السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : عُمان قابوس .. فلسفة قائد وشعب .. واقع يسرد حكايتها

شراع : عُمان قابوس .. فلسفة قائد وشعب .. واقع يسرد حكايتها

خميس التوبي

بوقار القائد الحكيم، وحنان الأب الرحيم، وبعظمة شخصية قائد كبرت معها مشاعر الإجلال والود الوفاء لصاحبها، وطئت أقدام حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ أرض الوطن بعد رحلة شاءت الإرادة الإلهية أن يكون خارج الوطن ولأكثر من ثمانية أشهر ظل قلب عُمان خلالها كأرض اشتاقت إلى غيث السماء ليعيد إليها حياتها ونضارتها.
لقد رسمت عودة جلالة عاهل البلاد المفدى ـ أبقاه الله ـ يوم أمس الأول الثالث والعشرين من مارس عام 2015م مشهدًا وطنيًّا امتزجت فيه مشاعر المحبة والألفة والتلاحم والتكاتف والانتماء والولاء والعرفان، وحرارة الاستقبال، مؤكدًا الصورة الحقيقية لأهل عُمان، مُعيدًا إلى الفكر والوجدان ذلك المشهد الرهيب في الثالث والعشرين من يوليو عام 1970م يوم بزغت فيه شمس النهضة المباركة التي تحت راية ابن عمان البار جلالة السلطان المعظم وبقيادته الحكيمة ورؤيته المستنيرة غزلت خيوط تنمية هذا الوطن الغالي وخيوط بناء إنسانه الوفي.
إن إعادة هذا التاريخ واستحضاره إلى الأذهان ليس للمصادفة دور فيها، وإنما هي إعادة مقصودة لذاتها لتبعث برسائل وطنية واضحة في كل اتجاه وإلى كل شبر من هذا الوطن وإلى أبنائه الأوفياء لا سيما الأجيال التي لم تشهد اللحظات الأولى لبزوغ فجر النهضة المباركة، وما صاحب البدايات من تحديات شاقة وقاسية، لعل في توحيد أطراف الوطن وصيانة حدوده والذود عن حياضه وذرات ترابه، وما عرف آنذاك “بحرب ظفار”، رسائل تحمل مضامين عميقة في المعنى الوطني لبقاء الأوطان وصون سلامتها، فكما كان في البدء مبدأ الشراكة والتعاون والتكاتف والتلاحم والإخلاص والوفاء والانتماء بين القيادة الحكيمة والشعب العماني لرفع أعمدة الوطن، وبناء الدولة العمانية العصرية، فإن هذا المبدأ يجب أن يستمر مهما تتالت صروف الزمان وتغيرت أحداث المكان، وإذا كان هذا المبدأ هو الذي حفظ حدود الوطن وصان ترابه في سبعينيات القرن الماضي، فهو ذاته يجب أن يحافظ على ما علا واستقام واستقر من مقدسات الوطن في الألفية الثانية من القرن الحادي والعشرين، فالتحدي الأول يرسل إرهاصاته وتنبيهاته للعمل معًا على تجنيب سفينة الوطن العواصف التي تحيط به.
هذه هي فلسفة القائد الحكيم جلالة السلطان المعظم ـ أيده الله ـ ربط الفكر والعقل بمنطق حقيقة الواقع والتاريخ، قبل مخاطبة القلب والوجدان والعاطفة، وعدم القفز فوق حقائق الأشياء، والتجاوز إلى ما فوق المعقول والمتصور، وعدم الانجرار وراء شعارات متطرفة ومنحرفة أو شعارات معسولة منمقة تحمل في طياتها فيروسات الهلاك والدمار والخراب، حيث بها يتربص مطلقوها بالأوطان، ومنطق الواقع وحقيقته وتاريخه هذا ما يقولانه ويؤكدان عليه من خلال تلك المشاهد المجنونة التي فقد أصحابها عقولهم وركبوا موجات تلك الشعارات وتنازلوا عن عقولهم وفكرهم وثقافتهم لصالح عاطفتهم الجياشة، وبيع ولائهم لغير أوطانهم، ففقدوا ذاتهم وهويتهم وشخصيتهم وكيانهم قبل فقدانهم أوطانهم وإسقاطها.
إن ما يكتنزه المشهد العربي من آلام ومرارات وندوب تشكلت على ضفتي ما سمي “الربيع العربي” لم تعد خافية على أحد، بل إن الضفتين مستمرتان في قذف المزيد من الآلام والمرارات والندوب، وإن ظلت بعيدة عن نظر البعض، وغَدَا عرب “الربيع” مجرد رقم يتم تداوله على عدادات الموت المتحركة، وتتناقل قراءته وسائل الإعلام المختلفة، وهي ـ بلا شك ـ آلام ومرارات وندوب لن يسلم منها إلا من حافظ على بقاء عقله في رأسه، ومن آمن برمزية وطنه وقيمته ومكانته ودوره كإيمانه بخالقه ورسوله عليه الصلاة والسلام.
ومع ما نشهده من خيوط قاتمة تسدل حضورها على المشهد العام للمنطقة، حيث يخفي تحته المزيد من رماد الخراب والفوضى، يبقى المشهد العماني يسجل حضوره اللافت وفرادته المعروفة في صناعة الحدث الوطني المتميز، سواء في تقديم الصورة الحضارية بالالتفاف حول القائد الرمز أو تغليب المصلحة الوطنية والسمو بالوطن والتوقف عن الانجرار وراء الشعارات الزائفة والاصطفافات المقيتة، أو في تغليب لغة الحوار واحتضان الآخر. فيوم أمس الأول وحده كان كافيًا لاختزال الصورة الوطنية، حيث انسابت المشاعر الوطنية رقراقة، وسرت قطرات الحب والوفاء ومعانيها ومضامينها الكبيرة بين جداول الوجدان وخلجات النفس وشرايين القلوب، مجددة مكانها الوثير الذي ظل العماني الوفي لقائده ولوطنه منتظرًا هذه اللحظة التاريخية ليضع تلك المشاعر الجياشة ومعانيها ومضامينها في مكانها الذي لا يليق إلا بها في قلبه الطاهر ووجدانه الناصع ونفسه الوفية وضميره المخلص، لتخرج في صور تعبيرية جمالية عفوية وطنية تجيش بالحب والسعادة والحبور، وتجهش بالبكاء فرحةً ودعاءً وحمدًا وثناءً للمولى جلَّت قدرته على عظيم منِّه وكرمه بأن تفضل بهذا الإنعام بعودة باني عُمان وقائد مسيرة نهضتها المباركة وباني إنسانها.
إنها لحظات أبوية حانية ومحطات تاريخية حجزت موقعها وخطت حروفها بأحرف من نور في سجل التاريخ لتضاف إلى تلك اللحظات الأبوية والمحطات التاريخية على امتداد عمر النهضة المباركة، لحظات ومحطات استثنائية تأخذ طابعها الخاص بها، حيث تحت مظلة هذه اللحظات والمحطات الخالدة الاستثنائية تلاقت العقول والقلوب بين القائد الحكيم الذي وعد وأوفى، وبين أبناء شعبه الوفي الذين كانوا دومًا عند ثقته، لحظات ومحطات ضمخت من خلالها تلك النظرات الأبوية لجلالته ـ أبقاه الله ـ المشحونة بالحنان والإرادة والمتسلحة بالأمل والثقة بالله لمواصلة مراحل البناء والتنمية، ودعاء أبناء شعبه الوفي آفاق الوطن العزيز، وعطرت الأرجاء، وروت غلالة شعب ضرب أروع ملاحم الوفاء والولاء والانتماء وأنصع صور التلاحم والتآلف والالتفاف بينه وبين قائده المفدى ـ أعزه الله ـ؛ ملاحم وصور وطنية قد لا يدركها مغزاها ومضمونها إلا من حنَّكته التجارب ووقف على أسباب النجاح في قيام الدول.

إلى الأعلى