الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أصداف : لقمة العيش

أصداف : لقمة العيش

وليد الزبيدي

من الصعب جدا أن تفكر بطريقة سليمة عندما تكون كل ما تفكر به هو لقمة عيشك، هذا الكلام قاله جان جاك روسو، المفكر الشهير، ولد عام 1712 في جنيف، وربما يكون هذا السطر الذي اختصر فيه الكثير كان نتيجة معاناة شخصية عاشها روسو، فقد تنقل في اعمال ومهن عديدة لكن الكتابة وحب الموسيقى ومحاولة البحث في حياة الفقراء أهم عوالمه، وتأثر كثيرا بما مرّ به من صعوبات حياتية، خاصة وفاة والدته بعد ولادته ومن ثم ترك والده له ليذهب بعيدا ويعيش في كنف عمه.
ولأن ضغوطات الحياة المعقدة والمتشعبة قد تضرب المرء في اكثر من مفصل بمسارب حياته اليومية، فأن لقمة العيش تتقدم على الكثير من الاحتياجات الاخرى، وتزداد تأثيرا عندما تتسع رقعة المسؤولية، وينتقل قطار الإنسان من عربة واحدة قد يتنقل بها من رقعة إلى اخرى بحرية وبسهولة إلى مجموعة عربات ضمن قطار واحد يتحمل مسؤولية جرّها وحده دون غيره، فيكون الثقل عبارة عن اثقال، واللحظة عبارة عن ساعات وايام وسنوات.
يقول الإمام أبو حنيفة، لا تقبلوا شهادة من ليس في بيته طحين، ويقول الإمام علي عليه السلام، لو كان الفقر رجلا لقتلته، وقالوا كثيرا عن الحاجة، واثقالها والامها واخطارها، وفي جميع ما قالوا حكمة المراد منها بعث رسائل مفادها أن الحياة بكل جمالياتها واسعة، لكن بهجتها قد تفقد بريقها بسرعة البرق، وأن طاقة الإنسان قد تذوب من مستواها الايجابي الفعال إلى مستويات متدنية.
في حدود الواقع وما يحمله من اثقال، يفقد المجتمع فرصة استثمار العقول لتضيف للحياة ما هو مفيد، لكن، عندما ينشغل الكثيرون بثقل وهمّ واحد، لا يتجاوز حدود الخروج من قمقم اللحظة، عسى أن يصل الغد بسلام وبدون خسائر باهضة الثمن، فأن الوصول بها إلى مستوى التفاعل ومن ثم الفعل الايجابي الواسع في المجتمع، لن يكون بالأمر الهين واليسير.
في التجارب، قد يعتقد المرء لفترة طويلة، أنه لن يدخل في يوم ما حالة الطواريء الذاتية، لكن قد يحصل ما لم يكن في الحسبان، فتكون الطواريء مثل زوبعة، فيدخل ذهنه وفكره في دوامة لا يمكن وصفها إلا بصالة انعاش خطيرة.
والاخطر عندما يكون المرء داخل قصف معتم، لا يرى ما بداخله ولا يسمع من الخارج إلا ضجيج دواخله، فتتشكل عندها أزمة تلد أزمات متتابعة، دون أن يجد استراحة ليتنفس الحياة.

إلى الأعلى