الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية ( 157 ) : أثر القرآن الكريم في اللغة العربية وأصواتها (2/3)

نافذة لغوية ( 157 ) : أثر القرآن الكريم في اللغة العربية وأصواتها (2/3)

الفاصلة بين التناسق الصوتي ورعاية المعنى :
أود هنا ـ بدايةً ـ توضيح ملاحظة تتصل بأدب السلف من صالحي هذه الأمة، حيث أطلقوا على نهايات الآيات القرآنية تسمية (رؤوس الآيات)، تمييزاً لها عن مصطلحات الشعر والنثر، ففي الشعر نقول: صدر البيت وعجزه، وفي النثر نقول بداية الجملة ونهايتها، فبداية الآية عندهم كنهايتها : رأس، أي مستوى من الارتفاع والارتقاء لا ينتهي ولا يهبط أبداً، والوقف عند الرأس يشعر بأن آيات القرآن قمم يرقى القارئ إليها، وكلما مضى في القراءة ازداد رقيّاً، فهو صاعد أبداً، حيث يقال لقارئ القرآن : ( اقرأ وارقِ، فإنّ منزلتك عند آخر آية تقرؤها ).
ومعلوم أن رؤوس الآيات توقيفية، أي كما جاءت بالتلقي عن سيدنا رسول الله “، والملاحظ في رؤوس الآيات التناسب الصوتي الذي يلفت الانتباه وتستريح له الآذان إلى حد يأخذ بالنفس، ولعله كان أحد الأسباب التي جعلت الوليد بن المغيرة يقول بعد سماعه القرآن: ( إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة ). وإذا ما أحببت محاولة الكشف عن الظاهرة بأسلوب علمي، وذلك بتتبع أصوات الحروف والحركات التي تكوّن هذه الفواصل، بهذا التناسق الصوتي المبدع، فإننا نلاحظ التالي :
كثرة ورود الحركات، وبخاصة الطويلة [ حروف المد: الألف والواو، والياء]، بما لها من نغمات منتظمة تسيطر على لحن الكلام، يضاف إلى هذا كثرة ورود الصوامت المتوسطة(النون ـ الميم ـ الراء ـ الواو ـ الياء)، وهي قريبة ـ من الناحية الفيزيائية ـ إلى طبيعة الحركات، التي تسهم في خاصية التنغيم الشجيّ بشكل واضح. يدعم هذا ظواهر صوتية خاصة بالقرآن: المد والغنّة . وكل هذه العناصر الصوتية لا تكون بهذا التناسب الفريد في غير القرآن من فنون الشعر والنثر.
فهل هذا التناسب الصوتي هو من قبيل السجع، حيث يتوالى الكلام المنثور على حرف واحد، ليكتسب النثر ضرباً من الموسيقى والنغم؟ أم هو من قبيل القافية في الشعر؟
والجواب: لا هذا ولا ذاك، فالفاصلة في القرآن ليست على وتيرة واحدة، كما هو الحال في كل من السجع والتقفية، فهي لا تلتزم شيئاً من ذلك، حيث تجري في عدد من آيات القرآن على نمط، ثم يتحول عنه إلى نمط آخر، ومن خلال جريها على نمط واحد، فأغلب ما تقوم عليه هو حرف المد ، ولننظر في الآيات التالية لنرى تحقّق ذلك يقول الله تعالى : ” ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ * أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ ” ق 1-6.
والفاصلة قيمة صوتية ذات وظيفة دلالية، ورعايتها تؤدي إلى تقديم عنصر أو تأخيره، ليس فقط رعاية للتناسق الصوتي، بل رعاية للمعنى أيضاً، وهذا هو الإعجاز. ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى : ” إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ” الفاتحة/5، فإن قلت: لم قدّم العبادة على الاستعانة؟ أجابك اللغويون أصحاب الحس المرهف، وعلى رأسهم أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري (ت538 هـ)، حيث قال في كتابه الكشاف : ” هو من تقديم العلة على المعلول ” ، وقال أبو السعود العمادي (ت982 هـ) في تفسيره إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم : ” هو من باب تقديم الشرف “.
وقوله تعالى : ” وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى ” الليل /13 ، لماذا قدّم الآخرة على الأولى؟ والجواب أن ذلك مرتبط بسياق السورة ومقصدها، فقد قامت السورة لتأكيد سوء العاقبة والإنذار لمن كذّب وأعرض بالتنكيل به في الآخرة، في مقابل الثواب الذي ينتظر من أحسن وتصدّق، فإذا ما تحقق مع هذا المعنى الانسجام الصوتي وتناسب الإيقاع في الفواصل، فذلك لا يتم على هذا الوجه من الكمال في غير هذا النظام القرآني المعجز.
ومن قال بالتقديم لرعاية الفاصلة فقط، فهو قصور عن فهم المعنى المراد، فالتقديم والتأخير يرتبطان بالسياق والمعنى المراد.
أيضاً الترتيب في تقديم الصفات الخاصة بالله تبارك وتعالى، أو الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، مرتبط بالسياق، من ذلك قوله تعالى: ” يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ” سبأ/2 ، وقال تعالى: ” قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ” الحجرات/14 ، فقدم الرحمة في آية سبأ، لأنها منشأ المغفرة. أما الغفور فتقدّم في كل موضع في القرآن ولو فيه إشارة إلى وقوع المعاصي وكفران النعم.

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
استاذ الدراسات اللغوية بكلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@yahoo.com

إلى الأعلى