاه بل تشترك فيها مع دول عربية كثيرة، ومع غالبية البلدان العربية الخليجية الأخرى.
وبسبب الإمكانات الهائلة، وغير المستغلة بكفاءة حاليا، للتكامل العربي الفعال، خاصة في حدود مجلس التعاون الخليجي، يرشح هذا التشارك فرصة أفضل لمكافحة ناجعة لهذه النواقص في سياق من التعاون الفعال في المحيطين.
ولعلى اختتم هذا القسم بمقولة أثيرة عن الإمام الحسن بن علي: “إن الذي تكرهونه من الجماعة أفضل مما تحبونه من الفرقة”.
رابعا: توصيات لتحسين تقرير التنمية البشرية وزيادة مساهمته في ترقية التنمية الإنسانية في السلطنة
1. يجري إعداد التقرير بدورية منتظمة، مرة كل عامين أو ثلاثة مثلا.
2. لضمان أن تعكس التقارير أولويات التنمية الإنسانية في السلطنة، يقترح أن يقسّم التقرير إلى قسمين.
الأول عام يتعرض لمجمل تطور التنمية البشرية كما جرت العادة في التقريرين السابقين، ويعالج القسم الثاني بتفصيل وعمق، ولو اقتضى الأمر القيام بأبحاث ميدانية مستحدثة، موضوعا خاصا من أولويات التنمية الإنسانية في السلطنة يستهدف تعميق البحث واقتراح الاستراتيجيات والسياسات الكفيلة بترقية التنمية الإنسانية، ولذلك يحسن أن ينتهي التقرير بقسم يقدّم توصيات لجميع الجهات المعنية بهدف ترقية التنمية الإنسانية، لاسيما فيما يتصل بالموضوع الخاص.
3. يراعى في اختيار موضوعات التقرير الخاصة أن تعكس المشكلات الحرجة في التنمية الإنسانية في السلطنة مثل تلك المطروحة في القسم الثالث من الورقة (الصحة الإيجابية، جودة التعليم، والتشغيل، ورفع الإنتاجية وتدعيم الحريات المفتاح والمساءلة).
4. يحسن أن تقوم على إعداد التقرير جهة مستقلة عن الحكومة مشهود لها بالمقدرة العلمية والرصانة. ويرشح الجمعية الاقتصادية العمانية لأن تكون نواة لهذه الجهة المحتوى الرصين لوثيقة “عمان التي نريد، الدليل الوطني للتنمية”، 2013، الذي يصلح كبداية لمنهجية العمل على تقرير التنمية البشرية.
5. ينبغي توسيع نطاق المشاركة في المراحل المختلفة لإعداد التقرير من خلال:
‌أ. إنشاء مجلس استشاري متنوع الانتماءات يجمع بين الأكاديميين ومنظمات المجتمع المدني والجهات الحكومية المعنية، مع التركيز على تمثيل الشباب والنساء، يتولى مراجعة وتنقيح مختلف خطوات إعداد التقرير.
‌ب. توسيع نطاق الاستشارة المجتمعية في جميع مراحل إعداد التقرير عبر حلقات النقاش والمؤتمرات وفي وسائل الإعلام مع إيجاد آلية في هيئة إعداد التقرير لرصد الآراء المبداة والاستفادة منها في تحسين التقرير.

إلى الأعلى