الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نتنياهو وليس نسخةً عنه!

نتنياهو وليس نسخةً عنه!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

لم تختلف نتيجة انتخابات الكنيست في الكيان الصهيوني عن ما سبق وكنا قد قلناه. قلنا إنها إن لم تعد لنا نتنياهو كرئيس لحكومة الكيان، فلسوف تأتينا بنسخة نتنياهوية أخرى لن تختلف عنه. الحاصل الآن أنها قد أعادت لنا النسخة الأصل للمرة الرابعة ولم تبدِّل تبديلا. عندما توقَّعنا ما توقَّعناه لسنا حينها بمن كان يتكَّهن ولم نك نضرب بالودع ولا بمن يحقق سبقًا، وإنما استندنا فحسب، إلى فهمنا لطبيعة هكذا كيان استعماري استيطاني احتلالي من سماته الاتجاه أكثر فأكثر يمينًا، يضاف إليه أنه يجد فيراهن أيامنا العربية الأسوأ والأردأ ما يحضه على المزيد من غلوِّه في فاشيته التي لا تجد من يردعها. كانت المنافسة الانتخابية الصهيونية تدور بين المتطرِّف والأكثر تطرُّفًا، والخلافات بين معسكريها كانت في غالبها تتمحور حول شخص نتنياهو وأسلوبه في الحكم وليس سياساته. مقياسنا كان هو مواقفهم من الصراع، ومعيارنا هو رؤيتهم لحسمه، أو ما سيتأتى عن هذه الانتخابات منعكسًا على القضية الفلسطينية. وعليه، جزمنا بأن لا من متغير لديهم بعدها، بمعنى إما نتنياهو أو لا نقيض له. إن مجرَّد نظرة منا إلى خارطة القوى المتنافسة كانت كافيةً لأن تدلنا على هذا…
تضليلًا لا واقعًا، أُطلق على اصطفافات ساحة المنافسة في هذه الانتخابات معسكري اليمين واليسار، ولنتبين مدى هذا التضليل ومجافاة الواقع، لنأخذ هذين المعسكرين معسكرًا معسكرًا، ونمر على مكوِّنات كل معسكر تراتبيًّا وفقما عكسته النتائج المعلنة للانتخابات. ونبدأ بالأكبر والفائز، فنأتي إلى الليكود بزعامة نتنياهو الغني عن التعريف، لكن أقله مع وجوب الإشارة فحسب إلى كونه صاحب غزوة الكونجرس مؤخرًا، والمختتم لحملته الانتخابية بزيارة مستعمرة “حار حوما” في جبل أبوغنيم المقدسي، والمتعهِّد بالحؤول دون قيام دولة فلسطينية، وأخيرًا المتحدث دائمًا عن التسوية والعامل الدائب لإفشالها، والحاصل حزبه على ثلاثين مقعدًا. يليه حزب “كولاني” الجديد والصاعد بزعامة موشيه كحلون، الرافع لشعار اجتماعي هو “نهاية الصراع أم نهاية الشهر”، مع التذكير بأنه المنشق عن الليكود، والذي يعتبر نفسه الليكود الحقيقي، والحاصل على عشرة مقاعد. يليه حزب “البيت اليهودي” الفاشي بزعامة نفتالي بينت، المطالب بـ”إسرائيل الكبرى” دون تنازلات، وثمانية مقاعد. ثم يأتي حزب “إسرائيل بيتنا” الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات والمتضائل تمثيله إلى ستة مقاعد، بزعامة أفيجدور لبرمان، المنادي بتسوية مع العرب لا الفلسطينيين، والقائل “عندما أصبح وزيرًا للدفاع ستكون المعركة الأخيرة لحماس”. يلي هؤلاء حزبا الحراديم الدينيين المتزمتين غير المختلفين غلوًا عن سابقيهم فيما يتعلق بالصراع، وهما “شاس”، و”يهودات هاتوراة”، وسبعة مقاعد لكل منهما… هذا هو معسكر نتنياهو الفائز، فماذا عن مقابله الخاسر، أو ما يدعى زيفًا بـ”اليسار”؟!
