الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / من وحي السفر : بولجاريا ( 1 )

من وحي السفر : بولجاريا ( 1 )

إن هذه الرحلة التي أقوم بها هي واحدة من إحدى سلاسل الأسفار التي قمت بها إلى سائر أرجاء المعمورة ، كان ذلك عندما قررت السفر إلى بلغاريا وهي بنطقنا المتعارف عليه في بلداننا، فيما نطق أهل البلاد وما جاورهم ليس كما ننطقها نحن فهم ينطقونها (بولجاريا) ، كما إن رحلتي صادفت في الصيف وهي الرحلة التي أعتبرها من أكثر رحلاتي تميزا كونها اخترقت المدن البلغارية بما فيها العاصمة (صوفيا) والتي طارت شهرتها في الآفاق، هذا الإختراق نحو تلك المدن كان عن طريق (الجبال) واصفا إياها بعين الدهشة وهي التي تمتد سلسلتها من بلغاريا إلى تركيا ، كما إن قيامي بهذه الرحلة لم أكن مجرد زائر عابر فقط تبهره الأشياء وتخطف بريقها بصره وإنما أتيتها رحالا ومغامرا وعدت منها ونفسي مبتهجة نحو الحديث عن جغرافية المكان ومسالكها وطبائع أهلها.
كما إني سأورد إلى حضرات القراء الكرام ما كنت أدونه كل مساء على دفتر رحلاتي راغبا في إطلاعهم بما كنت أقوم به بعد ما زادت الرحلة عمقا واتساعا فلا يكاد القاريء يشعر بالضياع وهو يتتبع مراحل الرحلة بعد ما يتنقل من منطقة إلى آخرى ذاكرا في ذلك أهل المدن التي أصلها منها ما بها قوم من المسلمين بعد ما ساجلتهم شاعرا بالامتنان والانسجام معهم.
لذلك في هذه الرحلة رأيتني أشحذ القلم واللسان وأحصره كي أكتب عن هذه الرحلة أولا بأول طيلة فترة إقامتي بين المدن بعد ما باتت الفائدة عظيمة ومضاعفة ومتعة كبيرة بدأ من الطبيعة إلى ملامح المدن وأمواج الناس بأطيافها بعد ما امتلأت بهم الشوارع والساحات. هذه الرحلة دونتها أثناء اغترابي في هذه البلاد، وإذا وفقني الله في وصفي فذلك سيكون عنوان البلاد والله المسؤول أن يهيء لي العودة بسلام إلى الوطن المحبوب، إنه سميع مجيب.

مسار الرحلة:
بدأت رحلتي من مسقط متوجها إلى صوفيا مرورا بإسطنبول تركيا، ومن العاصمة البلغارية ركبت حافلة صغيرة أقلتني إلى تلك الجبال باتجاه ديفين ومنها غادرتها إلى تريجراد عبر ياجودينا ومنها إلى زريبغو، وقبل العودة بأدراجي باتجاه تريجراد ومن ثم إلى فوندي باد توجهت إلى لياسكوفو حتى بلغت أخيرا إلى ميراكيولوس قبل البدء نحو رحلة العودة إلى صوفيا مرورا باسطنبول والعودة إلى أرض الوطن.

