الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / فضاءات الدهشة لدى مجموعة “ظلال العزلة” لعزيزة الطائية

فضاءات الدهشة لدى مجموعة “ظلال العزلة” لعزيزة الطائية

تقدم الكاتبة الدكتورة عزيزة الطائية إصدارها الجديد في القصة القصيرة جداً بعنوان “ظلال العزلة” عن دار فضاءات للنشر والتوزيع. وهو يُعد اضافة جديدة للمكتبة العمانية والعربية بمجموع (174) قصة قصيرة تمايزت فيما بينها في الطرح والتناول. تفتتح القاصة الطائية مجموعتها بالإهداء وهو المؤسس لفضاءات الدهشة فها هي تقول ” كانوا هناك يلوحون ولا يزالون ينسجون الحلم عند مرافئ الضياع … إليهم وإلى كل الغرباء الذين تدخرهم الأرض في أحشائها … ظلال تتوهج من تشظيات الذاكرة وشتاتها كحكاية من غير بداية ولا نهاية” هذه المجموعة رغم التضمين والدعوة الصريحة من الإهداء بأننا أمام متاهة الظلال وحكايات غير محددة تنسجها بحرفية شديدة كاتبة متمرسة من الدرجة الأولى بتكثيف الصور وطرح الأسئلة على مصراعيها، فالمتلقي مجبر لا محالة أن يقف أمام فضاءات الدهشة التي تضعها كل قصة على حدة وبعضها ينتمي لفصيل واحد كعربات القطار التي تجر بعضها البعض ولكنها بدرجات من الجمال التصويري واللغة الشاعرية والحيرة النفسية وتعدد الأصوات الداخلية والخارجية فلا يوجد خيار آخر أمامك أيها المتلقي سوى إعادة القراءة التي لا محالة هي المفتاح والسر في التواصل مع مائة وأربع وسبعين قصة قصيرة جدا حملتها على ظهرانيها هذه المجموعة.
يقول الكاتب البحريني أيمن جعفر في مجموعة (دفاتر البحر والموت) ” فِرَّ إلى دفاترك وأكتب! فِرّ إلى جهازك وأكتب! فِرّ إلى نفسك وأكتب! فِرّ من كل شيء وأكتب! حسُبكَ كلُّ تلك الحيرة! حسُبك! ” هذه الرسائل كانت شاخصة أمام الطائية وصوتها يؤسس لوعي محتمل وفضاءات من الدهشة مفتوحة تبحث عن شخوص وموضوعات حقيقية في أغلبها باتجاه الواقع أو العالم الخارجي وإن لم تسمها صراحة. والسؤال الرئيس الذي يطرح نفسه في مجموعة ( ظلال العزلة ) ما هي الدهشة التي يمكنها أن توقع المتلقي في المتخيل القصصي؟ هذا ما سنحاول أن نقف عليه في قراءة أولى على هامش المعنى لهذه المجموعة.
دهشة العناوين
تبدأ المجموعة القصصية ذات العنوان المركب من جزءين (ظلال – عزلة) فالأساس الشاهد إما يكون انسانا، أو جمادا، أو حيوانا ولكن اختيار الشكل الهلامي/ الظل هو الاستثناء الذي يصنعه النور في حركة طولية أو عرضية. وتأتي المفردة الثانية (العزلة) لتزيد الحالة الأولى مستوى آخر من الواقع فالعزلة هي الاستثناء والاساس العيش في جماعات بمختلف درجات المخلوقات على وجه الأرض. فدهشة العنوان في اختيار مكون ثان لمفردتين تحملان قيمة مضافة وليست أصلا، وهنا في اعتقادي إن الرسالة المطلوبة من العنوان تفيد بأن ما ستقرأه أيها المتلقي ما هو الا صورة مركبة لواقع متناقض ومتضاد مع ذاته التي أساسها الفطرة السليمة. إن الدوران في كتابة عناوين المجموعة ليقع تشابه بين عنوان القصة الأولى “بداية ظل” وآخر قصة في المجموعة ” نهاية ظل”، فهاتان القصتان حملتا مفردتين مركبتين أما باقي المجموعة وما يقع بينهما عبارة عن مفاتيح لعبارة واحدة مثل : فخ، نسيان، ألم، لوعة، ذئبة، جرح، خنجر… ، وكأن الكاتبة أرادت أن تقول بين البداية والنهاية يكون الميلاد والموت وتقع كل مدهشات الانسان ودرجاته من العزلة.
دهشة المتن
في المجموعة نرصد انتقال المحكي بين محطات تخيلية مختلفة يرسمها الكاتب العليم بين ضمير هي وهو وهما، وكان هناك حظ وافر داخل المجموعة لصورة هي / المرأة ومشاعرها المتدفقة بين الحب ومشاعله والهجر وخصاله. ففي قصة (فراشة) تستنطق الكاتبة صورا تعكس تناثر التمثيلات الذهنية والانكسار النفسي “تحوم الفراشات على غير هدى، وكان مشغولا بصناعة الأمل. مرت الفراشات الملونة على شجرة فارعة الاغصان. لونتها بالأخضر، لكنها نسيت غصنا بعيدا. كان متهما بأن طموحه لا حد له”. وفي قصة (جدار) تقول ” نجد بعد غياب طويل في أعماق المحيطات عاد الى وطنه. وعند نقطة محددة ارتطم حلمه بجدار الواقع شعرت الأرض به. فاحتضنته وقالت. عليك أن تنتبه إلى لون القلوب التي لم يغسلها المطر”. فالحلم هو فارس المعنى ومبتغاه في الواقع، والوطن هو الحضن الدافئ الذي تتوق له الشخصية في هذه القصة وتنكسر أمامه بدهشة واقعية والذي يحصل أن الحلم والأمل يُصدم بجدار الواقع الغريب والمتغير والذي لا تتكسر أمامه المبادئ والقيم السوية للإنسان.
النصوص كانت عبارة عن إشارات مختزلة لقضايا يمكن التمدد فيها بالسرد ولكن نجاح الاختزال في مجموعة القصص القصيرة جدا (ظلال العزلة) يشجع القارئ الذي لا يملك الوقت الكافي والنفس القصير في القراءة بإضاءة نجمة في سماء مخيلته ليسوق بنفسه معاني جراره تقوده اليها كل قصة قصيرة على حده، وتدهشه بكلمات قليلة ” فخ.. التفتت صوب الشارع المحاذي متأملة وجوه المارة، تبحث عن وجه بينهم أحرقها وجده، لم تجده… قالت : كيف وقع الحب في فخ اليأس؟” وفي قصة الحلم ” أعشق النوافذ مشرعة. لعل عصفورا ما يسرقني من داخل السجن” فالتداخل المكثف بالمجموعة يتنقل في خفة خيال الكاتبة عزيزة الطائي بين السردي الذاتي والايقاع الشعري الخصب الذي ما ان تحاول الفكاك منه في جمل حوارية الا ويعود في قصه أخرى لاحقة. فالدهشة لا تأتي مصطنعة لضرورات الكتابة انما تنساق كمجموعة من الطيور المهاجرة التي تنقاد في الفضاء بشكل هندسي مثلث في مجموعات متناغمة وهذا اضافة وملمح خصب في هذه المجموعة القصصية التي تستحق القراءة وإعادتها متى ما تسنى الوقت للقارئ كي يبحر في معاني الحياة وورودها الذي تقطفها لنا كاتبة متمكنة من أدواتها.

د. سعيد محمد السيابي
باحث بجامعة السلطان قابوس

إلى الأعلى