الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن .. العود أحمد .. سيد عُمان

رأي الوطن .. العود أحمد .. سيد عُمان

“أبشري قابوس جاء .. فلتباركه السماء .. واسعدي والتقيه بالدعاء”.. لطالما كان ولا يزال لهذه الكلمات وقعها الوطني الفريد في لب القلوب وخلجات النفس، وهي تصدح بها حناجر أبناء عُمان البررة تعبيرًا وعرفانًا، وانتماءً لهذا الوطن الغالي ولقائده المفدى وباني مجده ورافع رايات عزته واستقلاله حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
وإذا كانت عُمان الماجدة استبشرت بالمقدم الأول الميمون في الثالث والعشرين من يوليو عام 1970م والتقت سيدها بالدعاء والفرح والحبور، وسارت على هذا العهد، فإنه يحق لها اليوم أن تجدد لحظات الاستبشار والسعد والفرح وتغزل خيوط ملحمة وطنية تعبق بأصدق المشاعر وأحرها باستقبال سيدها في الثالث والعشرين من مارس عام 2015م قادمًا من جمهورية ألمانيا الاتحادية بعد أن شاءت الإرادة الإلهية أن يكون خارج الوطن “للأسباب التي يعلمها أبناء عُمان الأوفياء”.
عُمان تسجد اليوم لله شكرًا وحمدًا وثناءً، بأن شاءت الإرادة الإلهية أن تعيد إلى أبناء عُمان الأوفياء قائدهم المفدى الذي أخلص لهم فأحبوه حبًّا فاق الوصف، وأوفى بوعده فعشقوه عشقًا تجاوز التشبيه، تبدَّى كل ذلك في غزْل ملحمة عمانية أبهرت وتبهر العالم، وفي عزْف سيمفونية عمانية أطربت وتطرب وأعجبت وتُعجِب، تبدَّى كل ذلك كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع.
إن إحدى الصور المعبرة عن تلك المسيرات والاستعدادات أن عُمان تقدم للعالم رسالة فريدة ومتميزة في قيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم ومدى الاحترام المتبادل والمشوب بمشاعر المحبة والدفء والتلاحم، انطلاقًا من إرثها الضارب بجذوره الذي طالما تميزت به عن سائر الأمم والشعوب، فهذه الصور تعبر عن مدى استقلالية العمانيين في صياغة ثقافتهم المستمدة من عقيدتهم السمحة، وفي صناعة قرارهم المستقل بعيدًا عن المظاهر والدعائية ومبتعدًا عن التشنجات.
إن مظاهر الفرح في كل شبر من أرض عُمان الطاهرة في البيت في المؤسسة في الشركة في الطريق في الحديقة في المقهى في الملعب في كل مكان، ومشاعر البهجة والمحبة والحبور في كل قلب عماني، تؤكد صدق الولاء والانتماء والتلاحم، وقد حق للعماني أن ينعم بهذا.
بعد أكثر من مئتين وأربعين يومًا امتدت من الأربعاء التاسع من يوليو 2014م وحتى الاثنين الثالث والعشرين من مارس 2015م، ظل قلب عُمان معلقًا ينتظر بفارغ الصبر رياح البشرى تزف إليه نبأ عودة ابنها البار، ولا يلومنَّ أحد من حفظ عن ظهر قلب ذلك التاريخ وتلك الأيام وساعاتها ودقائقها وثوانيها، إنه قلب الأم الرؤوم. وفي القراءة الوطنية ليس هناك ما يفاجئ في ذلك، لأن ثمة ما هو أعمق لدى العمانيين الذين بنوه خلال مسيرة تمتد لأكثر من أربعة عقود عايشوا خلالها معاني الوفاء بالعهد والصدق وقوة الإرادة والتصميم ومقادير الجهد وحبات العرق تنسكب على تراب عُمان الطاهر، وكان لهم شرف المشاركة ـ وما زالوا ـ في المراحل المختلفة من بناء الوطن، ولم يعد هناك ما يقض مضاجعهم ويقلقهم، وما يحول دون أن يكملوا الطريق الذي بدأوه بتضحياتهم. ‏
عودة طال انتظارها ـ وإن كانت الرحلة إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية قصيرة بعمر الزمن ـ ظل العماني ممتطيًا صهوة شوق الانتظار والعودة رافضًا الترجل، يعبر عن شوقه وحنينه لباني نهضة عُمان الماجدة بالدعاء الخالص المحض لله سبحانه وتعالى بأن يمنَّ على جلالته ـ أيده الله ـ بالصحة والعافية والعمر المديد، تاركًا العنان لقريحته تقرض الشعر قرضًا في الدعاء والمدح والثناء، ويرطب لسانه بالدعاء لجلالته، ويعطر هاتفه وحاسوبه بصور قائده المفدى وقد تدلت عليها باقات الورود والياسمين وخط عليها ما جاش في النفس والقلب من عبارات الولاء والانتماء والمحبة وصدق المشاعر وحميمية العلاقة.
غير أن تلك المشاهد الوطنية الصادقة والمعبرة تقدم ما هو أبعد مما وراء الصورة، وتجمع بين القراءتين الوطنية والسياسية لتعطي إجابات شافية ووافية ومفحمة ودون تردد عن علامات الاستفهام حول أسرار هذه العلاقة وعن المصادر التي تستمد منها قوتها، لكنها تحمل في التوقيت والطريقة والأسلوب رسائل متعددة المستويات، ولا تكتفي بما تمليه اللحظة مع فوارقها الزمنية والمكانية، بل تمتد في عمق الاصطفاف الوطني على ضفتي الحدث وموقعه في سياق التزامن مع مجريات الأوضاع التي تشهدها المنطقة.
يحق لعُمان وهي تستقبل باني نهضتها المباركة أن تنثر الورود والرياحين والياسمين ليس ابتهاجًا بمقدمه الميمون فحسب، وإنما افتخارًا واعتزازًا بسياسة العدل والمساواة التي امتزجت مع رجاحة العقل وقوة الحكمة وحمت عُمان لتبقى درة بين الدول.

إلى الأعلى