الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: “قاتل .. ارحل”!!

باختصار: “قاتل .. ارحل”!!

زهير ماجد

صرخ المتظاهر في وجه وزير الخارجية الأميركي جون كيري “قاتل .. ارحل” .. كلمتان تلخصان صورة دولة ليست حديثة بهما ولن تكون كذلك في مستقبل البشرية، كما أنه ليس اكتشافا لدور دولة عظمى، بقدر ما هو تصوير حي لواقعها العالمي.
كانوا في السابق يقولون إذا أمطرت في موسكو، فشيوعيو العالم العربي يحملون الشماسي حتى لو كانت أجواؤهم صحوا .. اليوم نقول إن كل قضايا العالم العربي كيفما تقلبت تتحمل الولايات المتحدة المتحدة مسؤوليتها .. فإذا ما أسقط الإرهاب حممه في سوريا على سبيل المثال على بلاد الشام أن تحمي نفسها من أميركا، ذلك الإرهاب بات مرضا أميركيا تم اختراعه لسبب ثم استبدل بسبب آخر مكانه العرب تحديدا والعالم الإسلامي بالذات.
لا أعرف مشاعر كيري وهو يواجه المتظاهر الذي نهره بهذه الطريقة الاستفزازية، هل استفز فعلا أم أن طنين سطوته على العالم قد رنت دفعة واحدة؟ أم أنه تلقى المسألة بعقل بارد؟ وهو الحال الذي تعلمه من خلال مدارسهم الدبلوماسية التي تتلو عليهم دائما كيفية مقاربة الحالات المشابهة لما حصل معه.
لكني حتى لو لم ألتقِ بكيري وأصافحه وأحاوره، فأكاد أعرف شخصه عن بعد، وأعرف أيضا كيف يفهم العالم الآخر .. أن عنصر الإفراط في القوة يجعل صاحبه أمام مشكلة دوره مع العالم الذي أمامه دائما في ثوب ضعيف. لا وجود لقوي أمام أميركا، فكيف على أبرز مسؤوليها أن يتصرف مع الآخرين .. كان وزير الدفاع الأميركي رامسفيلد يسمي أوروبا بالقارة العجوز .. حتى هذه الأوروبا التي هي متقدمة على كل عالم آخر صارت عجوزا بالنسبة للأميركي المتقدم إلى حد الوحشية المطلقة في ثوب ملائكي.
من هنا أعتقد أن كلمة المتظاهر نزلت بردا وسلاما على كيري العليم بسطوة بلاده على الكرة الأرضية، التي تتمدد اليوم باتجاه أوراسيا، وتدفع رجلا خبيرا مثل كيسنجر للقول بأن مستقبل روسيا سيكون شبيها بما هو عليه الوضع في أوكرانيا.
الاعتقاد الراسخ اليوم أن الأميركي ذا اليد الطويلة التي تحوط العالم، يقوم بترتيب مناطق نفوذه الأخرى دون تأخير وبسرعة زائدة. لن يسمح لقوى مهما كانت قوتها الاقتصادية كالصين وروسيا المستقبلية أن تبزه في المستقبل وأن تصبح مرجعية كبرى تفوق مرجعيته الأرضية. هو مستنفر اليوم لضبط الكرة الأرضية كلها من خلال ضبط أوضاع أوكرانيا التي يعتبرها الروس حصان طروادة إذا ما حقق الغرب مفاعيله فيها.
قصارى القول، إن الأميركي الذي يبدي انشغاله بمسألة ما إنما يضع عينه الأخرى على أمكنة أخرى .. لهذا لم يكن مفاجئا أن تكال لكيري الاتهامات بأنه قاتل، حتى هذه الكلمة متواضعة أمام حقيقة الأميركي الذي يلعب في كل مكان، وخياراته الدائمة هرس الضعيف ومنع قيام قوي، وبالتالي اختراع أزمات له قبل أن يصبح قويا أو معافى على الأقل.
مسكينة منطقتنا العربية التي يحكمها الأميركي بفجاجته المعروفة، ويكاد عبر الفاكس أحيانا القيام بهذا الحكم. أحد المسؤولين العرب النافذين أجاب صحافيا عربيا تساءل حول حركة لافتة قام بها المسؤول تنم عن تبعية مفرطة، فرد على الصحافي بالقول “لا تعجب إذا ما أخبرتك أننا أُخذنا بالسوط”!..
نهر المتظاهر كيري إذن أن “ارحل .. قاتل” .. هو إن رحل فظلاله باقية .. لكننا ما زلنا نقرأ إلى اليوم وسنظل عن سقوط الامبراطورية الرومانية، ثم لنرجع قليلا إلى ما كتبه اشبنغلر في كتابه الشهير حول سقوط الغرب.

إلى الأعلى