الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / قضايا / ست وخمسون سنة على وحدة مصر وسوريا: لاحل لأزمات العرب سوى الوحدة
ست وخمسون سنة على وحدة مصر وسوريا:  لاحل لأزمات العرب سوى الوحدة

ست وخمسون سنة على وحدة مصر وسوريا: لاحل لأزمات العرب سوى الوحدة

رؤية ـ زهير ماجد:
كم بكت عيون وهي تودع وحدة مصر وسوريا التي اعتبرت اول اختبار وحدوي في العصر الحديث .. وكم صدحت أقلام لترثي تلك الوحدة التي لم تعمر طويلا لكنها شاءت أن تقف في وجه المحال المفروض عليها.
لم يكن قد تم اكتشاف الممنوعات المفروضة على العرب وخصوصا الوحدة، والاستقلال الكامل الناجز وعدم التبعية وكذلك القدرة الذاتية في الانتاج الوطني، احيانا تكتشف الفكرة بعد تنفيذها، ولذلك حوربت الوحدة منذ قيامها، شعرت اسرائيل أولا بأنها امام خطر حقيقي يلتف عليها من الشمال والجنوب وربما من اماكن اخرى لاحقة، وشعرت الولايات المتحدة ان مصر وسوريا سلكتا الطريق الممنوع والخطر في آن معا. وعندما حصل انقلاب عبد الكريم قاسم في العراق، يوليو 1958، اي بعد قيام الوحدة بشهور قليلة، ردت الولايات المتحدة بانزال قواتها العسكرية على الشواطيء اللبنانية تحسبا لمخاطر ان يكون الانقلاب مقدمة في الانضمام الى الوحدة السورية المصرية.
مازلت اتذكر عام 1961 وتحديدا في سبتمبر منه، حين كنت طفلا يشتري بعض الاغراض من منطقة تدعى ” المعرض ” في بيروت والتي تسمى اليوم سوليدير، كيف كان الجو الشعبي يومها حزينا مكتئبا وكثير من الناس تتجمع عند باب مكتبة تبيع الصحف، وكانت بعض الصحف اللبنانية تصدر ظهرا مثل ” لسان الحال ” التي عنونت عن الانفصال في سورية. لم افهم معنى الحدث بحذافيره، لكني عرفته لاحقا فانطوت في نفسي حادثة كم تمنيت لو ان الوحدة استمرت، خصوصا وان زعيمها آنذاك كان جمال عبد الناصر.
عاشت الوحدة ثلاث سنوات تقريبا، منذ الأول من فبراير 1958 الى السابع والعشرين من سبتمبر .. كانت تجربة اكتشاف الذات الوحدوية، بل اكتشاف القدرة على الانصهار بين شعبين مصري وسوري، وحين سميت بالجمهورية العربية المتحدة فقد كانت عنوانا لانضمام أقطار أخرى إليها، وكل العرب في تلك الفترة كانوا وحدويين، رغم ان بعضهم حاربها خوفا منها، وخوفا من ان تبتلعه فيخسر كرسيه وكيانه السياسي ليذوب في المجموع، بل كان الخوف آنذاك من شخصية عبد الناصر الكاريزمية التي لم يكن ليقف في وجهها أحد.
ثلاث سنوات كانت كفيلة بكشف الأخطاء التي وقعت، فليس بين العرب تجربة وحدوية كي تكون معلما لهم يستفيدون من خبراتها، ولم يكن العرب ليفكرون اصلا في بعث ما كانوا عليه في مراحل سابقة كي تتقدم تلك الفكرة على ماعداها.
ورغم الأخطاء التي وقعت خلال السنوات الثلاث في وحدة اندماجية ذاب فيها الشعبان المصري والسوري الى حد التمازج والانصهار الكامل، فانها قدمت لوحة رائعة من جمالية الاحتشاد الجماهيري الذي واكبها وعاش آمالها، ونام وصحا على تجربتها الفذة .. حتى ان زيارات عبد الناصر الى المحافظات السورية كانت بمثابة يوم من ايام العمر، فقد كان من الصعوبة لمكان ان يتمكن من الترجل في مدن لك المحافظات الا بصعوبة فائقة نظرا للحشود الشعبية، وذات زيارة له حاول العبور في شوارع دمشق بسيارته الانيقة السوداء المكشوفة فواجه مشكلة الازدحام الهائل الذي منعه من الحركة الى قصر الضيافة، فكان ان قطعت السيارة امتارا قليلة خلال ساعات، وفي ذلك اليوم المشهود هجمت الناس على سيارة الرئيس وقامت بحملها رغم وزنها الكبير وهو بداخلها يلوح لهم كعادته.
