الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إشراقات عمانية

إشراقات عمانية

سعود بن علي الحارثي

ثامنا: الأودية
” هناك أكثر من ( 572 ) واديا تجري متدفقة هادرة, هابطة عند نزول الأمطار من نحو ( 56 ) جبلا, تمتد من رأس مسندم في الشمال إلى رأس الحد وجبال القرى في الجنوب الغربي .. كلها تجري إلى ما لا يقل عن ( 1682 ) قرية مأهولة بالسكان ثم تواصل جريانها حتى تشربها الأرض وتغور في باطن الصحارى والواحات , وتحمل أسماء عزيزة وحبيبة في نفوس العمانيين…”
ـــــــــــــــــــــــ

شكلت الأودية مكونا أساسيا في حياة العمانيين وارتبطت بكل عنصر من عناصر هذه الحياة, فبسبب سلسلة الجبال الغربي والشرقي الكثيفة والشامخة والتي أخذت مساحات واسعة من الأرض وامتدت من غرب البلاد إلى شرقها ومن جنوبها إلى شمالها باستثناء المساحات التي يتشكل جزأها الأكبر من الصحارى والرمال , فإن معظم الحواضر والمدن والقرى العمانية ذات الكثافة السكانية إما أنها تحيط بها الجبال أو أقيمت على سفوحها أو في قممها العالية مشكلة واحاتها الخضراء مناظر طبيعية خلابة ( من أين تتدفق وديان عمان ؟ هذه الوديان السيلية المتدفقة. هناك أكثر من ( 572 ) واديا تجري متدفقة هادرة, هابطة عند نزول الأمطار من نحو ( 56 ) جبلا, تمتد من رأس مسندم في الشمال إلى رأس الحد وجبال القرى في الجنوب الغربي .. كلها تجري إلى ما لا يقل عن ( 1682 ) قرية مأهولة بالسكان ثم تواصل جريانها حتى تشربها الأرض وتغور في باطن الصحارى والواحات , وتحمل أسماء عزيزة وحبيبة في نفوس العمانيين وادي الكبير _ ودي حلفين _ وضيقة وبهلا وسمائل … )) . وقد ارتبطت الأودية أو تشكلت بفضل تلك الجبال التي تلقي بشلالاتها المخيفة أثناء سقوط الأمطار الغزيرة في بطون تلك الأودية التي تشكلت هي كذلك وتهيأت وتلاقت وتداخلت وتطورت إلى أن ظهرت بالتكوينات التي نراها عبر سلسلة من المراحل الزمنية السحيقة , وكانت تلك الجبال ونسب الأمطار المتساقطة وحركة البشر والعمران عوامل رئيسية لذلك التطور والتغير الذي ظهرت عليه الأودية بشكلها الحالي والتي أطلق عليها العمانيون صغيرها وكبيرها تسميات مختلفة تحمل دون شك دلالات ومعاني ارتبطت بتلك الفترات وهي مما يستحق البحث والتنقيب لإظهار تلك المعاني والدلالات . لقد ساعدت مجاري الأودية في اختيار مواقع وأماكن الإقامة في الأيام الأولى للاستقرار في المناطق العمانية لما تتمتع به من مميزات متعددة من بينها توفر المياه الجارية لفترات بعد الأمطار الغزيرة , لما تشكله من تغذية أساسية للأفلاج والآبار والمياه الجوفية بشكل عام , ولأنها تشكل حماية للقرى والمدن التي أقيمت على ضفافها أو بالقرب منهـا , لجمالها الطبيعي وأشجارها الوارفة شكلت متنفسا طبيعيا للناس والحيوانات على السواء . ترسم الأودية المنسابة مياهها , الغزيرة والمتدفقة بين الجبال الشاهقة المحيطة بمجاريها , والقرى والواحات الخضراء المتناثرة في ضفافها , مشاهد غاية في الجمال والروعة والإبداع خاصة أثناء الأمطار وجريانها وما بعد ذلك , حيث تنساب الشلالات من قمم الجبال وتجري المياه متدفقة في مجاريها الطبيعية وتضيف مزارع ونخيل الواحات