بداية كان خروجي في هذا السفر فجر يوم الخميس 19 من يونيو متجها إلى العاصمة البلغارية (صوفيا)، كان ذلك الخروج له موقف مشهود بعد ما نثر الدمع في العيون مثل لؤلؤ منضود حيث طاشت الألباب في وداع الأحباب عند مغادرتي مسقط رأسي إلى بلاد البلغار وهي التي وصلتها عند الليل وهي متقدمة ساعة زمنية عن بلدي.
هذا الوصول كان في ليله باردة حيث لم تكن تشوبها حركة ولا يمكن رؤية أحد في شوارعها وهي ساكنة إلا ما ندر من وسائل النقل بعد ما بدت لي الشوارع في هذا الليل فارغة ومتعبة ، وذلك ربما بسبب تلك الحوانيت التي امتلأت بالسهرات الليلية حتى مطلع الفجر، أما مقر إقامتي كان ذلك في فندق صغير قريب من مركز المدينة حيث قضيت تلك الليلة بأكملها في نوم عميق ، وذلك من جراء تعب رحلة اليوم.
في الصباح نزلت ورأيت عاصمة البلغار تفيض بها من جوانب الشوارع الكبيرة المحال الكبيرة حيث رأيت الحركه التجارية على أشدها بعد ما فتحت معظم المحال الرئيسية أبوابها وهي مليئة بالسلع وإن دل على شيء فهو شكل يدل على رخاء الحركة التجارية عندهم.
إن ما كان يلفت الإنتباه في هذه الشوارع هي كثرة الأرصفة التي تبيع الكتب من خلال مكتبات متنقلة والتي تعرض بزهو مؤلفات كتاب من شتى أصقاع المعمورة من آسيا إلى أفريقيا وغيرها من الكتب تتبع بلدان آخرى ، لكن كان السائد منها التي تتحدث عن الرقيق والإستعمار وحركات التحرر وغيرها، هذا التجوال أتاح لي رؤية البلغار أثناء تنزهي في سائر الأمكنة حيث إن أعمالهم لا تتوقف خلال فترة الظهيرة وهم لا يعيرون فترة القيلولة عندهم أي اهتمام ويومهم يبدأ من الصباح البا كر عند شروق الشمس إلى عند العصر وهم في حركة دائمة في كل يوم جديد.
كما إن سائر محلاتهم تغلق عند الساعة السادسة مساء باستثناء المقاهي ومطاعم الوجبات ، أما في المساء عمدت إلى مطعم صغير يقدم الأطباق البلغارية مع سلطة الطماطم وزيت الزيتون الشهي حيث يمكن رؤية هذه المقاهي والمطاعم بمرتاديها وهم يجلسون على مائدة الطعام بأدواتها وألوانها من رجال ونساء ولولا جمود منظرهم لتخيلت أنهم بذلك يشربون الكحول.
أما في هذه الأمكنة كنت أطلق عناني في المشي بين الشوارع والحدائق العامة والمقاهي والمطاعم التي يرتادها العامة حتى أشعر بإقترابي من هذا العالم بأسراره وخباياه ، كل ذلك بعد ما ألامس وأدرك هذه الأمكنة حتى بلغت إلى شارع (وول ستريت) المدينة ملتقطا العديد من الصور التذكارية.
في هذا التجوال رأيت المباني والطرقات ولوحات الإعلانات بعد ما امتلأت في سائر الأمكنة منها التجارية ومنها إرشادية ترشدك ما الذي يقع عليك أن تفعله وكيف لك أن تكون ، أما الأجمل عندما استرعى انتباهي تلك الإشارات بلوحاتها التي تذكر السالك بأن له مسؤولية تامة من حيث النظافة والهدوء وتصرف أطفاله حتى يضمنوا راحة ساكني المساكن والمباني الأخرى.
هذا المشي أوصلني باتجاه إحدى الفرق الموسيقية حيث يمكن رؤية الموسيقيين يعزفون بآلاتهم في ساحات هذه الشوارع التي امتلأت بالمارة، وذلك بعد ما ارتفع صوت الموسيقى (الفلامنكو) وصرخات مكتومة انبعثت من آلة (الساكسفون) بعدما بدأ شاب في مقتبل عمره يقوم بنفخها حتى تصدر أصواتا كي يطرب الحضور فيما علب هذ الآلات الموسيقية ملقاة على الأرض وهي مفتوحة لا لشيء سوى كي تلتقط تلك النقود المعدنية التي تتساقط من خلال الغادين والرائحين.
إن عاصمة البلغار مدينة تم تخطيطها تخطيطا حسنا ، كما إنه من الصعب على المرء أن يجد سكنا خاليا حيث تبدو عليها مظاهر العمران في كل مكان من شوارعها، هذه الشوارع مكتظة بالبشر ترسل صخبا متواصلا ناجما عن حركة البيع والشراء المستمرة.
كما إن هؤلاء البشر من أهلها ضعيفو البنية الجسدية وأجسامهم هزيلة ونفور عظامهم حتى الكتفين ، والذي يفرق بينهم وبين الزائر والفئات الآخرى هي هذه الأجسام ، كما إنه من الأمور المسلم بها هي رؤية الشبان مع الشابات يتسامرون في بهجة حقيقية موردات الخدود منهن جالسات في أفخم المقاهي والحانات ، وهن جميلات بابتساماتهن ورقتهن وأناقتهن بعد ما باتت تلوح على القوم سمات اللطف والجمال حيث اعتبرتهم سلالة الدوله العثمانية بعد ما نشروا التمدن الشرقي ورفعوا راية الإسلام.
في (صوفيا) يعيش عدد هائل من البشر، يقيمون في نواحيها حيث إن معظم جوانب الحياه سهلة للسائح الذي يقوم بزيارتها ، كما إن تلك التعددية من الأعراق والأجناس ممن يقيمون على أرضها لا تجعلك تحس إنك غريب ومميز عن الآخرين ، ولا يمكن رؤية من ينظر إليك بذلك الإستهجان والإستغراب فأنت واحد من هؤلاء البشر الموجودين على أرضها.
إلى… ديفين :
أما في اليوم التالي بعد ما أسفر الصباح غادرت (صوفيا) بعد ما تركتها تمطر دون إنقطاع في يوم غائم وثقيل متوجها على بركة الله تعالى عبر حافلة صغيرة أقلتني باتجاه منطقة (ديفين) بعد ما تحققت من عين المسمى والتي من خلالها سوف أصلها بعد ما أقطع أربع ساعات من السير في طرق جبلية ، كان ذلك بعون الله تعالى بعد ما يممت المسير باتجاه هاتيك الأودية والجبال وعبر تلال خضراء ووهاد وأنهار جنان حيث السحب تكلل هامات الجبال بينما النسيم ينبعث رقراقا عبر الخمائل المبثوثة إلى أقصى درجة.
كان مسار الطريق ما زال يتجه باتجاه (ديفين) حيث توغلنا باتجاه قرى بسيطة لا تخلو منازلها من زراعة محصول العنب فيما درجات الحرارة بدأت في الإنخفاض بعد ما بدت الأجساد باستشعار ذلك.
هذا السير بات يسير بنا ونحن نجتاز صنوفا من قناطر المياه وصنوفا من ألوان الطبيعة إلى أن بدأنا نلج بإتجاه الطريق الجبلي والذي من خلاله وصلنا إلى جسر عظيم فيه عدد من القناطر حيث يمر منها الماء ويجري من تحت كل قنطرة وهو ينساب كماء البحر ماؤها صاف كالزلال وتحيط بهذه المياه رياض وبساتين وما أدهشني وجود سد مائي وهو سد (فوتشر) والذي توقفنا عنده حيث رأيت المياه والبحيرات الجميلة بعد ما أحاطت بها الجبال من كل جانب وهي تنساب كي تصب في السد مشكلة بحيرة ولا أروع حيث إن هذا الماء المتدفق إلى بحيرة السد ما هو سوى ماء النعيم وفيه شفاء لكل جسم سقيم فيما أقاموا بجانيه نزلا من الغرف ومطعما سياحيا من أراد التوقف والإقامة به ، كما يمكن رؤية الأشجار المختلفة على جانبيه نظرا لضخامتها أضف إلى إنهم استعاضوا بمقربة من الجسر نحو زراعة بعض المحاصيل وغيرها فازداد في ذلك بسطي وإيناسي لرؤية ذلك.
كما رأيت صنوفا من الشجر والزهر والبحيرات البديعة تسبح فيها طيور الماء من كل جانب ، بالإضافة إلى عدد من القوارب بها أناس وهم يدفعونها بالسير بأياديهم بين هاتيك المناظر والفسحات الساحرة ذي المساحات الشاسعة بعد ما استعاضوا من قطع الشجر وجعلوا ذلك أكثر اتساعا كي يحتفلون بالرياضة والألعاب البدنية لفائدتها.
أما خلال السير بالحافلة ومنذ خروجنا من (صوفيا) رأيت طرقهم فسيحة ومرصوفة بإتقان كالحال عندنا وهي تضاهي أحسن شوارع أوروبا تحد بعضها من الجوانب الرياض والبساتين ، حقول عباد الشمس إلى الزهور الصفراء تساير طريق الحافلة ، كنا نمرق على كثير من القرى والأشجار والقنوات النهرية حيث كان الطريق حافلا بالمشاهد الجميلة متمثلا بالبحيرات المائية والأنهار التي تنساب من الجبال بإتجاه بحيرة السد، عندها مررنا بأول نفق ونحن متجهون إلى (ديفين) وأثناء السير مررنا على جسر آخر يخترق أسفله نهر يصب في إحدى البحيرات.
هنا المسار بدأ يسير باتجاه واحد وهو طريق ملتو باتجاه الصعود إلى أعلى الجبل حيث رأيت خلال هذا الإختراق بحيرات السدود من الأعلى بعد ما حجزت بها المياه وهي تنساب من أعالي الجبال وسط مناظر جميلة ولا أروع.

خالد بن سعيد العنقودي
Kld_qudi@hotmail.com

إلى الأعلى