الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الوحش الرابض بين ظهرانينا

الوحش الرابض بين ظهرانينا

محمد عبد الصادق

”.. للأسف الشديد رغم وحشية الاعتداءات, فوجئت بالعديد من الأصدقاء والزملاء الأعزاء المتعاطفين مع جماعة الإخوان, وأنصار الرئيس المعزول محمد مرسي من خلفيات اجتماعية وثقافية متعددة, يبررون ارتكاب هذه الجرائم ويتعاطفون مع مرتكبيها, بحجة أنها رد عادل “جزاءً وفاقاً” على ما اقترفته الشرطة من قتل وحرق في حق المعتصمين بـ”رابعة”,”
ـــــــــــــــــــــــــ
عقب فض اعتصام رابعة, اندلعت أعمال عنف مريعة في جميع أنحاء مصر, قام خلالها الإخوان والجماعات المتطرفة المتحالفة معهم, باقتحام أكثر من مائة مركز للشرطة, واعتدوا بالقتل والتنكيل على رجال الأمن, وأحرقوا المقرات والمركبات الحكومية, واستولوا على كميات ضخمة من الذخيرة والسلاح, وطال الحرق والقتل والتنكيل عشرات الكنائس ومئات الأقباط في صعيد مصر.
وللأسف الشديد رغم وحشية الاعتداءات, فوجئت بالعديد من الأصدقاء والزملاء الأعزاء المتعاطفين مع جماعة الإخوان, وأنصار الرئيس المعزول محمد مرسي من خلفيات اجتماعية وثقافية متعددة, يبررون ارتكاب هذه الجرائم ويتعاطفون مع مرتكبيها, بحجة أنها رد عادل “جزاءً وفاقاً” على ما اقترفته الشرطة من قتل وحرق في حق المعتصمين بـ”رابعة”, وعندما وجدوا مني استنكاراً وشجباً لهذه الاعتداءات الوحشية, مثلما أدنت واستنكرت القتل وإسالة الدماء على يد الجيش أو الشرطة بغير سند من القانون, ولكن موقفي هذا لم يرق لكثير منهم.
وانتشر خلال هذه الفترة السؤال الاستنكاري (السخيف) على لسان الإخوان وأنصارهم “لو كنت فقدت ابنك أو أخاك أو عزيزاً لديك ما كان هذا موقفك”, وكان ردي عليهم “لو فقدت ابني في مثل هكذا أحداث, قطعاً سأحزن, وربما تفضي بي الحسرة للموت أو الجنون على فقد فلذة كبدي, ولكنني موقن أنني لن أتحول لقاتل, ولن ألجأ لحمل السلاح, لأنني إنسان مسالم .. خلقني الله متمديناً, يقشعر بدني من مشاهد العنف, لا أتحمل رؤية الدماء, فما بالك من يلغ فيها دون أن يرف له جفن بدعوى الثأر, أو الانتقام, وأمثالي لا يعرفون سوى القضاء والقانون طريقاً للحصول على حقوقهم, ولا يستطيعون العيش إلاً في دولة (حتى لو كانت فاسدة) تتولى حمايتهم, والدفاع عنهم, وأن الوحيدين المخول لها حمل السلاح واستخدامه هم رجال الشرطة والجيش وفقاً للقانون, وطبقاً لقواعد الاشتباك وإطلاق النار المتعارف عليها دولياً, ضد المجرمين والخارجين على القانون, وليس من حق الأفراد أو الجماعات أو الميليشيات استخدام السلاح أو ممارسة العنف ضد الآخرين, وإلاّ ساد قانون الغاب: القوي يلتهم الضعيف, وعدنا لعصور الهمجية؛ حيث لادولة, ولا نظام ولا قانون.
للأسف وجهة نظري هذه وجدت رفضاً عنيفاً من زملائي وأصدقائي, هداهم الله, وبعضهم لم يستطع تمالك نفسه ولا إمساك لسانه, والسيطرة على غضبه وانفعاله وقام بالدعاء علي على الطريقة المصرية “إلهي تشوف ما حدث في رابعة والنهضة في أولادك” ومازال مسلسل تبرير العنف مستمراً حتى الآن, وكلما وقع حادث اعتداء ضد أحد رجال الجيش أو الشرطة, نجد أخواننا يقولون ” يستهلوا” وعندما تقول لهم: أنهم يؤدون واجبهم وينفذون الأوامر والتعليمات وفقاً للنظم العسكرية الموجودة في جميع دول العالم, وأن هذه الهجمات والتفجيرات لن تطال السيسي ولا أركان حكمه المتحصنين في القصور المنيعة, ولن تزيد الشعب المصري إلاّ كرهًا وبغضًا للإخوان ومن والاهم من جماعات العنف والإرهاب, وكلنا نرى كيف يتعامل المصريون البسطاء بشجاعة ولا مبالاة مع المتفجرات, حتى أنهم يحملونها بأيديهم إلى مراكز الشرطة لإبطال مفعولها, بل على العكس هذه العمليات الإجرامية تصب في مصلحة النظام الجديد, وتخصم من رصيد الإخوان, لأنها جعلت السيسي يبدو أمام الشعب رئيساً يدعو للتنمية والبناء, في مواجهة جماعة تدعو للهدم والخراب وتحرض على القتل والعنف وقطع الأرزاق.
