الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تاريخيات

تاريخيات

الخليج العربي .. في مواجهة لندن وباريس وبرلين

الخليج العربي: “الطريق الحيوي” لإمبراطورية الهند البريطانية
تحول الخليج العربي مع “الشركة البريطانية لبلاد الهند الشرقية” إلى أحد مصادر السياسة الإنجليزية الرئيسية. هذه السياسة التي كانت تهدف إلى تأمين المواصلات بين لندن، رأس الإمبراطورية، والهند قلبها، واليوم الذي تقطع فيه إنجلترا عن الهند يكون بلا شك نهاية العظمة الإنجليزية. لذلك سعت إنجلترا إلى التمركز حيث تمر طريق الهند. ومع توسع إمبراطورية الهند، جهدت السياسة الإنجليزية خلال القرن التاسع عشر، لمراقبة كل الممرات الممكنة، ولصد كل محاولات التدخل من قبل القوى الأخرى. هذه الضرورة – للإبقاء على السيطرة البريطانية في الخليج العربي – بقيت شعار سياسة الإمبراطورية الخارجية الدائم. ففي هذا المعنى صرح اللورد لانزداون Lansdown، وزير الخارجية، في خطابه أمام مجلس اللوردات قائلاً: “نحن نعتبرالخليج العربي في المسيرة الإمبراطورية النابوليونية فتح نابوليون بونابرت طريق الهند أمامه بموقفه من الإسلام، وترويجه في الخليج العربي إشاعة احتمال “أسلمته” ومعه فرنسا ، وبتحالفه مع الدولة السعودية الأولى، وتوقيعه على اتفاقية مع بلاد فارس، شكل نابوليون تهديداً مباشراً للزعامة البريطانية حيث نقل ساحة المعركة مع إنجلترا من أوروبا إلى المستعمرات، وقرر شل التجارة الإنجليزية عن طريق قطع طرقاتها البحرية، واحتلال المواقع التي تحميها، فقد كان يحلم بانتزاع إمبراطورية الهند من يد الإنجليز. لذلك كان اجتياح مصر عام 1798م الخطوة الأولى نحو الشرق ولتحويل البحر المتوسط إلى “بحيرة فرنسية”.
في المقابل اعتمدت إنجلترا بغية إغلاق الخليج العربي في وجه القوات البحرية الفرنسية، وللدفاع عن مصالحها التجارية والاستعمارية، على استراتيجية دفاعية – هجومية لتحقيق الأهداف الآتية:.
- احترازاً من المخاطر التي تستهدف الهند، خلال حرب الامبراطورية وخصوصاً مع الحملة الفرنسية على مصر، عقدت إنجلترا عام 1798م مع مسقط معاهدة صداقة موجهة علناً ضد فرنسا النابوليونية. فكانت المعاهدة أول عمل انجليزي من سلسلة نشاطات سياسية كان من نتائجها وضع الإنجليز يدهم على كل الخليج العربي.
- بعد أن وجد الإنجليز في بونابرت منافساً نشطاً، قرروا حماية مصر من كل تهديد فرنسي بغية منع الفرنسيين من السيطرة على البحر الأحمر.
الجدير بالذكر أنه إذا كان تهديد نابوليون للمصالح البريطانية له وزنه، فإن ذكاءه لم يمنع الإنجليز من ترسيخ وجودهم في منطقة الخليج العربي.
الخليج العربي و”القفزة نحو الشرق” Drang Nach Osten
حاولت ألمانيا بدورها بعدما أصبحت قوة كبرى تدعيم سياستها الشرقية نتيجة تقدمها الاقتصادي والصناعي، ولم يعد الطموح الألماني يكتفي بالسيطرة على أوروبا الوسطى مع جزء من البلقان، بل سعت ألمانيا إلى اللحاق بمنافستيها الأوروبيتين، فرنسا وبريطانيا، وفي الواقع فضل الألمان، لتجنب استعمال قناة السويس الخاضعة لإشراف بريطاني، استعمال السكة الحديد للوصول إلى الخليج العربي، وذلك عن طريق التواجد في بلاد ما بين النهرين. فقد بدا للإمبراطور غليوم أن ربط (الباءات الثلاث): برلين، بيزنطية، بغداد بخط سكة حديد يشكل خط مواصلات بري مع الهند والشرق الأقصى. وقد خصصت ألمانيا مصرفين، ( ديتشيه بنك) و(ديسكونتو جيزيلشافت) لتحقيق حلمها الشرقي. وسعت بريطانيا تارة عن طريق التعاون وطوراً عن طريق المعارضة للمشروع إلى تأخير تنفيذ خط سكة الحديد حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى. وهذا المشروع الذي كان سيشكل تهديداً مباشراً للمصالح الإنجليزية في الخليج العربي، سقط مع انهزام ألمانيا في الحرب، وبالتالي إبعادها عن منطقة الخليج العربي.