التي غسلها المطر عنصرا ثالثا لذلك الجمال الاستثنائي والمشهد البكر وعناصره المتجانسة والمتكاملة التي تقدمها الطبيعة العمانية والذي لن يجده العماني إلا في وطنه, ولو أخذنا مثالا واحدا لأودية عمان فإن مجرى الوادي الرئيسي الذي يفصل شرق مدينة (فنجاء) عن غربها, له شهرة كبيرة من حيث اتساعه وعمقه, وغزارة مياهه الجارية طوال العام أثناء مواسم الخصب, وعدد روافده, وقربه من محافظة مسقط ولما يشكله من متنفس طبيعي لسكانها , ولأنه يصب في مدينة السيب وتسبب في غرقها أكثر من مرة في مراحل تاريخية بعينها, فبعد أكثر من نقطة التقاء تصبح عشرات الأودية ومئات الشعاب قد اجتمع شملها على مدخل هذه المدينة مشكلة مسارا مشتركا رسمته يد الطبيعة وخططته المياه المتدفقة عبر العهود الغابرة بما يتوافق مع مستوياتها ومناسيبها وبحيث لا تفيض عن مستوى الضفتين إلا في أيام الفيضانات الاستثنائية, وهو ما نقلته وأكدته صفحات التاريخ وأفاض به الرواة في بلادنا المصنفة ضمن حـزام المناطق الجافـة, (( مشكلة )) واديا مهيبا يدخل في النفس الرهبة والخوف عندما يكون في أوج قوته واندفاعه لا يعرف الوهن والتردد, فمن أعلى الجسر في الطريق الرئيسي الذي يربط مسقط بعدد من المحافظات تكون الصورة خلال الجريان الغزير لهذا الوادي مهيبة ومخيفة في آن , حيث الأمواج الهادرة تتلاعب بمئات الأجسام الصلبة والثقيلة من مخلفات الأشجار والنخيل والخزانات وغيرها كما تتلاعب الريح بقصاصات الورق, ويكون لسان حال المتابعين في تساؤل عن حال مدينتي الخوض والسيب عندما يغمرهما هذا الكم الهائل من المياه, والتصور المتخيل لمناسيب المياه المتصاعدة في حالة تواصل الأمطار بنفس المستوى لساعات أو معاودتها الكرة مرة أخرى وربطها بالنتائج الكارثية التي ستحدث خاصة في أيامنا الراهنة وبعد أن عبثت يد التخطيط بمسار الأودية ولم يرأف المخططون بحال الناس الذين تتحول سعادتهم بالأمطار إلى ألم وحزن, ولم يقدر الذين رسموا مسار الشوارع بأن الفتحات التي خصصوها لتصريف مياه الأودية بالكاد تحتمل مياه شعبة عادية فكيف لها أن تستوعب المياه المتدفقة من قمم الجبل الأخضر وما جاورها من جبال شاهقة تتداخل مع السلسلة الممتدة حتى ولايتي بهلاء والحمراء , والمحاذية للقمم المغذية لأودية المنطقة الداخلية التي تصب في بحر العرب. (( وادي بني رواحة )) الذي يشق مدينة سمائـل متجها إلـى بلدة ((سرور)) ليلتقي ب((وادي العق)) المحاذية جباله العالية لولاية المضيبي, والذي لا يقل شأنا في علو قممه وعدد روافده ومنسوب مياهه, ولا في همته ونشاطه واندفاعه عن زميله, ومن بلدة سرور إلى قلب ولاية بدبد مرورا بنقطة التجمع في فنجاء يجتمعان بزملاء كثر انطلق بعضها من جبال مشرقية على حدود ولاية الطائيين (( واديا منصح ونداب )) وأخـرى مغربية (( واديا الجيلة والفرفارة)), ومن الصعب حصر مجمل الأودية التي تصب في مجرى الوادي الرئيسي, فأنى لواد هذا شأنه من حيث عدد المنابع والروافد والمسارات التي تغذيها شلالات هادرة تنطلق من سلسلة جبلية عملاقة أن تستوعب مياهه بضع فتحات ومسارات لم يراع المخططون في تصميمها مناسيب المياه على حقيقتها وصورها المعهودة والمعروفة