الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / السياسة / فلسطين خيارات الدولة الواحدة.. (ديمقراطية) أم (ثنائة القومية)

فلسطين خيارات الدولة الواحدة.. (ديمقراطية) أم (ثنائة القومية)

(الحلقة الأولى)
انسداد التسوية .. وتحركات إسرائيل (الأحادية) تقضي على (حل الدوليتن) وتحول الخيارات الفلسطينية

ـــــــــ
مقدمة:
تعالت الأصوات الفلسطينية المطالبة بالذهاب الى خيار الدولة الواحد ولكن الخلاف الفلسطيني يظل حول ماهية الدولة ما بين، دولة علمانية ديمقراطية، او اخرى ثنائية القومية، وارتكن اصحاب هذه الرؤية الى ان إسرائيل اضاعت جدوى الحديث عن حل الدولين، من خلال التنكر للحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وأهمها حق العودة للاجئين الفلسطينيين، كذلك فرض (الحقائق) التي تصنعها إسرائيل على الأرض في جعل إقامة الدولة الفلسطينية الموعودة أمرا في غاية الصعوبة، مثل السعار الاستيطاني وجدار الفصل العنصري ، ومصادرة الأراضي الفلسطينية، مما يحول الدولة الفلسطينية الى مجرد كانتونات فلسطينة بالضفة، تبقى تحت رحمة دولة الاحتلال بما يتضمنه ذلك من افتقاد حقيقي للسيادة الفعلية لهذه الدولة مستقبلا، مما يجعلها بالمعنى الفعلي أقرب إلى الحكم الذاتي، ويظل الرهان على القرارات الأممية نوعا من الاحلام خصوصا مع دعم واشنطن المطلق لإسرائيل في مجلس الامن، مما جعل ويجعل هذه القرارات دائما مع ايقاف التنفيذ، مما يجعل التحرك الفلسطيني مرهون برغبات واشنطن المتضامنة مع إسرائيل. لذا تحاول الدراسة التي سننشرها على عدة حلقات وبحيادية مطلقة رصد قابلية حل الدولة الواحدة بخياراته (ديمقراطية ـ ثنائية القومية) مع اعترافنا بحقيقة بديهية تقضي بأن جوهر التناقض مع إسرائيل هو تناقض رئيسي، تناحري… بالتالي فهو ليس مرهونا بشروط قد تصل إليها الدولة الإسرائيلية، لأن مشروعها من الأساس تم بناؤه على اغتصاب الأرض وتشريد أهلها واقتلاع شعبها من وطنه، وقائم على استمرارية العدوان، والتأسيس لتطويره مستقبلا.