الخليج العربي والسلم البريطاني:

كانت هناك دوافع متعددة للوجود البريطاني شرقي البحار في وجه القراصنة وتجار الرقيق، وحراسة إحدى أهم طرقات الإمبراطورية باتجاه الهند، ومراقبة الشواطئ الجنوبية لفارس.
وفي الواقع بقيت حماية الخليج العربي من مداخلات القوى الأخرى خلال قرن ونصف القرن حجر الزاوية للسياسة الخارجية الإنجليزية في المنطقة ، وقد دفعت بريطانيا ثمناً باهظاً لترسيخ استقرار الخليج العربي والتالي سيطرتها. فإنجلترا اعتبرت أن كل هجوم ضد وجودها ونفوذها في الخليج العربي في وسعه أن يهدد مصالحها الحيوية. أي أنها كانت مستعدة لتحمل المخاطر والقتال، لأن وجودها بالذات كان موضوع الرهان.
وإذا أبدت بعض القوى الأجنبية الأخرى اهتمامها بالخليج العربي كممر دولي أو كأرض غنية بالنفط، فإنجلترا كانت الدولة الوحيدة التي كان لمصالحها الخليجية قيمة مزدوجة: من السيطرة على طريق الهند سعت أيضاً ان تكون المستفيدة الوحيدة من النفط ، وفي هذا المعنى قال وليام لوس المبعوث البريطاني إلى منطقة الخليج العربي في تقرير نشر عام 1969م: “لقد لاحظنا أن مصالحنا في الخليج الفارسي كانت مرتبطة حتى سنة 1948م بمصالحنا في الهند. ولكن خلال انسحابنا من الهند ارتدى الخليج الفارسي أهمية جديدة بسبب النفط”.
هذا التمركز البريطاني في منطقة الخليج العربي سبقته حملات استكشافية هدفت إلى فتح أسواق جديدة. والحملة الأولى التي أرسلت عام 1806م اتخذت على السواء طابعاً إنسانياً وعلميا ودفاعياً، الدفاع عن المصالح البريطانية عن طريق تأمين حرية المرور، وإلغاء تجارة الرقيق، ودراسة جغرافية مياه الخليج..
وقد سعت عدة حملات أخرى إلى إقامة “السلم البريطاني” في مياه الخليج. بعدما سيطروا على الهند وركزوا مواقعهم وحلوا محل منافسيهم، وأصبح الإنجليز في أواخر القرن التاسع عشر أسياد المنطقة الحقيقيين. ثم لم يتوانوا عن التدخل في الإمارات لممارسة سلطة أمر واقع على شئونها الخارجية والداخلية. مما جعل الإمارات الصغيرة تطلب في نهاية المطاف الحماية البريطانية.

محمد بن حمد الشعيلي
أكاديمي في الجامعة العربية المفتوحة
m-alshuaili@hotmail.com

إلى الأعلى