السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / المُصافحة

المُصافحة

كنت جالساً في المقهى لأكثر من ساعة. إنها واحدة من طقوسي الأسبوعية التي تعلقت بها منذ أن انتقلت إلى هذه المدينة الصغيرة. كانت هنالك العديد من المقاهي في المنطقة إلا أنني آثرت هذا المقهى لأنه كان الأقل ازدحاماً، والأكثر انعزالاً، كما أن مالك المقهى يُعدُّ قهوة جميلة لم أذقها منذ سنين.

لم أكن أرتاد المقهى يومياً، كنت ارتاده فقط في عطلة نهاية الأسبوع. وقد وجدت طاولة صغيرة عند الزاوية بالقرب من النافذة، اعتدت قضاء وقتي في حل الكلمات المتقاطعة في جريدة الصباح، أقوم بعدها حقيقة بقراءة الافتتاحية وبضعة فصول من رواية، اختمه بكتابة خِطاب أو خِطابين. كانت فترة مكوثي في المقهى أطول من الوقت المُفترض أن أقضيه لكن مالك المقهى لم يطلب مني المغادرة قط، طالما أنني مُستمر في احتساء المشروبات الساخنة وأخيرا أطلب شطيرة خفيفة أو صحن معكرونة.

كان مالكا المقهى زوجين في منتصف عمرهما، انخرطا في التجارة منذ عقود وكوّنا تدريجياً زبائن مخلصين مواظبين أمّنوا لهما، إلى حدٍ ما، دخلاً ثابتا. كانا زوجين حَسني المظهر وقد تولّيا معاً رعاية زبائنهما بأن أضافا لمسة لخدماتهما أسفرت عنها روحٌ من الولاء لدى العملاء نادراً مانراه هذه الأيام في المدن الكبرى.

وبالرغم من انهماكي في عملي الخاص لايمكنني تجاهل الزبائن المواظبين الذين يغشون المكان. يمكنني معرفة الوقت بمجرد وصولهم. إلى هذا الحد يمكن التنبؤ بوصولهم. وصلت الثامنة صباحاً وكنت عادة بين أول الواصلين. فطالبتُ بأن تكون لي طاولة – سريعا أصبحت لي طاولتي – كنت أرقب منها الناس بطرف عيني.

كان المقهى يُطلق عليه “مقهى اللبلاب المُتسلق” تيمناً ببساط من اللبلاب المُتسلق إلى أعلى وعلى طول الجدران من الخارج. لم يكن المبنى ملتصقاً بمبانٍ أخرى حيث كان منفصلاً وعلى مقربة من الطريق تحيط به أُصص الزهور وحقول، وفي الخلف مساحة صغيرة لوقوف المركبات.

في غضون ساعة من فتح المقهى تدفق الزبائن وتقدموا بطلبات القهوة مرددين: “كالعادة.” هذا التعبير يستخدمه الزبائن المواظبين الذين أقاموا علاقة وئام مع المالكة. وكانت دوما تعرف ماهي “العادة” وكان ولائهم وخدمتها التي تقدمها هي التي حافظت على استمرار المقهى في تقديم خدماته.

حاولت دفن نفسي في العمل وكنت على الأغلب ناجحا، فلدي القدرة بحكم العادة أن أتجاهل ما لا يستهويني أو يعنيني.

حوالي العاشرة صباحاً تكون هنالك دوما زائرة مواظبة؛ إمرأة معها طفلان. كانت المرأة في منتصف الثلاثينات من عمرها وأما طفلاها فلا يزالان صغيرين. كانا صبيين؛ أكبرهما تقريبا في الثالثة من عمره وأما شقيقه فيصغره تقريبا بعام واحد. ما علق بذاكرتي عن هذين الطفلين هو سلوكهما المُشين. كانا يمارسان شقاوتهما بالتنقل في أركان المقهى وكأنهما يملكانه. كانا يتمددان على الكراسي ويتسلقان الطاولات. ولأمر ما، لم يُلقِ بهما المالك خارجاً بل تحملهما أكثر مما كان مقبولاً.

يبدو أن أُمّ هذين الشقيين كما لو أنها تحمل على ظهرها حقيبة مليئة بالمشاكل. كان مظهرها دوما غير مرتب ولم يكن فيها شيء يوحي بالأناقة. لم يكن شعرها ممشطاً، أما أظافرها فكانت مقضومة حتى الجلد. وقد ولَجَتْ إلى المقهى كإعصار يجتاح مدينة. ويمكن للمرء أن يتخيل كيف تكون حالة منزلها، ولماذا ارتأت أنه من الضروري أن تأخذ طفليها صبيحة سبتٍ إلى مقهى بدل أن تأخذهما إلى حديقة المدينة.

