الخميس 21 سبتمبر 2017 م - ٣٠ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ويبلاش .. موسيقى الجنون والعظمة
ويبلاش .. موسيقى الجنون والعظمة

ويبلاش .. موسيقى الجنون والعظمة

تعتبر أساليب التعليم من مكونات المنهج الأساسية، ذلك أن الأهداف التعليمية، والمحتوى الذي يختاره المختصون في المناهج، لا يمكن تقويمهما إلا بواسطة المعلم والأساليب التي يتبعها في تدريسه. لذلك يمكن اعتبار التدريس بمثابة همزة الوصل بين التلميذ ومكونات المنهج. والأسلوب بهذا الشكل يتضمن المواقف التعليمية التي تتم داخل الفصل والتي ينظمها المعلم، والطريقة التي يتبعها، بحيث يجعل هذه المواقف فعالة ومثمرة في الوقت نفسه.
وهناك أسلوبان معتمدان للتعليم في كل مكان، فالأول هو أسلوب التعليم التقليدي، وهو الذي تعلم معظمنا من خلاله في كل المدارس التي ذهبنا اليها، ونادرا ما نصادف معلما لا ينتهج هذا الأسلوب الذي هيمن على كل أنظمة التعليم حول العالم.
ويركز هذا الاسلوب على نظريات التعليم وعلى المنهج الذي يتم تعليمه، ولكنه لا يعير اي اهتمام بالشخص الذي يقدم هذا المنهج للطلبة، ومن هنا أتت تسمية هذا الاسلوب بالتقليدي.
وهو يخضع حتى يومنا هذا لنظريات عتيقة وضعها متخصصون عتيقون قضوا نحبهم منذ زمن طويل، ونحن لا زلنا عالقين خلف قضبان نظرياتهم لاعتقادنا بأنها النظريات الأكثر صحة ومعقولية للتعليم، ولكنها ليست كذلك.
اما الأسلوب الثاني فهو يركز في المقام الأول على زيادة الطاقة الحيوية في الشخص الذي يعرض المنهج الدراسي (المعلم) ليجعله متألقا بشرارات ساحرة ينقلها الى طلابه بطرق ملهمة ومسلية، هذا بالاضافة الى تمكين المعلم للاستفادة من خطط التعليم الحديثة كتكوين المجموعات في الفصل أثناء التدريس لجعل عملية التدريس عملية تشاركية بين جميع الاطراف، ايضا يستند هذا الاسلوب على دفع الطلاب لإدراك حريتهم في اختيار طريقهم في الحياة، وحثهم على الاستكشاف المستمر واستغلال اي فرصة للتعلم.
واليوم نحن بصدد اسلوب جديد، سأتحدث عنه في السطور القادمة ، وهو نادراً ما يتّبعه البعض بسبب خطورته، ولكنه الأكثر فعالية على الاطلاق، وهو ما استخدمه بطل فيلم اليوم الحائز على اوسكار افضل ممثل مساعد ليل 22 فبراير الماضي ، عن دوره كمعلم موسيقى حاد الطبع نجح في الوصول بتلميذه إلى التألق.

ويبلاش (Whiplash) فيلم دراما من تأليف وإخراج داميان شازيل الذي لم يكتف بجائزة الفيلم القصير في مهرجان ” صانداس السينمائي ” مطلع العام الماضي عند عرض شريطه ” ويبلاش” لاول مرة والذي قدم آنذاك كفيلم قصير، حيث حوله شازيل الى فيلم تنافس بقوة هذا العام على اوسكار افضل فيلم ، حيث حَصل على 5 ترشيحات في حفل توزيع جوائز الأوسكار السابع والثمانين، من ضمنها أفضل فيلم وأفضل سيناريو مقتبس .
وعن سبب تقديمه للفيلم مرتين يقول شازيل انه ” عاش تجربة شخصية شبيهة بقصة الفيلم، عندما كان طالباً في جامعة برينستون – نيوجيرسي ، حيث كان مولعاً بالجاز ويريد أن يتعلم العزف على “الدرامز”، الا انه بعد فترة من التمارين اقتنع بأنه ليس موهوباً في الموسيقى، فاتجه الى السينما ” .
ولكني بعد مشاهدة الفيلم لا استطيع ان انكر ان شازيل تحوّل في شريطه الى “مايسترو” فعليا ، حيث نجح في التحكم بكل خيوط الفيلم وبرع في توزيعه أدوار آلاته السينمائية التي عزفت شريطاً استثنائياً بمعالجته المقنعة والمفعمة بالقوة والتوتر والانفعالات، وتصويره مشاهد ضيقة (كاميرا على الكتف تتحرك بسرعة ذهاباً واياباً من آلة ووتر ونوتة موسيقية واصابع مايسترو) نلاحظها عندما يستخدم فليتشر قبضة يده وهو يقبض الهواء بعنف، دلالة على عدم رضائه عن الإيقاع.
الفيلم من بطولة الممثل البارع ” جاي. كي. سيمونز ” في دور المايسترو تيرنس فليتشر ، والذي لم يكن يحظى بذلك اللقب الا بعد ادائه القوي واللافت في الفيلم ، حيث اني لم أميزه عدا انني شاهدته مرة في “Spider Man” بصفته رئيس التحرير الغاضب للصحيفة.
سيمونز استطاع ان يجعلنا لا نركز على احد سواه بمجرد وقوفه في أي مشهد، مع تجسيده المتقن لبورتريه مايسترو مصاب بجنون العظمة.
وبالتأكيد هذا لا يجعلنا نغفل الاشادة بالأداء المميّز ايضا الذي قدمه الممثل الشاب المشارك في بطولة الفيلم ” مايلز تيلر “، الذي اكتشفناه في “The Spectacular Now “. ويقوم اليوم بدور آندرو نيمان الذي يعزف الطبلة منذ الصغر، حيث أثبت أنه ممثل موهوب، إذ جعلنا نعيش معه هوسه بالموسيقى التي تحوّلت حياته، من دونها لا يتنفّس، وكل ضربة عصا على طبلته تشبه خفقة من قلبه.

