الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / غنائية للانتظار الطويل

غنائية للانتظار الطويل

العنوان هو العتبة الأولى للنص ، بل هو في أحايين كثيرة جزء لا يتجزأ من النص ، أو هذا ما يفترض أن يكون .
انه الكلمة الأولى التي يأتي بعدها الكلام تباعا، والرشقة الأولى التي تنسكب بعدها غيمة الشعر بغزارة ، تاركة أثرها الجميل ، وفعلها الحميم على وجه الأرض .
عندما تضع العنوان بوعي ، وبحس عال ، فأنت تمنح القارىء بطاقة العبور الأولى الى دهاليز النص ، تماما كما في هذه الغنائية ، التي يسكبها شجن عبدالله العمري ، غنائية ” الانتظار الطويل ” (1) ، بمقاطعها السلسة الثلاثة.
على الوادي
يمر الطلح
والجلنار
والكادي
ويبقى الملح
… يبقى الملح
وفي الوادي قطع أحجار
وصمتي الباذخ الثرثار
وريح ٍ تملي هدومي
دواير
وأسئلة
وأعذار
وانا رغم العطش محتار
كيف أضما ويبتل الجبل حولي !؟
الوادي هو مسرح الحب الذي أهدى للشاعر بسمته الأولى ، وخطوته الأولى ، ومغامرته الأولى.
والوادي هو المكان الذي افترش العاشق أحجاره انتظارا ، تمرجح بين الأمل واليأس ، لكنه ، على ما يبدو، انتظار طويل ، لا يزال يكتوي بناره ، ويتجرع مرارة حنظله.
والوادي هو الملاذ الذي يلجأ اليه ، الشاعر / العاشق ، كلما ضاق ذرعا بصخبه الداخلي ، وتزاحمت عليه نداءات قلبه المكلوم ، ليسرح بفكره بعيدا ، متأملا أحجاره وطبيعته وماءه ومطره ، ليدلق حكمته ومفارقته الموجعة والحارقة : كيف أضما ويبتل الجبل حولي !؟
تمر الحبيبة على هذا الوادي ، مرورها العابر ، الأشبه بمرور الطيف أو الحلم ( يمر الطلح والجلنار والكادي – وفي المقطع اللاحق : وقلتي لي : انا الجلنار والكادي / وأنا الأمطار ) ولكنه ، كما تمت الاشارة مرورا عابرا يدمل الجرح ولا يعالجه وينفخ الرماد عن الجرح ، ويثير الذكريات ، ويحرك المواجع ..
مرت الحبيبة ويظل هو لم يبرح واديه يعالج غصته وألمه ( ويبقى الملح) ويكررها بأسى : ويبقى الملح ..

تركتيني ورا البسمة
أعلل خاطري بكلمة
وأقول ان المحبة : نحوم
صور وأوراق ومرايا
وشعر رددوه القوم
قصيدة صارت حكاية
وقلتي لي : انا الجلنار
والكادي
وأنا الأمطار
وليتك ما حكيتي لي
ولا جيتي وتركتيني
وليتك كل ما جيتي في حلمي
ما سألتيني
لجل أنظر على الوادي
مثل ما تذبل الأزهار
ويأتي المقطع الثاني تنويعا على حالة الانتظار ، وتعميقا لحالة الحزن ، كما هو حال الغنائيات ..
” تركتيني ورا البسمة .. ” وهنا تناص لا يخفى ، واستدعاء لترجيع البدر الحزين في رائعته الشهيرة (ارفض المسافة) عندما يقول ” انا الجالس ورا جدار النهار .. ” وفي القصيدة عموما ثمة تأثر بالنفس والايقاع البدري جلي وبيّن، لا يخطؤه سمع ، ولا يضيعه احساس .
ينظر الشاعر الى الوادي ، ولعل النظر هنا هو الاسترجاع لتلك الأيام الجميلة ، العذبة ، الممطرة ، الباذخة في الروح ، لكنها نظرة ذابلة ارهقها العطش والانتظار الطويل .
يمر الوقت والذكرى
حنين ووجهك المسرى
أخبي لك تفاصيلي
وتفضحني عناويني
وأنا ويني ؟ أو انتي وين
سألتك ؟ ما سألتيني ؟
نطرتك ما نطرتيني
كتبتك ما قريتيني
وانا مثل الكلام اللي :
وانا نفس الشعور اللي :
محال أشبهه باللي :
تحسه واستر أعماقي
تركتيني لجل باكر
ووجهك غايب وحاضر
يذكرني وينساني
يفارقني ويلقاني
على الوادي .. على الوادي
ويرشقنا التنويع / المقطع الأخير برشاقة مطره العذب . يغني على / لـ أساه وشجنه .
ويظل الوادي الخلفية التي بها وعليها ينوع الشاعر مواويل وجعه وانتظاره ، ويظل دائما وجه الحبيبة هو الحاضر / الغائب .هكذا كانت غنائية عبدالله العمري غيمة تسقي الروح العطشى ، بعذب هطولها ، وترجيعها الأنيق عبر مقاطعها الثلاثة.

الهوامش :
(1) القصيدة الفائزة بالمركز الرابع بالجائزة التشجيعية في مسابقة الملتقى الأدبي التاسع عشر

حمود الحجري
hadakeh44@hotmail.com

إلى الأعلى