ـــــــــــــــــــــــــــ

الدولة الديموقراطية العلمانية الواحدة، أو الأخرى ثنائية القومية، هما الخياران، اللذان بدأ الحديث عنهما مؤخرا، باعتبار كلٍّ منهما قد يشكل حلا للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي على المدى التاريخي، وذلك على ضوء وصول التسوية بين الفلسطينيين وإسرائيل إلى نهاية مسدودة تماما… بسبب من التعنت الإسرائيلي، والتنكر للحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وفي المقدمة منها: حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وبسبب من (الحقائق) التي تصنعها إسرائيل على الأرض في جعل إقامة الدولة الفلسطينية الموعودة أمرا في غاية الصعوبة، ذلك من خلال رؤيتها بأن الحل الدائم سيبقي على خمس تجمعات استيطانية كبيرة في الضفة الغربية تتبع لإسرائيل، وبسبب من بنائها لجدار الفصل العنصري، والذي وإضافة إلى مصادرته للكثير من الأراضي الفلسطينية، فإنه يحول الضفة العربية إلى كانتونات معزولة، ليس بينها من رابط، إضافة إلى الانقطاع الجغرافي ما بين الضفة الغربية وغزة، مما يشي باستحالة كون الدولة الفلسطينية المنتظرة… قابلة للحياة… مما يعني عودة الصراع إلى مربعه الأول.
من زاوية ثانية، فبرغم كل قرارات الشرعية الدولية، التي أصدرتها الأمم المتحدة، والتي كفلت بعضا من الحقوق الوطنية الفلسطينية، إن بعد عام 1948 (وما قبله)، أو بعد عام 1967، حينما قامت إسرائيل باحتلال الضفة الغربية وغزة، وأراضٍ عربية أخرى، فإن الدولة الصهيونية ما زالت تتنكر لكل هذه القرارات، بما فيها، حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني على كامل الأراضي التي جرى احتلالها في يونيو 1967، مما يعني فرض الرؤية الإسرائيلية للحل الدائم مع الفلسطينين، بما يتضمنه ذلك من افتقاد حقيقي للسيادة الفعلية لهذه الدولة مستقبلا، مما يجعلها بالمعنى الفعلي أقرب إلى الحكم الذاتي منها إلى الدولة (المقامة) على مساحة صغيرة جدا من كامل الأرض الفلسطينية، وهذا الذي لن يقبل به الشعب الفلسطيني بأي حالٍ من الأحوال… وهذا يعني استحالة أن يكون الحل الإسرائيلي تسويةً عادلة.. وهو أيضا ما يعيد الصراع إلى مربعه الأول، إن بافتقاده لعناصر العدالة الضرورية لأية تسوية بين فريقين متصارعين تاريخيا، أو من خلال ارتهان هذه الدولة في الكثير من أمور حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفوق كل شيء السيادية، بإسرائيل، التي سيكون لها حق الإشراف وحق التدخل الفعلي في كافة القرارات للدولة الفلسطينية، تحت تهديد الحصار الإسرائيلي لها وإقفال كل معابرها متى تشاء، وفي الحالات الاضطرارية قد تقوم بإدخال قواتها المتواجدة في مناطق معينة من أراضي هذه الدولة في الوقت الذي تراه مناسبا لحسم ما تعتبره تهديدا لأمنه .. وما أكثر ما تعتبره تهديدات لأمنها!.
على الجانب الآخر… وعلى ضوء إفشال إسرائيل لاتفاقيات أوسلو، التي للأسف، وبالرغم من تحويلها المرجعية الحقوقية الفلسطينية، من الاستناد للقرارات الدولية إلى مرجعية اتفاقيات هزيلة!، أبقت على جوهر قضايا الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، مثل قضايا اللاجئين والقدس، وإقامة الدولة على كامل الأراضي المحتلة في عام 67، وسحب المستوطنات وغيرها، إلى ما سُمي بمحادثات الوضع النهائي، في ظل وضوح إسرائيل كامل في المواقف تجاهها، تمثّل في سلسلة من اللاءات لكل هذه المواضيع والتنكر المطلق لها، لهذا، فإن النظرة الإسرائيلية للاتفاقيات التي توقعها الدولة تنطلق من جملة المصالح الإسرائيلية، فالاتفاقيات إذن (ليست مقدسة) مثلما سبق وان أعلن اسحق رابين، والمواعيد أيضا (ليست مقدسة) مثلما أعلن شمعون بيريز، ومن بعده باراك، وهي أيضا (قابلة للموت) مثلما أعلن وفاتها شارون، الذي ضرب بكل بنود أوسلو عرض الحائط، وأعاد احتلال الضفة الغربية وغزة.
على صعيد المراهنة على الضغوطات الدولية التي تُمارس على إسرائيل، في ظل الميل الواضح في موازين القوى العسكرية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي لصالح إسرائيل بالكامل… فإن المواقف الدولية لا تخرج عن الإطار الإسرائيلي للتسوية، إن بالنسبة لخارطة الطريق التي اقترحتها الولايات المتحدة للحل، أو بالنسبة لمواقف اللجنة الرباعية (وليس صعبا الاستنتاج، بأن الولايات المتحدة هي العامل المقرر فيها) فهي ليست بعيدة عن الإطار الإسرائيلي في عناصر الحل، وقد جرى ترجمة ذلك في مسألتين:
الأولى: رسالة الضمانات الأميركية الاستراتيجية التي أرسلها الرئيس بوش إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق شارون، والتي أعلنها من على منبر مؤتمر هرتسيليا في عام 2004، والتي تتماهى بالكامل مع اللاءات الإسرائيلية.
الثانية: هو الموقف الدولي من نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية، التي أسفرت عن فوز حركة حماس (في حينه) وتشكيلها للحكومة، فقد تبنى المجتمع الدولي الموقف الإسرائيلي من هذه الانتخابات ومن الحكومة، والذي تمثل بفرض حصار ليس على هذه الحكومة، وإنما على مجمل الشعب الفلسطيني، حيث بدا الأمر، وكأنه معاقبة للشعب على خياره الديموقراطي.
إسرائيل وبعد أن رأت انسداد أفاق التسوية بالكامل، نتيجة لاستحالة قبول أي طرف فلسطيني بما تطرحه من حلول، حاولت فرض الحل من جانب واحد، وهو ما مارسه شارون في قطاع غزة في عام 2005 من خلال ما أسماه: الفصل مع الفلسطينيين في القطاع من جانب واحد، في ظل السيطرة الإسرائيلية على المعابر الحدودية، وعلى الحدود، وإبقاء القوات الإسرائيلية على مرمى حجر من غزة ورفح ومدن القطاع الأخرى، حيث جعلت منه سجنا حقيقيا، تتدخل عسكريا فيه، وتغلق أبوابه في الوقت الذي تشاء.
خطة الفصل هذه، مرشحة للانتقال والتطبيق في الضفة الغربية، وفق ما أعلنه مرارا، رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق: أيهود أولمرت… وبذلك يجري فرض الحل الإسرائيلي تماما.
على الصعيد العربي: فإن الدول العربية تبنت مبادرة للسلام مع إسرائيل في قمة بيروت جوهرها: اعتراف عربي رسمي بالكامل بإسرائيل وتبادل التمثيل الدبلوماسي معها وإقامة علاقات في كافة المجالات معها، مقابل اعترافها بالحقوق الفلسطينية وموافقتها على إقامة دولة فلسطينية على كامل الأراضي المحتلة في عام 1967، وانسحابها من هضبة الجولان العربية السورية،واحالة حق عودة اللاجئين للمباحثات والتوافق بين الجانبين ! لكن إسرائيل رفضت بالكامل هذه المبادرة، وطالبت بإقامة علاقات مع العرب دون ثمن.
شعبيا، فإن تنظيمات فلسطينية عديدة وغالبية شعبية عربية كثيرة، ما زالت ترى في إسرائيل كيانا غريبا ودخيلا، يتوجب إزالته، واستعادة فلسطين كاملةً من النهر إلى البحر. هذه النظرة تتقاطع مع وجهة نظر في غالبية ألأوساط الشعبية الفلسطينية الكثيرة أيضا، ومع وجهات نظر لتنظيمات فلسطينية رئيسية. وفي هذه الحالة، ولو وجدت أطراف فلسطينية قابلة للتسوية مع إسرائيل (حتى في إطار القرارات الدولية والحقوق التاريخية)، فإن أوساطا فلسطينية وعربية أخرى ستظل تنظر للصراع باعتباره ما يزال قائما، لأن فلسطين تعتبر من وجهة نظرها (وقفا إسلاميا) لا يجوز لطرف التصرف فيه بعيدا عن موافقة المجموع، مما يدلل على أن التسوية التاريخية المطروحة، والتي تحمل بين طياتها عناصر مساومة بين إسرائيل والفلسطينيين لن تكون مقبولة في أوساط كثيرة، وهذا بدوره يدلل أيضا على استحالة الفصل بين الخاص الوطني الفلسطيني والعام القومي العربي، والعالم الإسلامي أيضا: وإن بدا على المدى الزمني القريب المنظور هامشية وضعف العاملين الأخيرين، وبالتالي مدى تأثيرهما في الصراع، القابل للتمدد والذهاب بعيدا، والتقلص أيضا وفقا للظروف التاريخية، القابلة للتغير في المراحل المختلفة، وبالتالي من الصعب تجاهلها. الذي نود التأكيد عليه: أن العامل الإسرائيلي في المنطقة العربية، شعبيا، سوف لن يكون محكوما فقط بتحقيق التسوية العادلة مع الفلسطينيين، وإنما في مجمل النظرة الشعبية العربية لدولة إسرائيل آنيا ومستقبلا، رغم أن تحقيق التسوية العادلة (وهي مسألة نسبية) مع الفلسطينيين سيساهم بنسبة ما (كبيرة أو صغيرة) في القبول العربي لدولة إسرائيل، وذلك مرهون بالزمن، وبانعتاق إسرائيل من صهيونيتها ويهوديتها وعدوانيتها… إلى آخره.
أمام هذا المشهد البانورامى الواسع، تفتقت أذهان الكثيرين من الفلسطينيين والإسرائيليين (بشكل أقل) عن فكرة مقترح الدولة الديموقراطية العلمانية الواحدة، أو الدولة الثنائية القومية، وهما بالضرورة يحملان مضمونين مختلفين شكلا وجوهرا (وسنتطرق إلى ذلك لاحقا).

د. فايز رشيد
كاتب فلسطيني

إلى الأعلى