……………………………..

احداث

ممسكا بأعواد الطبل خاصته، مقرعا على أداته التي لطالما ضحى بالكثير من اجلها ، تبدأ احداث الفيلم ، وسرعان مايأخذنا المخرج في حوار بين آندرو نيمان ، الشاب قارع الطبول “الدرامز ” الموهوب ابن الـ 19 عاماً ، الذي لا ينتمي الى عائلة فنية، لكنه يطمح بأن يكون خليفة ملك الطبول بادي ريتش ، وبين تيرنس فليتشر ، مايسترو اوركسترا الجاز في معهد شايفر الموسيقي المرموق بمانهاتن والذي يبحث باستمرار عن مواهب استثنائية ليضمها الى فريقه، وهو الامر الذي من شأنه يدفع آندرو للالتحاق بأهم معهد موسيقي في اميركا، ومواصلة التدريب يوميا على أمل أن يلفت انتباه فليتشر.
……………………………..

منازلة

بعد مرور بضعة ايام، يتمكن اندرو من تحقيق مبتغاه، وينضم الى صف فليتشر، ولكن انضمامه هذا يتحوّل سيفاً ذا حدّين. وتنقلب الامور لتصبح منازلة شرسة بين بين المعلم والطالب، ففليتشر ليس استاذاً عادياً يكتفي بأداءات جيدة، هو يبحث عن الكمال وعن موهبة خارقة. فهو موسيقي من الطراز الاول، صاحب آذان حساسة للموسيقى لا تقبل الحان خاطئة اذا ما نتجت من احد اعضاء الفرقة، وهو صاحب شخصية غاضبة كثيرة الشتائم وكأنه ضابط جيش يلقن جنوده اقسى انواع التدريبات ليصبحوا رجالا اشداء .
ومن اجل الوصول الى هدفه لا يتردد أبداً في أن يتحوّل الى “هتلر” الموسيقى و”بعبع” الطلاب، بإخضاعه إياهم إلى شتّى انواع العنف المعنوي والضغط النفسي والإذلال اللفظي والتجريح، إيماناً منه بأنها الطريقة الوحيدة لشحنهم بالغضب والإصرار الكفيلين جعلهم يتخطون طاقاتهم للوصول الى الابداع والكمال، وهو ماحدث بالضبط في اليوم الاول لآندرو داخل صف فليتشر.
ينتهج فليتشر أسلوب التعليم بالاستهزاء، وهو الاسلوب الثالث من اساليب التعليم التى أشرت اليه سابقا، وهو الذي لن يجاملك فيه المدرس حتى وان استحققت ذلك، لاعتقاده بأن المجاملة سوف تقتلك وحيدا بعد ان تختنق باغترارك بنفسك وبمجهودك الذي تراه عظيماً، والذي يراه فليتشر مجرد هراء لا يستحق ان يلتفت اليه اذا قورن بمجهودات العظماء من نفس المضمار.

يُصمم آندور على مواصلة إثارة إعجاب فليتشر، فيتدرب إلى أن تنزف يداه ، الى ان يخطوة خطوة جديدة نحو قلب المايسترو، فخلال مسابقة الجاز المحلية، يضيع آندور ورقة المقطوعة الموسيقية الخاصة بتانر(قارع الطبول الرئيسي في الفرقة) بدون عمد، فيحل محله وذلك بسبب قدرته على عزف تلك المقطوعة “ويبلاش” غيبًا امام اللجنة التى تتوجهم بالمركز الاول على مستوى المعاهد الموسيقية المتنافسة.
آندور لا يكتفي بكونه اصبح قارع الطبول الرئيسي في الفرقة، بل يقسو على نفسه ويصل في سرعته أثناء قرع الطبول إلى نحو 300 قرعة في الدقيقة الواحدة، فهو يريد ان يصبح عظيما في مجاله، ويرغب في اثبات ذاته أمام نفسه أولاً، وامام العالم وبالاخص والده الذي لايكترث لطموحاته ، فيخبره انه يفضل الموت صغيرا ومفلسا والعالم يتحدث عنه، عن ان يموت غنيا ولا احد يتذكره، ولهذا ينفصل عن صديقته نيكول لانه يعتقد ان سوف تشتته ،حتى يكرس كامل قواه العقلية والجسدية لموسيقاه.
تمر دقائق الفيلم على هذه الوتيرة من التمارين المرهقة، المنافسات القاسية، الضغوط المذلة التى يصعب احتمالها، وبالتالي أداءات مذهلة ، تنتهي بعزف مبهر لأجمل مقطوعات الجاز “كارافان” والتى تتمرن الفرقة عليها لساعات طويلة حتى يتمكن آندور من إتقانها من بين بدائله، كارل وتانر، ليحصل في النهاية على المركز الرئيسي لقارع الطبول.
وفي طريقه إلى إحدى مسابقات الجاز، تَتعطل حافلته، فيسرع آندرو ويستأجر سيارة، لكنه يصل متأخرا ومن دون العصا فيعود لمكتب تأجير السيارات لإحضارها. لكن في طريق العودة تَصدمه شاحنة ، ويزحف خارج حُطام السيارة ويصل إلى المسرح مصاباً بشدة.
ولكنه لا يتمكن من العزف بشكلٍ جيد، فيطرده فيلتشر من المعهد ، ليقوم آندرو بمهاجمته أمام الجمهور.
بدوره يقوم والد آندرو برفع قضية على فليتشر يتهمه فيها بممارسة الضغط النفسي على ابنه ، خصوصا بعد ان يعرف ان طريقته المخيفة هذه دفعت بأحد طلابه القدامى الى الجنون والانتحار.

……………………………..

تحدٍ أخير

بعد مرور اشهر على الحادث، يلتقي آندرو بمعلمه الذي يفصل من المعهد ، وذلك في مقهى للجاز، فيخبره فليتشر بأنه كان يضغط على طلابه لكي يظهروا افضل مالديهم ويبلغوا العظمة، والتي يبررها برغبته في العثور على عبقري يكون وريث تشارلي باركر ” احد عظماء قرع الطبول ” الذي أصبح عظيماً بعدما سخر منه زملاؤه في إحدى الامسيات حين لم يحسن العزف، فيما يدعوه ليعزف معه في فرقته بحفل ضخم للجاز.
وقبل الخروج على المسرح يخبر فليتشر فريقه انهم على بعد خطوات من الشهرة اذا اثبتوا نجاحهم، وهذا بسبب حضور عملاء من شركات موسيقية كبيرة سوف توقع معهم اذا نال اداؤهم اعجاب الحاضرين.
وعلى خشبة المسرح، ينظر فليتشر بغدر الى آندرو ويخبره أنه يَعلم بأنه هو من شَهِد ضده كانتقامٍ منه .
يقود فليتشر الفرقة لعزف مقطوعة جديدة لم يُعط آندرو الأوراق الموسيقية لها ، فيُغادر إندرو المسرح خجلا بعد أن أفسد المقطوعة، لكنه يعود ويبدأ بعزف “كارافان”، مقاطعا فيلتشر أثناء مُخاطبته الجمهور، كتحد له وسرعان ما ينضم باقي الفرقة لآندرو ومن ثَم فليتشر.
يُنهي آندرو المقطوعة بعزف فردي ” ادريناليني “مُطول، وقبل إنتهائه بلحظات يومئ له فليتشرالذي يصل الى اقصى درجات النشوة والانفعال، إيماءةً تدل على رِضاه وإقراره بموهبته العظيمة.

“ويبلاش” ليس فيلماً عن الموسيقى بقدر ما هو عن الصمود الجسدي، وصمود الإنسان نفسه أمام جبروت الموهبة المتفجرة من الداخل. حيث يتمحور حول فكرة الوصول الى العظمة وتحقيق الذات والإبهار.
يستحق المشاهدة بتأمل وهدوء. انه ككنز مدفون وسط الكم الهائل من الافلام العادية التي هدفها التسلية ليس اكثر. اما فلمنا هذا فهدفه ليس التسلية فقط، وانما أكثر.
الجدير بالذكر ان اسم الفيلم مستمدّ من اسم مقطوعة شهيرة من موسيقى الجاز.

رؤية : طارق علي سرحان
Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى