الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الثقافة والبناء بعد فساد وإفساد

الثقافة والبناء بعد فساد وإفساد

علي عقلة عرسان

الفئات والدويلات والجيوش المتطرفة وما يستطيبه البعض في هذا الباب من تسميات، تلك التي ترهب وترعب في الظلام أو في رأد الضحى، وتقتتل أو تقتل في الميادين العسكرية والأمنية أو في السجون والمعتقلات وفي الأقبية والأماكن المخصصة للاختطاف والتعذيب والاغتصاب، سواء أكانت تلك في بلادنا التي تعاني من شرور ذلك الوضع أو في أية بقعة من أرض الله الواسعة، ولا تحكمها إلا قوة البطش وشهوة القتل ولغة الموت، ولا يشغلها إلا هاجس الانتصار بأي ثمن على من تسميه العدو أو الخصم أو.. أو.. هي فئات لا تكاد تنفصم عراها عن مراجع عاجزة عن سبر غور المنابع والمصادر العقائدية والروحية والثقافية العذبة الماء العميقة الغور، روحيًّا وإنسانيًّا وأخلاقيًّا وحضاريًّا، تلك المنابع والمصادر التي تفيض بقيم رفيعة وتفتح آفاقًا فكرية واجتماعية وإنسانية رحبة وثرية ومغُنِيَة لمن يفقه ما فيها من معطيات فتتمثلها أنفس وقلوب وتمتح منها عقول، فتنتفع بها وتسمو بسبب منها وترتفع فتترفَّع عن الصغائر وتضيف إلى الإنساني بعدًا وقيمة من دون أن تنقص منه شيئًا.. وتلك الفئات على هذه الدرجة من الغيبوبة عن عالم القيم أو مغيبة عنه لأنها في الأصل عاجزة ربما عن الفهم السليم والاستيعاب التام والاستنتاج المنطقي، وربما لأنها متخلفة التكوين المعرفي أصلًا ولا تملك من الملكات والإمكانيات المؤهلة للفقه والاستنباط والحكم والاحتكام ما يكفي لذلك النوع من الفهم والإبداع في التطبيق.. ولا تكاد تختلف كثيرًا عن الميليشيات المقاتلة في الميادين الثقافية ـ السياسية لا سيما على أرضيات أيديولوجية، تلك التي تصدر عن جهل وغوغائية وغطرسة و”عصموية” تزيد بما لا يضاهى عما لدى الفئة الأولى من تلك “الكنوز”، وهذه الأخيرة في بطشها المستند إلى “ادعاء فكري” تفسد الكثير من القيم والمعارف والعلوم ووجوه الإبداع الحق والسلوك الحسن الذي تنتجه ثقافة تستحق اسمها، فضلًا عن أنها تزري بالثقافة الجادة ومقوماتها الرئيسة، وتفسد مجتمعات وتضعها في الغفلة والتخلف مع وهم مهيمن باليقظة والتقدم؟!
وفي هذا المجال “الميليشياوي” على الخصوص تتطاول قامات “المفكر الدغمائي ـ الغوغائي” لتطاول الثريا وهو تحت الثرى، ويصدر عنها نوع من الأداء الثقافي لا مثيل له في السطحية والاستلاب ولا لأصحابه في الدغمائية والادعاء اللتين تنتجان أو تتصلان عضويًّا بغباء عميم وعقم مقيم ونظر سفيم، سواء أخفي هذا “الكنز الهائل؟!” عن تلك الأوساط وسواها أم ظهر!!.. وحين ترفع تلك الأوساط فلاسفة ومفكرين وفقهاء ومثقفين وساسة ومنظرين وقادة رأي، تراها في تيه وعَمَهٍ، وتراهم غارقين إلى ما فوق آذانهم في السفسطة والادعاء الفارغ والتطرف الأعمى، وينتج عن ذلك أنهم يدخلون الفكر والثقافة في القحط، وينحدرون بما يسمونه فلسفة وفكرًا إلى درجات مخلة بالعقل المنفتح والضمير السليم والتكوين البشري المعافى، فتسقط بذلك فتاوى واجتهادات وتسقط ثقافة وتربية هي عماد الثقافة ونتائجها، وتسقط أيضًا أوساط اجتماعية متلقية لذلك الزاد أو محاصرة به وبمن ينتجه ممن يصدرون عن سطحية وغوغائية أو تطرف، ويصبح أفراد تلك الفئات والميليشيات التي طوَّبت “فقهاء ومفكرين وفلاسفة ومثقفين” من ذلك النوع ممن يصدق فيهم القول: “حبك الشيء يُعمي ويُصِم”، ويصبحون هم أهل الثقافة ومنتجيها ومستهلكيها، ويتمترسون في مواقع دينية وثقافية وإعلامية وسياسية واجتماعية، ويحمي كل فريق منهم ظهر فريقه، ويتظاهرون على الآخرين بقصد منهم أو من دون قصد، ويتنافرون ويتعاركون فيما بينهم بشدة وبمقدار ما تسوقهم الغطرسة وادعاء المصداقية والعصمة إلى التطرف والتصرف الخارج عن العادل والحقاني والإنساني والبناء المحرر للإرادة والعقل من قيود الظلم والاستبداد والظلام، لأنهم بفعلهم ذلك يضاعفون العتمة ويزيدون الليل بُهمةً.. ويأخذون بالتنافر والتعارك والتقاتل وبالشتم والقذف والتشويه والتشهير، مستبيحين المحظورات: عقليًّا وقانونيًّا وخلقيًّا، باسم ادعاء باطل وتفسير منهم لمعنى حرية التفكير والتعبير قاصر وجائر.. وبذلك يثيرون رعب من تعني لهم الثقافة الحقة سلمًا وأمنًا وحياة مستقرة منتجة للتقدم والإبداع بإبداع، ولمن تشكل المعرفة لهم مستنبتًا للمواقف الإنسانية السامية، ومعطى حضاريًّا يحيي الحضارة ويغنيها.. وهم أيضًا، بتصرفاتهم التي يمليها الجهل، يتركون من تعني الثقافة لديهم: “حياة وفهمًا عميقًا للحاة، وتعمقًا في المعرفة ونهلًا منها، وتجسيدًا للأخلاق وتمكينًا لها في السلوك، وإناءً للعلم وعملًا به، وقبولًا للآخر وشراكة له في القرار والمصير والشرط الإنساني”.. يتركون أولئك في دهشة وحيرة وانكفاء يسميه المتنطعون منهم تخاذلًا، لأن المثقف الحق والعارف المتيقن والعالم المتمكن ومن في حكمهم، لا يرضى أن يوضع في موقع ومكان غير الموقع والمكان اللذين يؤهله لهما رأيه وفكره وعلمه وإنتاجه ومنهجيته وموضوعيته وكفاءته وسلوكه..إلخ، وهكذا في ذلك المناخ الذي يصنعه المتفيهقون والمتنطعون والمتطرفون والمدعون والانتهازيون يتوارى عن ميادين الثقافة والمعرفة والعلم والإنتاج من لا يرضى أن يضع نفسه في مواقع يقررها الجهلة والمتطرفون والغوغاء، ومن يتحكمون في من يكونون في تلك المواقع.. ومن هنا يبدأ الخطو بانحدار نحو سقوط الثقافة الجادة البناءة والفقه المحيي للشرع والدين والروح والناس، ويبدأ الانهيار شيئًا فشيئًا وصولًا إلى الهوة السحيقة التي تفصل الثقافة والشرع عن العدل والحرية والحق والبناء والناس، وتفصل الناس عن ذلك الذي يحيي الروح ويبني الإنسان ويعطي معنى للحياة، وفي هذه البيئة يتراجع العلم وتنحسر المعرفة ويضمحل أداء العقل ويتخدر الضمير ويُستلب الإيمان الحق، وينكفئ أهل ذلك كله حفاظًا منهم على أنفسهم وكرامتهم وعلى ما يملكون من قيمة ومعرفة ودينٍ وخلق وموقف ورأي، لأن دخولهم ميدان عراك من هذا النوع، مع فئات غوغائية متطرفة تستبيح الآخر وما ملك وتبرع في القمع والتشويه والإجرام والمسافهة.. يحتاج إلى تكوين مغاير لتكوينهم المعرفي والروحي والسلوكي والخلُقي، وهم، وأقصد الجاد والمبدئي والصادق والمعتد بنفسه منهم، لا يرضون لأنفسهم دخول معترك المسافهة أصلًا، لأنهم أيًّا كان نظيرهم في ذلك مغلوبون.. ولأن ذاك ميدان لا يليق بهم دخوله من جهة، ويحتاج إلى أهله وإلى أشكال من الانحلال والفساد واستطابة الشر وما يجلبه الشر ويسفر عنه من جهة أخرى.. وهو ميدان قادرين على الافتراء، وعلى تشويه من يدخل معهم في خلاف أو حتى في حوار، لأنهم يستبيحون كل وسيلة لبلوغ غاياتهم بما في ذلك الكذب والوشاية واستعداء من يناصرهم في حربهم على أي نحو وبأي ثمن!؟.. ومن يملك عقلًا راجحًا وقلبًا سليمًا وبصيرة نافذة لا يدخل تلك المداخل لأنه لا يقبل تلك الأساليب بَلْهَ أن يجيدها!!
ويبلغ هذا الوضع المأساوي في مجتمع وشعب وبلدٍ حد الداهية الدهياء حين تَرفع تلك الفئات والميليشيات الغوغائية “مثقفين وساسة ومناضلين” من نوعها، وانتهازيين من صنعها، وموالين لها ومستثمرين في نهجها.. ترفعهم إلى مواقع المسؤولية العليا قيادة وسيادة، أو تزرعهم في ذلك المحيط المؤثر في الخيار وصنع القرار، لكي تضمن سيطرة على الموقع والقرار وتتحكم بالتوجه والخيار وتقرر وتنفذ ما يحميها وما يخدمها ويمولها ويفعِّلها وينميها، وترسم ما ترى أنه يرتفع بنظرها إلى مرتبة البنَّاء والمحرّر و”العلمي الذي لا يداخل صحته شك”، والمنقذ والمفيد والوطني والإنساني.. إلخ من قرارات وسياسات وخيارات وممارسات، فتخطط وتنفذ.. وحين تتحكم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بمصير شعب ووطن من خلال حكم أو ادعاء بأهلية وشعبوية ترقى إلى المنازعة على الحكم، والسيطرة على مصائر خلق من خلال نُظُمٍ وتنظيمات وأنظمة وتشريعات وفتاوى وعصبويات. وحين تتراجع الثقافة الجادة البناءة المستندة إلى معرفة وإيمان وخلق وانتماء إلى آخر ما يمكن أن يسمى مواقع مؤثرة ومجدية، على يدي ساسة هم ميليشيات غوغائية أو غوغاء هم ساسة ميليشياوية.. حين ذاك كله أو بعضه يُلغى دور الثقافة بمعناها الحق الجاد المثر المنقذ، ويحجم بل يكاد يلغى دور المثقفين الأصليين الأصلاء المنتمين بصدق وخلق إلى تربة ثقافة قومية وحضارة إنسانية، المقتدرين على العمل والإنتاج والإبداع بعلم وكفاءة وفهم.. ويتراجع العقلُ، وتغرق الحكمة في أوحال الدغمة، ويصبح الشعب بلا منارات رأي وفوانيس تساعد على الرؤية، ويزور له رأي ليس رأيه، وقرار ليس قراره، وخيار ليس خياره.. ويتراجع دور التربية والعقيدة اللتين تدخلان في صلب الثقافة وجوهرها حسب تعريف الثقافة بمعناها الشامل المتبنى من المنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم “اليونيسكو” في مؤتمرها بالمكسيك.. يتراجع دور الثقافة في تكوين الإنسان ورفع الرموز الإنسانية والقومية والوطنية قدوة حقيقية مقنعة ومؤثرة، ويتأثر تكوين الضمير الجمعي، والحس الوطني، والبعد الإنساني والأخلاقي في السلوك والتعامل والعمل والإنتاج، وتتأثر بذلك كله المجتمعات والشعوب والبلدان، وتنتشر في النسيج البشري والتجمع البشري حالات غريبة عجيبة، يصبح فيها الادعاء شريكًا في المكانة للبغاء ويتوالدان توائم من ذلك النوع، ويتسيَّد الانتهاز والاستزلام بصورة مزرية بالكرامة والحرية إلى درجة يضاعف معها المهازلَ البلهاء والأغباء..