كم أغاظت تلك المشاهد اعداء الوحدة، وكم ساهمت في تسريع عملية الانفصال، بل قيل ان العمل عليه بدأ منذ لحظة التوقيع على الوحدة بين الرئيسين السوري شكري القوتلي والرئيس المصري جمال عبد الناصر ..
لقد ابتعد هذا المشهد الوحدوي عن السمع والبصر والتذكر ايضا، صار في ماض سحيق لايريد احد استرجاعه سوى بقايا من عاشوه وآمنوا به ومشوا في ركابه وهتفوا له .. هؤلاء مازالوا على أمله، يتأملون لو ان عقارب الساعة تعود ليفتحوا المذياع الذن وقتها سيد الاعلام وحده، وليسمعوا منه تلك الأغنيات اللطيفة التي عبرت عن شوق الشعبين الى اللقاء بهذه الطريقة المحمودة. فكثير من تلك الاغنيات مازالت عالقة في البال ولها في النفس مساحات من عشق كلماتها. كنت اسمع مثلا الممثلة أم كامل السورية وهي تردد ” آويها تمت الوحدة / آويها ومن بعد الشدة / آويها وخرجوا الاعادي / آويها وروحة بلا ردة ” .. اما اجمل ماتردد في تلك المناسبات السعيدة فكانت اغنية المطرب محمد قنديل ” وحدة ما يغلبها غلاب / يسامرها وحدة احباب/ توصلنا من الباب للباب / ولا حاجز مابين الاثنين ولامانع مابين الاتنين ” الى ان يقول ” اراضينا من هذا الجيل ترويها بردى والنيل .. وانا واقف فوق الاهرام وقدامي بساتين الشام” .. اما عبد الوهاب فغنى نشيده المشهور الذي قال فيه ” كان وهما وأماني وحلما / كان طيفا / وصحا النائم يوما فرأى النور فأغفى ” .. اما صباح فغنت اشهر اغنياتها آنذاك ” من موسكي لسوق الحميدية ” ( الاول سوق في مصر والثاني سوق في سوريا).
انغام الوحدة عملقت الاجواء العربية، فلقد كانت اياما من الزهو التي لم تحصل بعدها في اية مناسبة. ولأن الوحدة قدر، فلم يكن منها مهرب، وهي تأسست على تعميق القوة لدى العرب، في الوقت الذي كانت تتهدد سورية احتمالات قيام اسرائيل بالعدوان عليها، في وقت كانت فيه مصر قد خرجت من العدوان الثلاثي عليها وهي تقوم باعادة تعمير مدن السويس التي دمرها العدوان بشكل شبه كامل. فلقد تسابق العسكريون السوريون الى القاهرة مطالبين بالوحدة على وجه السرعة حيث تجاوب عبد الناصر مع انه فضل التأني في رسم حقائقها من اجل صيانتها من اية مؤامرة عليها، ولقد كان حدسه في ذلك الوقت ان العالم لن يقف متفرجا على الوحدة، وخصوصا الاميركي والاسرائيلي والفرنسي والبريطاني، ولهذا طالب منذ البداية التمهل، لكن الضغوط مورست عليه، فحصل ماحصل وتم توقيع الوحدة وقال الرئيس السوري شكري القوتلي كلمته التي كثيرا ماترددت في وسائل الاعلام ” انه يوم مشهود من ايام العمر”، وفي لحظة عناق بين الرئيسين السوري والمصري كانت القاهرة تعانق دمشق، وكانت مصر كلها في عناق مع كل سوريا.
واثبتت الايام صحة خيار الوحدة، وكلما ابتعدنا عنه، اكتشفنا أكثر جوهره، ففي تلك الايام كرست الوحدة أبعد ما هو أملا عاطفيا ورجاء بين الشعوب، بل قدمت الى المسرح العالمي دولة جديدة فرح لها كثيرون واغتاظ منها كثيرون ايضا ومنهم بعض العرب في ذلك الوقت.
الآن، ونحن بعيدون عن ذلك التاريخ، مازلنا نكتب فيه لعلمنا انه من الاستحقاقات التي يجب ان تظل راسخة في وجدان الشعب العربي، والتي لايجب ان تنسى اطلاقا مهما مر الزمان عليها، فقد كانت الوحدة في زمانها ضرورة في تعدد اسبابها، واليوم أكثر ضرورة رغم ان هنالك من يعتبرها اليوم فكرة من الماضي لاحياة لها، كأنما يريدون القول ان العرب على هذه الشاكلة هم الافضل، فلتعش القطرية ،, الف سلام على الوحدة ..
انطلاقا من تجربة الوحدة في عمرها الزاهي الذي حصل عام 1958 ، نكاد نلمس الأسس التالية:
ـ إن الوحدة الاندماجية صمام امان لدولها، على جميع المستويات الصناعية الزراعية والتجارية والاقتصادية عموما، وهي حالة انصهار شعبي أخاذ يجعله امام دولة لو تحققت خارطتها المعروفة لكنا امام امتداد يبدأ من شطوط المحيط الاطلسي وينتهي عند بحر العرب في مايوازي مساحته 11 مليون كيلومتر مربع تقريبا، وهي اكبر بكثير من مساحة أوروبا قبل اعلان الوحدة في مابين دولها الجديدة. بل ان ماتدخره الاقطار العربية من خيرات مجتمعة لاتوازيه اية وحدات اخرى، وقيل انها قد تتفوق على الولايات المتحدة والاتحاد الروسي.
وفي هذا الصدد ، أود ان أعود الى شعارين متوافقين لكنها يختلفان من حيث وجهة النظر .. ففي أدبيان حزب البعث العربي الاشتراكي يتصدر شعار ” وحدة حرية اشتراكية”، اما التجربة الناصرية التي رفعت شعارا في مصر فكانت ” حرية اشتراكية وحدة “.. فلكي نصل الى التطبيق الاشتراكي لابد ان نحقق الوحدة العربية كما يقول حزب البعث، اما الشعار المصري فيعتبر ان الاشتراكية هي المدخل لتحقيق الحرية وصولا الى الوحدة الناجزة .. ومهما كان الاختلاف في الرأي، فانه ينطلق من فكرة واحدة يختلف فيها الترتيب والتدرج، وفيه ان الاتفاق على اسسه قائم، ويجب الاعتراف أن تحقيقه في هذا الزمن بات عسيرا نظرا للابتعاد الكلي عن الفكرة السامية التي يتضمنها الشعاران. لابل أصبح مجرد الكلام عن الوحدة نافرا عند آخرين، بل يتوتر له كثيرون، بل هنالك الكثير من الهزء منه بعدما صار لغة عتيقة في رأي هذا البعض. فهل اعتاد العرب على ان يظلوا على قسمتهم وعدم ألفتهم الا في المصالح، وهل نسوا معنى الوحدة لتصير بعبعا عند بعضهم ان لم يكن اكثرهم . هل الوحدة فعلا مشكلة ام هي ما اعتاد عليه العرب من قطرية حتى باتت متأصلة بهم يهابون الجمع والتجمع والتجميع، فصارت تلك القطرية احترافا، بل ايديولوجيا لها انصارها الكثر، كما لها مفاهيمها التي أشبعت درسا.
اما جيل الوحدة، فلسوف يظل يقول أعطونا وحدة وخذوا عربا مختلفين .. اعطونا تشابكا عربيا وخذوا منطقة عربية لها حضورها النموذجي .. سيقولون لك انها من الممنوعات .. لايريد الغرب واسرائيل عربا اقوياء، بل مجرد مستهلكين، يأكلون ويتوالدون، وفي كل يوم يجدون لهم المتعة التي تسليهم وتبعدهم عن معرفة الذات وحتى عن القراءة التي تثبت تلك الذات، وهي شبكة الاتصالات التي صارت ثقافة الجماعة الذين هم عرب من عرب. لننظر الثقافة الحالية التي يمارسها العرب، ففي المقاهي وبقية الامكنة الأخرى لانجد عربا يحملون مجلة او صحيفة او كتابا، سلواهم الوحيدة هي الخلوي ليس بما قد ينتجه من معلومات او حتى ثقافة محددة، بل مافيه من لعب وتسال وإضاعة للوقت.
ستظل الوحدة قائمة في النفوس، رغم الموانع التي يفرضها الغرب ويريدها بعض العرب .. ولهذا سوف نظل ندين الى تلك الافكار الوحدوية التي هدرت في الخمسينيات والستينايت وحتى السبعينيات من القرن الماضي وما حملته من قيم العروبة واعادة الامة الى مناخها الطبيعي. فالمنطق يقول، ان العرب يشتركون بكل ماهو عميق ومتجذر فيهم، وان سرعة وحدتهم قد لاتقاس بالزمن لأنهم مؤهلون تماما لأن يكونوا أمة واحدة خلال ايام، بل خلال ساعات، بل انهم موحدون دون علم منهم طالما ان المشتركات في ما بينهم موجودة وقائمة وان لم تفعل حتى الآن.
الانفصال
كانت الاذاعات في العالم العربي مصدر الاعلان عن وجود انقلاب او حراك او تغيير … ففي السابع والعشرين من سبتمبر 1961 خرجت الينا الاذاعة في دمشق بالخبر الأكثر حزنا في حياة العرب وهي ان مجموعة من الضباط قامت بالانقلاب على الوحدة بما يعني الانفصال الفوري .. وبدأت الاذاعة تبث اخبارها العسكرية وبعض التأييد الذي أكثره كاذب .. وفي حين أصيب الوطن العرب بالوجوم، كانت وكان الغرب يهلل فرحا ويطرب لما تقوله الاذاعة الدمشقية، بل نكاد ان نقول انهم هم من حقق ذلك المبتغى فكانوا مخططي الانقلاب والعاملين له ونفذ بآياد سورية.
ظلت القاهرة ترمق دمشق من بعيد، ومن المؤسف ان الخبر نزل كالصاعقة على عبد الناصر الذي منذ تلك الايام هز جسده مرض السكري .. لم يستقبل الخبر بأعصاب باردة وهو القومي العربي الذي ارتضى الوحدة وجسدها فاذا بها تنهار امام عينيه. سكنته افكار غريبة وهو يحاول تقبل الانفصال، حتى انه أمر بان تتحرك قوات بحرية لتنزل على شواطيء اللاذقية، لكنه في غمرة حراكها اعادها من جديد الى حيث انطلقت، وعلى مضض تقبل الفكرة لكنه أبقى اسم ” الجمهورية العربية المتحدة ” على مصر وكذلك العلم والنشيد الوطني .. لم يقبل ان تنزاح عن عينيه التفاصيل المهمة في التعبير عن الوحدة .. وخرجت الى النور أغنيات ضد الانفصال منها ماغناه محرم فؤاد بقوله ” يعز علينا ان احنا نعيش في النور وفي سوريا الناس عايشين في ظلام” ، اما عبد الحليم حافظ فقال في سياق اغنية له في ذلك الوقت ” الوحدة مش حكام ورجعية وخيانة/ الوحدة شعب ” ..
انطوت الوحدة، وتحقق الانفصال، لكنها ظلت الأمل البعيد والذي يبعد أكثر في هذه الايام بعد الحالة العربية التي بلغت رداءة لاتوصف، وتحولت فيها الشعارات الأولية من فلسطين الى التكامل العربي النسبي، الى ضياع قضية الشعب الفلسطيني وصولا الى اهتراء الواقع العربي على اكثر من صعيد.
لعل الدروس والعبر التي نشاء ان نأخذها من الانفصال الذي هزم أول وحدة عربية في التاريخ الحديث، ان العرب بحاجة أكثر من اي وقت مضى الى وحدة مهما كان نوعية وصولا الى تلك الشاملة الاندماجية كما حصل بين مصر وسوريا. ورغم معرفتي بانه زين للشعوب العربية بان الوضع العربي الحالي هو الافضل، فان ثمة رفضا داخليا لتلك الفكرة لابد انه موجود .. واذا ما اجرينا احصاء حول فكرة الوحدة فلسوف نجد السواد الاعظم مؤيدا لها وداعما لقيامها ..
ثم إن الدرس الأكبر وهو عبرة لمن اعتبر فيكمن في تعزيز ثقافة القطرية واهمية كل بلد على ماهو عليه، بل التغزل بفكرة الانعزال وتحويل الكلمات المطابقة لمفهوم الوحدة الى معنى المساعدات، بحيث يصبح كل بلد عربي كثير الشبه بأي مكان غير عربي يتلقى مساعدات من تلك الدولة النفطية او غيرها.
والدرس المهم ايضا، ان العالم الذي فرح للانفصال السوري المصري هو ذاته دائما، اذ لايمكن لبريطانيا وفرنسا اللتين صنعتا سايكس بيكو والذي قسم الوطن العربي ان يتحولا بسحر ساحر الى قوى تؤيد الوحدة التي هي من الممنوعات الدائمة ومنذ زمن بعيد .. حتى ان الدولة العثمانية كانت قد لعبت على هذا الوتر، بل انها تدخلت في المدن والقرى العربية التي تحوي اكثر من دين ومذهب وطائفة وعملت على اشعال نار الفتن فيما بينها الى حد تقسيمها وايجاد حالة دائمة من الاحساس العميق بوجود مسافة بين اطراف المكان الواحد ..
وثمة ايضا عبرة من عملية الانفصال، ان القطرية لم تحقق لهم حضورا فاعلا فظلوا مهمشين ومسرح تجارب، وثبت انه من خلال مفهوم تلك القطرية يمكن الاستئثار باي قطر عربي لاشغاله في حروب داخلية كما حدث للبنان فيما بقية العرب يتفرجون او بعضهم يبارك او يشارك.
واما القضية الفلسطينية التي هي لب الصراع العربي الاسرائيلي ، فثبت من خلال الحروب التي خاضتها اسرائيل ان احتلال فلسطين ماهو الا المقدمة الاكيدة للتمدد الى بقية العرب، وما الفكرة الصهيونية القائمة على ان اسرائيل من النيل الى الفرات سوى تعبير عن خطط اسرائيلية مقسطة وصولا اليها في المرحلة النهائية. كما لابد من فهم دور اسرائيل في المنطقة حيث من مصلحتها بقاء القطرية فيها وعلى ماهي عليه، بل حتى تقسيم المقسم وتجزيء المجزأ بل تفتيتها قدر الامكان حتى الى وحدات صغيرة تتناحر في ما بينها فتظل اسرائيل حسب خططها الدائمة والثابتة الاقوى في المنطقة وبذلك تنتهي قضية فلسطين وتتحول اسرائيل الى دولة ثابتة ودائمة لايملك اي عربي القدرة على قتالها او مجرد التفكير بقتالها.
وثبت ايضا ان بقاء العرب بدون وحدة ليس حالة صحية امام التجارب العالمية التي اتجهت الى الوحدات، فبات معروفا انه يحق للعالم اقامة وحداته وتنفيذ خبراته في هذه المجال، بينما ممنوع على العرب مجرد طرح الفكرة. وهو ماسمح للشعوب العربية ان تشعر بان قدرها قائم على فكرة القطرية وعلى الانفصال وعلى الواقع المقسم والمجزأ، بل ان مايجري في سوريا التي هي قلب العروبة النابض واكثر العرب ايمانا بالوحدة، تعيش حالة سطو على مساحاتها الجغرافية في تجربة فريدة حيث تطغى عصابات على الارض السورية فتقيم لها على حد زعمها دولة او مكانا تدير فيه شؤونها وهو تماما عكس الحقيقة والفهم التاريخي للأوطان حتى في عز قطريتها.
يدفع العالم العربي اليوم ماهو تعريف للدّين القديم الذي نتج عن حدوث الانفصال .. بمعنى ان ما يحصل له في بلدانه ليس مجرد تغيير او محاولات تغيير او سطو على بلدان قائمة، بل هو الانفجار الخفي للقطرية في أبشع صورها، وهو بطريقة غير مباشرة لم يفهمها البعض بحث عن افق وحدوي يمكنه ان يغير شكل المنطقة .. من المؤسف ان تقول وزيرة الخارجية الاميركية السابقة كوندوليزا رايس من لبنان اثناء حرب العام 2006 انه يولد الآن شرق اوسط جديد، بينما لم يفهم العرب كم هم بحاجة لوحدة في هذه الظروف، وكيف يمكن الرد على كلام الوزيرة الاميركية لو كانت الوحدة قائمة فعلا، بل انها لو كانت متجسدة في ذلك الوقت، لم تمكنت اسرائيل من عدوانها، بل أكاد أجزم لو ان الوحدة بين مصر وسوريا ظلت قائمة وتبعها دول عربية أخرى لما كانت اسرائيل ماهي عليه اليوم، بل لما كانت للعرب مشاكل وقضايا بهذه الصورة العنيفة والتي تنذر بأبشع النتائج.
من الواضح ان الدول لاتتحدد حياتها بايام بل بزمن .. الدول الكبرى لديها استراتيجية طويلة الأمد وتكتيك متغير متبدل حسبا تدعو الحاجة، اما العرب فيطبقون عكس هذه النظرية، وقد قال مرة الصحافي محمد حسنين هيكل، لو سئلت عن مستقبل بريطانيا بعد عشرين سنة فيمكنني القدرة على تحديده، اما لو سئلت عن مستقبل العرب ليوم غد فلا استطيع الاجابة بل سأتعثر ان قلتها.
نفهم من فكرة هيكل، ان التعددية العربية غير المقتدرة والقادرة على الفعل الدولي سيظل لبعثرتها سبب في ماهي عليه، لايمكن حله الا بالوحدة. ومع ذلك ثمة من يرى السبب ويتهرب من علاجه، قد يكون الأمر عائد الى قدرات مادية مازالت تتحكم بالمسار القائم ، لكن لاشيء يبقى على حاله في علم الاستراتيجيات.
وبعد ، نظرة الى الوراء، الى حيث السنوات القليلة التي هدرت فيها وحدة مصر وسوريا في النفوس، سوف يتبين لنا اننا لم نكن فقط امام عالم جديد، بل نحن امام تجربة مهما كانت الاخطاء التي ارتكبت فيها، فليس لها ان تكون سببا في اطفاء الحلم التاريخي الذي مازلنا نتمسك به وسيظ هدفنا السامي مهما تغيرت الظروف. واعتقد ان الظروف التي قد تنشأ في المستقبل البعيد، حين تنضب الخيرات من باطن الارض وتصبح الحاجة ملحة لتبادل ماتبقى منها في اقطار عربية اخرى، قد تكون مدعاة للوحدة .
نريد وحدة فيها الكثير من التفاهم والتأني كما كانت خطط الرئيس جمال عبد الناصر حين جاءه وفدا العراق وسوريا بحثا عن وحدة ثلاثية مع مصر، قائلا لهم ” أريد وحدة تثبت مع الايام ولكي تكون كذلك لابد من التأني في تحقيقها “، لكنها لم تتحقق، في حين قامت تجربة بين مصر وليبيا والسودان كان عنوانها وحدة تلك الاقطار لكنها لم تعش الا ايام، وكان السبب ما قاله الرئيس المصري يومها انور السادات ان هذه الوحدة اتولدت ولها أنياب، بمعنى انها تحققت بعامل القوة وستحافظ عليه، فكان ان اسقطها هذا العامل، والأهم انها جاءت وحدة قيادات وتحققت عبر الهاتف بينهم، حين قال القذافي للسادات اريد وحدة فأجابه “حصل ” أي تحققت، وهو شكل كوميدي في القضايا المصيرية الكبرى.
الظروف الوحيدة التي يحتاج فيها العرب الى توحد هو الآن وبشكل عاجل .. ولطالما بقوا على حالهم من هذا البعاد ، بل ان بعضهم يتآمر على بعض، فان مستقبل الثور الابيض سيكون لما جرى للثور الاسود .. فأمام العرب فرصة تاريخية لاتعوض وهي الآن، والآن وحده يمكنه ان يكون مفتاح تلك اللحظة الحميمية التي ستعوض ما فات وستنهي ما هو قائم من مآس .. واذا ما قيل بانه ممنوع عليهم قيام الوحدة، فخير رد على الممنوع ضربه عرض الحائط واختراقه لنرى بعدها ماذا سيفعلون امام اصرار أمة واصرار شعب على ان يكون واحدا موحدا.
لكننا نعرف اننا نقول المستحيل امام مشهد عربي سيظل يفتش عن حلول لن يصل اليها اذا لم يجد له موقعا موحدا تحت شمس العالم .

إلى الأعلى