كان مالكا المقهى في حيرة من أمرهما في كيفية التعامل معها. حيث أن وصولها كان مصدر إزعاج للزبائن المواظبين الذين تحملوا وجودها بينما كانوا يُخفون شعورا بعدم الارتياح.

لم يمض وقت طويل حتى بدأت تُركّز انتباهها عليّ وتهمس لطفليها كلمات غير مسموعة، حينما كانت تومئ برأسها باتجاهي. كنت أعلم أنني محط تعليقاتها وبدأت فعلاً أكرهها بشدة.

كان يوم سبت ماطر قبيل نهاية شهر مارس عندما وصلت إلى المقهى كعادتي المعهودة. كان الطقس بارداً جداً والمطر استحال ثلجاً. أخذت مقعدي عند طاولة قريبة من النافذة؛ مُستمتعاً بأُلفة الطقس الموحشة التي جعلت الوقت يبدو متأخراً عن حينه؛ وخلقت صمتاً مهولاً لم تقطعه متابعة طابور من الزبائن.

كنت على يقين بأن المرأة بطفليها المتوحشين لن تخرج من بيتها في يوم كريه كهذا. لكنني كنت مخطئا وتبددت آمالي الضئيلة عندما دَخَلَت المقهى منتصف الصباح. كنت على علمٍ بأن الأطفال في هذا الطقس سيكون سلوكهم مُشيناً ولم يكن أمامي شيء أقوم به سوى اليأس المحتوم والتسليم للوضع، وأبرح المكان.

كان حدسي صائبا وصبري نافدا وكنت في قمة انهزامي، فحزمت حقيبتي بعد أن حشوتها بأقلام الرصاص ودفاتر الملاحظات حيث أنها أدوات عملي فقمت وقوفاً لأغادر.

في هذه اللحظة بالضبط اقتربت مني ومعها طفلاها وطلبت مني طلباً غريبا بأن توسلت قائلة “عفوك، سيدي: هل تمانع من أن يصافحك أبنائي؟

هتفت من وقع المفاجأة قائلاً “ماذا؟ لماذا؟

“على أية حال، لاحظنا أنك كل أسبوع تجلس هناك لوحدك، لا شك أنك تعيش منعزلاً. ويظن أبنيّ أنك رجل بخيل للغاية لأنك لا تبتسم إطلاقاً. وأنا لا أريدهم أن يشعروا بالخوف من الغرباء.”

شعرت بأن ملاحظاتها غريبة. فإن كنت أبدو رجلا بخيلا، إذاً عليكِ أن تُخبري طفليك أن يُعرضا عني.
تقدم إليّ أحد إبنيها، الأكبر منهما، ومد يده لمصافحتي. أستطيع أن أدرك بأنها ليست لفتة عفوية وأكثر من المُرجح أن أمه من أمرته بذلك. وقد نكس عينيه للأسفل وبدا مرتبكاً لكأن لمسة من يدي ستلوث يده.

وبعد المُصافحة المُحرجة تقدم إليّ الطفل الآخر. كان ارتباكه مصحوبا بالخوف وكانت يده باردة، مُتعرقة، رطبة، لَزِجة. وبعد أن صافحتهما تراجعا إلى ركن آخر من المقهى بما أنهما أقدما على شيء خارج عن إرادتهما.

تساءلتُ: أيّ أم هذه التي تُجبر أطفالها على مصافحة رجلٍ غريب؟ وهل سيكون الطلب مستقبلاً بالإمضاء على كتبهم المدرسية؟

لقد بدت في قمة الفرحِ والسرور بعد أن امْتثلتُ لأمرها وقالت: “شكرا جزيلا لمصافحة أبنائي. فأنت حقا لاتبدو كمظهرك بخيلاً.”

أصابتني الربكة إثرَ مُجاملتها العفوية، فتساءلت عن الطريقة التي يمكن إتباعها لإرجاعها إلى العقلانية التي حادت عنها.

مكثوا في المقهى لساعة أخرى ثم رحلوا. شاهدتهم وهم يغادرون وتساءلت إن كان ثمة حاجة لذهابهم إلى المنزل. فأغلب الأمهات يصطحبن أطفالهن إلى الحدائق العامة والملاعب أما هذه الأم ….

لم أتمكن من المُضي في التفكير. فمحاولة معرفة أي شيء خارج ما يمكن أن أراه أو ألمسه أو أشعر به، يرهقني.

بقيت فترة لا بأس بها ودفعت فاتورتي. كانت آخر رحلة لي إلى “مقهى اللبلاب المُتسلق.” فقد اتخذت قراراً بأن لا أعود إليه أبداً.

تأليف: وليام م. بالسامو ترجمة: سليمان الخياري

إلى الأعلى