عند كبار السن الذين خبروا الأودية وعاصروا أفعالها واستقوا الدروس من غدر مياهها الهادرة , في زمن لم تزاحم فيه على مساراتها شوارع ولا مخططات سكنية أو تجارية ولا منشآت صناعية , ومن أراد أن يستزيد مما ورد في التاريخ العماني عن أفعال هذا الوادي وغيره من الأودية, فعليه العودة إلى ما سجله الإمام نور الدين السالمي في تحفته التاريخية الجزء الأول الصفحة 163 حيث يذكر أنه وفي (( سنة إحدى وخمسين ومائتين, كان بصحار وبعمان السيل الكثير, وانهدم دور كثير ومات فيه ناس كثير, وأغرق السيل عامة عمان, وبلغ الماء مواضع لم يبلغها قبل ذلك فيما بلغنا … نزل أمر فظيع عجيب في بدبد والباطنة وسمائل ودماء وصحار أمر عظيم جليل … فجاءهم دوي وظلمة وهول مفظع وأمر مطلع … واستهلت السماء فأدفقت عليهم من الماء فبينما هم كذلك في شدة من الغرق وخوف من الفرق ومنهم من أيقن بالمنية والحتف إذ جاءتهم السيول فأحدقت بهم وغرقت النساء والرجال, فغرق الرجل وعياله وتخرب منزله وماله فأصبحوا في ليلة واحدة أصواتهم خامدة ومنازلهم هامدة … وخربت المواضع والعمران حتى أنه ليمر بها الإنسان فتأخذه لمنظرها رهبة …) , وقد ذكر الشيخ السالمي بأن الناس لم يتعرفوا على أملاكهم في ولاية سمائل إلا من خلال الأطلال وبقايا النخيل التي خلفتها الأمطار (( وعرفت نخلة صنها من سمائل, وقد قيست الأموال عليها …)), وقد أوردت كتب التاريخ قصصا مماثلة لأعاصير وفيضانات شهدتها عمان خلال العهود السابقة, وورد الكثير من تلك الأخبار في وثائق الرحالة الغربيين والمقيمين في فترات عمل. أورد كتاب النمير رسالة مفصلة عن وادي ضيقة للشيخ العلامة محمد بن شامس البطاشي، رأيت من المناسب استقطاع جزء منها لأضمها إلى هذا العنوان ليطلع القارئ على علم أولئك الآباء وخبرتهم ببلادهم وتقديم صورة موجزة عن تلكم الأودية, يقـول:(( ينحـدر وادي ضيقة من (الجرداء) التي هي كالسطح لعمان لأن منها تنحدر جملة اودية منها: (وادي عندام)المشهور فإنه ينحدر من (الجرداء) ويصب في البحر الجنوبي. ومنها : وادي ( العق ) ينحدر من شمال (الجرداء)، ويمر بوادي (العق)و(سرور) ويلتقي بوادي (سمائل) في (سرور) ثم ينصب في بلدة (السيب) ومنها: وادي(منصح) ينحدر من شمال (الجرداء) الشرقي، ويمر ببلدان همدان، ويلتقي بوادي (العق) ووادي(سمائل) في بدبد. ينحدر وادي (ضيقة) من موضع من (الجرداء) بأعالي بلدة (بعد) يسمى (مقاحيم العبد، ويسمى هناك وادي (حم) ووادي (الضوب) ينحدر إلى بلدة (بعد) ثم يلتقي بواد يأتي من (نجد الواسط) من بلاد همدان يسمى هذا الوادي وادي (الحبة) رأسه (نجد الواسط) فمن الوادي إلى جهة الشمال وادي (منصح) الذي قدمنا ذكره، ومن النجد إلى الجنوب وادي (الرحبة) التي يلتقي مع وادي (حم) ببلدة (نقصي) من بلاد همدان، ثم ينحدر الواديان من هناك، ويسمى المجموع (الوادي الكبير) إلى بلدة (مس) فيلتقي به واد يأتي من جهة الجنوب يسمى وادي (قعبت) ثم ينحدر إلى بلده (مزبر) ثم إلى بلدة (غياضة). وهناك تنصب فيه اودية وشراج وأودية من (الجبل الأبيض الكبير)، ومن (الحلاة) منها وادي(الريحاني)وأودية أخر ، ثم ينحدر إلى بلدة (البديعة) وبلدة( البسل) وهناك ينصب فيه وادي (عمدة)، ثم ينحدر إلى بلدان بني عرابة، وهناك ينصب في وادي (تماة) ووادي (الحمام) ثم ينحدر إلى بلدة(إحدى)، وهناك ينصب فيه وادي (العجف). وهذه كلها أودية كبيرة، ثم ينحدر إلى بلدة (عقدا) وبلدة(السيوح) وبلدة (عجما) وهناك ينصب في وادي (عجما)، وهذه الأودية من الجبل الكبير ، ثم إلى بلدة (الغيان) وهناك يلتقي بوادي (دما)، وهذا الوادي من الأودية الفحول ينحدر وادي (دما) من أعالي بلدة (الحاجر) من موضع يسمى (هاويت)، ويسانده واد آخر من جهة الشمال يسمى وادي (سويطة). ينحدر هذا الوادي . وادي دما . بين بلدان (دما) وتسانده أودية عظيمة منها وادي (ناح) ووادي (حباب) بعد ان يقطع بلدة (دما) العامرة بالأفلاج والبلدان أعلاها (الحاجر) ثم (عوف) ثم (القطيفي) ثم ( الغمصية) ثم (القرية) (فالحصن) (فالحيل) ثم (القفصة) (فحارة) (فسموط) ثم (صومحان) . وتتخلل هذه البلدان أودية تنصب في (الوادي الكبير) من الجانبين ثم ينحدر الوادي حتى يلتقي بوادي (المسفاة) وبلدة (الغبيرة) ثم ينحدر إلى بلدة (محلاح) فإلى (الغيان)و(السيدافي) وهناك يلتقي (بالوادي الكبير)، ثم ينحدر إلى بلدة (الركاكية ) حيث يلتقي بوادي (وشغ) الجائي من جهة الجنوب . وهذا الوادي أيضاً من الأودية العظيمة يقال : إنه يشتمل على سبعين وادياً يفصل رأس هذا الوادي بين وادي (الطائيين) وبلدان الحرث والمساكرة ، ثم يلتقي (بالوادي الكبير) أعلا بلدة (الكراكية) ثم ينحدر هابطاً حيث تلتقي به أودية تنصب فيه من الجبل الكبير منهـا وادي (الساقـة) ووادي(بو هبان) في بلـدة ( سوط)، وتساندها أودية من جهة الجنوب من (الحلاة) ثم ينحدر الوادي إلى أن يصل بلدة (غبرة الطام) والطام: هو الوادي، وهناك يلتقي بوادي (خبة) المسمى (الوادي الشرقي) … واستمر الشيخ في عدة صفحات يتحدث عن روافد وأودية وادي ضيقة بذات الأسلوب .. وهو واد من آلآف الأودية العمانية .. وتابع تواريخ الفيضانات التي سببها هذا الوادي في ولايتي الطائيين وقريات , فمن من الباحثين والأكاديميين ومن في الجيل الجديد يعرف كل تلك الأسماء الكثيفة والغريبة ومواقعها من القرى والمدن والجبال والأودية وهذه المواقع لا تتعدى منطقة محدودة من مناطق عمان الواسعة ؟ . لقد ظلت الأودية العمانية لغزا للكثير من المخططين والمنفذين والمهندسين الذين ارتكبوا الكثير من الأخطاء في الاستيلاء على مساراتها والبناء عليها , وفي اختيار وتخطيط المناطق السكنية واقامة المشاريع الحكومية التي تعرضت لاختبارات قاسية أثناء الأنواء المناخية ومواسم الأمطار الغزيرة التي شهدتها السلطنة , والتي لم يتفاجأ بها كبار السن وأصحاب الخبرة المطلعين على منابع ومسارات وروافد الأودية وصنيعها وما خلفته من خراب وأضرار واسعة على القرى والمدن والحقول الزراعية عند فيضانها والذين كانت لهم ملاحظاتهم الوجيهة ورؤيتهم السديدة وتحذيراتهم المتكررة من الاعتداء على مسارات الأودية وعدم الاحتراز والتنبه لمجاريها وعواقب سوء التخطيط والتي لم يؤبه لها حينها للأسف الشديد , وهي اعتداءات وتجاوزات ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا . saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى