الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / أساطير تنهار والعالم يجدد خياراته

أساطير تنهار والعالم يجدد خياراته

قضى الانهيار الأخير لأسعار النفط على عدة اساطير صنعتها تجارته وتأثر بها الاقتصاد العالمي على مدى عقود طويلة، فالأسطورة الأولى كانت تؤكد ان منظمة الدول المصدرة للبترول (اوبك) هي دائما من تصنع الفارق باسعاره، وتتحكم تلقائيا بأسعاره هبوطا وارتفاعا، وبرغم ان المنظمة لاتزال هي المنتج الاكبر، الا ان التخمة التي تعرضت لها الاسواق جعلت من خيار خفض سقف الانتاج لاوبك، غير جذاب، خصوصا وان تجربة 1980 لاتزال ماثلة في الاذهان حيث تخلت بعض دول اوبك في سبيل الحفاظ على السعر على جزء من حصتها السوقية مما افقدها اياها الى الابد، وفي عالم يموج بخطط التنمية، فان اصحاب الحصة السوقية يسعون الى الحفاظ عليها خصوصا ان دولا مثل الجزائر ونيجيريا تسعى دائما لزيادة حصتها السوقية، كما ان دولا اخرى مثل العراق وليبيا لاتزال خارج سيطرة الحصة.
ولعل تمسك روسيا بحصتها دون خفض هو اكبر دليل على ذلك، فبلغة الارقام فان روسيا هي الخاسر الاكبر في انهيار اسعار النفط، حيث تشكل عائدات النفط 45 في المئة من ميزانية الحكومة، ولو ان خفض الانتاج سيجدي لكانت موسكو اول الفاعلين، ولكن كما قلنا مسبقا فإن التخمة التي اوجدتها اميركا في الانتاج النفطي، لن يجدي معها سياسة خفض الانتاج خصوصا وان دولا متعددة تسعى لملء اي خفض في الحصة في المستقبل القريب.
الأسطورة الثانية التي قضى عليها الانهيار الأخير ، هي ان انخفاض الاسعار سيدعم الدول المستهلكة وسيقضي على المنتجين، وبرغم أن الأبواق الاميركية خرجت علينا منذ بداية الأزمة تتحدث عن فوائد الانخفاض على الدول المستهلكة، والاضرار الجمة التي قد تلحق بمنتجي النفط ، متجاهلين حقائق اوجدها عقد على الاقل من الارتفاع المتواصل لأسعاره، قد أوجدت صناديق سيادية مهولة عند معظم منتجيه كدول الخليج وروسيا، ولعل تعافي الروبل الذي شكل انهياره ذروة الازمة الروسية وعودته الى الارتفاع منذ بداية فبراير المنصرم، لهو اكبر دليل على فشل تلك الاسطور، ولعل إدراك روسيا المبكر لأزمتها جعلها تخطو نحو شراكات لا مركزية فى علاقاتها التجارية والاقتصادية فى العالم وادراكها أن الأزمة مع الغرب قد تطول وهو ما استدعى إيجاد أسواق ومصادر بديلة له فى العالم النامى سواء فى دول جوارها ( أميركا الجنوبية) أو فى الشرق الأوسط وأفريقيا فيما اتكأت ايران على ميزة فرضها عليها الحصار الاقتصادي، وهي الاكتفاء الذاتي، فيما جعلت الازمة دول الخليج تتجه نحو تنويع الاقتصاد، متلحفة باحتياطيات نقدية وقطاعات مصرفية قوية، لتخرج من القفص الزجاجي التي أريد لها أن تسجن فيه وهو الاعتماد على النفط.
وعلى النقيض نجد ان الصين خفضت هدف النمو الاقتصادي بنحو 7 في المائة في العام 2015, وهي نسبة تعتبر أقل من الهدف البالغ 7.5 في المائة في العام 2014 حسب تقرير عمل الحكومة ألقاه رئيس مجلس الدولة الصيني لي كه تشيانج ويعتبر هدف النمو للعام 2015 أيضاً، أقل من معدل النمو الاقتصادي بـ 7.4 في المائة المسجل في عام 2014، وأضعف توسع سنوي منذ العام 1990.
وخلال السنوات الـ 35 الماضية بين عامي 1978 و2013 اقترب متوسط النمو السنوي للاقتصاد الصيني من 10 في المائة، ولكن “الأيام الجيدة القديمة” لا بد لها من نهاية، وذلك مع تباطؤ النمو إلى 7.7 في المائة خلال عامي 2012 و2013 ، مما يشكل نهاية لاسطورة المنتجين والمصدرين مع العلم ان الصين هي اكبر مستهلكي العالم للنفط.
الاسطورة الثالثة هي تلك القائلة بان اميركا وحدها هي من تقود اقتصاد العالم وان اي هزة اقتصادية في واشنطن ستهوى بالاقتصاد العالمي، وان لواشنطن وحدها منذ الكساد العظيم في عشرينيات القرن الماضي مرورا بالازمات الاقتصادية التي خلفتها الحرب العالمية الثانية وصولا لأزمة الرهن العقاري في 2008 حق قيادة العالم، وتصدير أزمتها الداخلية وطريقها الاقتصادي الرأسمالي المتغول ودلل اصحاب هذه الاسطورة بالانهيار الروسي والتراجع الصيني والركود الاوروبي بعد انهيار اسعار النفط، فيما انتعشت الخزانة الاميركية متبوعة بتقارير تتحدث عن نموا حقيقيا في الاقتصاد الأميركي يرجح تحرك الاحتياطي الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة قبل اجتماع سبتمبر القادم أو خلاله، الا ان اصحاب هذا الرأى تغافلوا بشكل عمدي اننا في عالم تتعدد اقطابه سياسيا واقتصاديا، وان ما تفعله اميركا اقتصاديا سيعود برده على اقتصادها قريبا، خصوصا مع تنامي التوجه المعتقد بان الارتباط بسياسات واشنطن الاقتصادية لا يعود بالخير فحتى حلفاء اميركا ككوريا الجنوبية خفضت احتياطيها من الدولار متجهة نحو اليوان الصيني، فيما أبرمت روسيا والصين عدة اتفاقات لرفع مستوى المبادلات التجارية، مستخدمتين في ذلك عملتيهما الروبل واليوان، وهو ما اعتبره مراقبون واقتصاديون بمثابة توجيه ضربة قاضية للدولار الأميركي المنتشي. كما تزايدت التكهنات بأن تنضم الدول الأخرى في مجموعة (بريكس) التي تضم إلى جانب روسيا والصين، كلا من (البرازيل والهند وجنوب أفريقيا)، إلى الحلف الروسي الصيني. خصوصا مع توجه الدولتين الكبيرتين لانشاء صناديق تمول المشاريع التنموية لها ولحلفائها بعيدا عن صندوق النقد الدولي التي تسيطر عليه اميركا وحلفاؤها الغربيون فمثلا عقدت الصين مع 20 دولة اسيوية اتفاقا بانشاء صندوق للاستثمار في مجال التنمية أعقبها صندوق مماثل مع مجموعة البريكس، الخلاصة ان اساطير العشرية الاولى من الالفية الثانية تنهار بالتوالي، فلتستعد كل الدول للقادم، من خلال استقلالية اقتصادية بعيدا عن المغامرات الرأسمالية الاميركية المتوحشة، فاميركا عالجت ازمة الافلاس والانهيار وارتفاع سقف الدين على طموحات تنموية لدول تصارع من أجل اثبات الذات.

ابراهيم بدوي
من أسرة تحرير الوطن

إلى الأعلى