ويعني تضافر ذلك كله، في تفس بشرية أو في بيئة اجتماعية أو روحية أو ثقافية، يعني بؤسًا وإفلاسًا في التكوين البشري السليم ومقوماته، وفي الحكم الرشيد ومستنداته الفقهية والدستورية والقانونية، وفي العلم المنقذ وجدواه من خلال الأخذ به والتطبيق النافع له، وفي الثقافة التي من مهامها تشكل جسور تواصل بناءة بين الشعوب والدول والأمم تلغي الجهل بالمعرفة فتؤسس التعاون والسلم والاعتماد المتبادل بين الشعوب القائم على ركائز ثابتة من المعرفة والثقة.. وينحط ذلك الوضع بكثير من الفئات البشرية إلى درك التخلف والانحلال وانعدام المسؤولية مما يؤدي إلى الانحطاط والوحشية في الصراعات والممارسات والأساليب.. فتنتشر من جراء ذلك الفوضى والجريمة وأشكال الإرهاب والعدوان والرعب والنهب والسلب، وينعدم الأمن والسلم، ويصبح الناس البسطاء الأبرياء، ويصبح الأطفال والنساء من بين الناس كافة نهبًا للخوف والجوع والتشرد، ويقع الكافة بين قاتل وقاتل في النتيجة، بصرف النظر عن السبب والأسلوب والوسيلة.. فالرعب رعب، والقتل قتل، والموت موت.
أقارب هذا الموضوع اليوم، وفي الحلق أكوازٌ من الصبار لا يكفي معها الكلام عن غصة وحسرة، لما آل إليه أمر الناس والقيم والحياة البشرية والعقيدة والأبعاد الروحية، وحال الأحكام على الأفعال والسياسات والعلاقات والحكام والمعارضات.. ونتائج العنف الدامي والدمار المتمادي في بلادي على الخصوص وفي كثير من الأقطار العربية والبلدان الإسلامية التي ينبغي أن تكون ثقافتها واحدة موحِّدة منقذة وبناءة، ومرشدة إلى الرشيد من الرأي والحكم والسياسات والعلاقات والممارسات، لما لها من تاريخ عريق، ولما فيها من ثوابت وإرث وقيم، ولما نضج وأُنضج في بوتقتها من معطيات هُوية تحملها باعتزاز لما فيها من مقومات صمدت على الدهر لمحن الدهر.. وأقاربه في تطلع منى لأن أرى من يضجون بالكلام عن دور الثقافة في إصلاح ما دُمر على مستوى الأنفس والأخلاق وبنية المجتمع والشخصية والهوية والوطن والقومية العربية، بسبب العدوان والحرب والتطرف والعنف الدامي والإرهاب المستشري والسياسات بما لها وما عليها.. أقاربه في تطلع إلى أن ينظر المعنيون بالأمر من وجوهه كافة إلى الثقافة وأمر إصلاحها والاستثمار فيها، بموضوعية وعلمية ومنهجية وانتماء أصيل إلى الأمة والحقاني والعادل والكفؤ والوطني الحق والقومي الذي لا يمكن أن يكون بلا رؤية متكاملة وطنيًّا وقوميًّا، ليروا إلى ما أصاب الثقافة في الدار وما أصاب الدار وأهلها بسبب من ثقافة سيطرت عليها غوغائية متطرفة ترى جهلها علمًا وولاءها لغير الوطن وطنية، وميليشات ونخرت الكثير من سلامة الثقافة وعافيتها وما زالت تتربع على “عروشها”، وتدعي فتُصدق، وتلفق فيؤخذ تلفيقها آيات منزلات لا يداخلها الشك بَلْه الباطل؟! وأن تقوم بمراجعة واعية مسؤولة وشجاعة، تتم على منهج متبصر منفتح يغيب عنه التشنج والتطرف والغوغاء والادعاء.. وأن ترى بجدية أن هذا الشأن الثقافي هو مدخل من مداخل أصلاح الأنفس والمجتمعات والبلد الذي لن يعمره إلا أهله: بوعي معرفي عميق، وانتماء وطني ـ قومي صادق، تقيمه وترعاه وتعمقه ثقافة معافاة وسياسة ثقافية راشدة، بعد ما شاب الثقافة من فساد وما تسببت به من إفساد.. وعي مسؤول ولا ينخره أو يداخله ادعاء عريض بثقافة تعرشها وتتربع فوق عرائشها ميليشيات غوغائة وغوغاء ميليشياوية، خربت في الثقافة والوطن ما خربت وشوهت من الأحكام على الثقافة والمنتجين في حقلها ما شوهت لتبقى في الساح بأسلحة الفساد والإفساد.

إلى الأعلى