في مقدمته “المعسكر الصهيوني” بزعامة هرتسوج ومعه تسيبي ليفني والحائز على 24 مقعدًا. وهرتسوج هذا لا من فارق جوهري بينه وبين نتنياهو إلا في مسألة التفاوض، أما الثوابت واللاءات الصهيونية فهي هي عند الاثنين، إنه، مثلًا، مع تسوية، لكن مع بقاء القدس موحَّدةً، وبقاء المستعمرات جاثمة، ومع نوع من كيان فلسطيني، لكن على أن يكون مسخًا وأبعد ما يكون عن تسميته بدولة. يليه حزب “يوجد مستقبل” بزعامة يائير ليبيد، الحائز على 11 مقعدًا، والقائل أيضًا بقدس موحَّدة، ومع طلاق ديموغرافي بائن مع الفلسطينيين، لكن من طرف واحد ودون تقديم تنازلات جوهرية. وآخرهم يأتي “ميرتس”، الذي كاد أن لا يحصل على نسبة العضوية والخارج بخمسة مقاعد، فالمستقيلة على أثر ذلك زعيمته زهافا جالؤون، والذي يساريته عند الضرورة صهيونية بحتة حتى العظم.
لعل المختلف الوحيد في هذه الانتخابات الصهيونية كان حذق نتنياهو وقدرته على استغلال كونها تجري في مجتمع يعاني لطبيعته، التي بيَّناها بدايةً، فوبيا وجودية متأصلة وفقدانًا مرضيًّا لليقين بالقدرة على البقاء. كان ذلك منه عبر إجادته للعب على وتيرة الهواجس الأمنية لهكذا كيان هش ومفتعل، مستفيدًا من أصداء غزوته للكونجرس الأميركي للظهور بمظهر المتحدي الجسور المقتحم حتى لعرين الحلفاء في سبيل الذودً عن أمن صهاينته، وبالتالي جاز له الآن أن يفاخر: إنه “وبخلاف كل التوقعات، حققنا انتصارًا كبيرًا للمعسكر الوطني بقيادة الليكود، علينا أن نؤلف حكومة قوية ومستقرة”… ولسوف يشكِّلها، فبين اليمينين الفاشي والمتديِّن المتزمت الصهيونيين لا ثمة من خلاف حول السياسات وإنما قد توجد فحسب في توزيع الغنائم والحقائب الوزارية إبان رحلة استيلاد الحكومة الأكثر من مريحة لنتنياهو من سابق حكوماته في سابق حقب رئاساته الثلاث المنقضية…إذن، وفي هكذا حالة، فماذا عن “أوسلوستان” وتهويماتها التسووية؟!
بعد طول انتظار ترجم تلكؤًا وتجميدًا للحركة شجَّع عليهما همس أميركي ومبعثهما مراهنةً عربية وأملًا أوسلويًّا في أن يتصاعد الدخان الأبيض من مداخن صناديق الاقتراع آتيًا بهرتسوج والمفاوضات إلى رئاسة الحكومة الصهيونية، اضطر صائب عريقات الموصوف بكبير المفاوضين لأن يؤبن غاليته المغدورة واصفًا ما حدث بأنه “انتخاب لدفن عملية السلام واستمرار الاستيطان”… لكنه لم يزد فيقول، مثلًا، ودفن لأوسلو، ولا أن أقصى ما قد تحصل عليه سلطتها بعد هذا الدفن لن يزيد عن احتمال إفراج عن أموال ضرائبها المجمَّدة مقابل مواصلتها تنسيقها الأمني في خدمة أمن الاحتلال، بمعنى مجرَّد الحؤول دون انهيارها الذي لا تريده ولا يريده نتنياهو…

إلى الأعلى