حتى داعش التي ترتكب جرائم ضد الإنسانية يشيب لها الولدان, نجد هناك من يتعاطفون معها, ويبررون جرائمها الوحشية, مرة تحت ذريعة نصرة الإسلام السني في مواجهة الهجمة الشيعية, أو اعتراضا على تصرفات الحكومة العراقية التي تكرر حماقات المالكي.
ليس هناك مبرر للعنف والإرهاب, حتى نظرية ” الفقر والجهل يولدان الإرهاب” أثبتت الأحداث سقوطها, فأسامة بن لادن لم يكن فقيراً بل كان مليونيراً وعاش طفولته وصباه وشبابه المبكر حياة منفتحة, مرفهة, وكان زبوناً دائما لأرقى محلات الأزياء في أوروبا وأميركا التي قضى فيها سنوات عديدة قبل أن يلتقي أستاذه في التطرف عبدالله عزام, ليغريه باعتناق الأفكار المتشددة ويسافر إلى أفغانستان لمحاربة السوفييت, ولكنه تحول إلى وحش انقلب على وطنه, وبني جلدته ليرتكب جرائم القتل والترويع باسم الدين, حتى كانت نهايته على يد الأميركان, وأيمن الظواهري كان طبيباً ناجحاً ومن أسرة ميسورة جل أفرادها من نوابغ الطب المشهود لهم في مصر, ولم تمنعه نشأته الأرستقراطية من الوقوع في براثن الإخوان المسلمين أثناء دراسته الجامعية, ليلتحق بعد ذلك بجماعة الجهاد, ويتورط في مقتل الرئيس السادات, ثم ينضم لتنظيم القاعدة عقب خروجه من مصر, ويخلف أسامة بن لادن في إمارة التنظيم الإرهابي.
حتى حكاية أن الاستبداد وغياب الديمقراطية هما سبب العنف والتطرف والإرهاب, تحتاج إلى المراجعة, وإلاّ وجدنا تفسيراً لما يحدث في تونس من أعمال عنف كان آخرها قتل أكثر من عشرين سائحاً أجنبياً في هجوم تبناه تنظيم داعش على متحف “باردو” في قلب العاصمة التونسية, فالمفروض أن تونس البلد العربي الوحيد الذي استطاع اجتياز نوات الربيع وتنسم عبير الحرية, واجتاز استحقاقات المرحلة الانتقالية بسلام, وأصبحت الممارسة السياسة وتداول السلطة وحرية الرأي مكفولة للجميع وظلت حركة النهضة التابعة للإخوان المسلمين تتصدر المشهد وتسيطر على الحكم طوال السنوات الماضية, وكان التوانسة يتيهون على بقية الشعوب العربية بنجاحهم في إنشاء دولة ينعم الجميع فيها بالحرية, واحترام حقوق الإنسان, كل هذا لم يشفع لتونس لدى قوى الجهل والظلام ليمارسوا القتل والترويع والخراب في بلد يعتمد معظم دخله على السياحة ولكن ثبت أن هؤلاء ليسوا دعاة حرية ولا ديمقراطية.
وأتذكر أن السادات ـ رحمه الله ـ حاول ترويض الإخوان المسلمين, وهداه تفكيره إلى تشجيع النشاط الديني داخل الجامعات, ليتخلص من معارضيه, فاستدعى الشيخ عمر التلمساني مرشد جماعة الإخوان المسلمين في ذلك الوقت, وعقد معه صفقة يفرج السادات بمقتضاها عن الإخوان المعتقلين في السجون, ويعيدهم لوظائفهم وأعمالهم, مقابل أن يقوم الإخوان بالتصدي للفكر الناصري والقومي داخل الجامعات, وأطلق السادات على نفسه لقب الرئيس المؤمن, وسيطرت الجماعات الدينية على الاتحادات الطلابية داخل الجامعة, وازداد نفوذهم وتطرفهم, حتى تحولوا إلى (وحش) قتل مروضه (السادات) يوم احتفاله بنصر اكتوبر.
أتمنى على جامعة الدول العربية وضع ملف المواجهة الفكرية للتطرف والإرهاب على جدول أعمال القمة القادمة التي ستعقد في نهاية هذا الشهر بشرم الشيخ, فلا تكفي المواجهات الأمنية أو تشكيل قوة عسكرية عربية لمحاربة الإرهاب, لكن علينا المسارعة بإنقاذ الشباب المتعاطفين مع هذه الجماعات المتطرفة نتيجة الفهم الخاطئ للنصوص الدينية, وتشكيل لجنة تضم علماء في الفقه والحديث والسيرة النبوية, بجانب علماء الاجتماع والتربية وعلم النفس, للبحث عن حلول واقعية تتبناها القمة العربية وتلتزم بتنفيذها الحكومات والهيئات العربية لننجو من هذا الوحش المتربص بشبابنا ومقدراتنا.

إلى الأعلى