السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ذكرى ريشيل كوري .. ومهزلة القضاء الصهيوني!

ذكرى ريشيل كوري .. ومهزلة القضاء الصهيوني!

د. فايز رشيد

” العنصرية هي أحد مظاهر الفاشية, التي عبّرت عن نفسها بظواهر أخرى كالنازية على سبيل المثال وليس الحصر. القضاء الإسرائيلي تابع لسياسات الدولة وهو ليس مستقلا ولا نزيها فيها. لقد سبق وأن أفتى ما يسمى بـ “القضاء العادل” للمخابرات: بجواز تعذيب المعتقلين الفلسطينيين!.”
ـــــــــــــــــــــــــ

الناشطة الأميركية ريشيل كوري, الشابة التي اختارت مساندة المظلومين والوقوف في وجه القتلة لم تعش شبابها مثل الأخريات. اختارت النضال من خلال الانضمام إلى حركة التضامن العالمية(ISM) وجاءت إلى غزة للتضامن مع الفلسطينيين من خلال الوقوف مع أهل مدينة غزة. المناضلة الأميركية ريشيل كوري قُتلت في 16 آذار (مارس) عام 2003 حين داستها جرافة تابعة لقوات الاحتلال في مدينة رفح, عن سبق عمد وإصرار، وهي تحاول منع الجرافات من هدم البيوت الفلسطينية. حقيقة الأمر أن هذه الناشطة هي التي كسبت معركة كبيرة مع الدولة التي تدعي “الديمقراطية”. لقد أصبحت كوري رمزا عالميا للنضال التحرري في العالم أجمع, فقد أثبتت هذه المناضلة والناشطة والمؤيدة للقضية الفلسطينية ولحقوق الشعب الفلسطيني, زيف “ديمقراطية إسرائيل”، وأن هذه الدولة المسخ ليست أكثر من عصابة قطاع طرق، عنصرية في مضمونها وجوهرها، وأن ما يتغنى به الغرب من “ديمقراطيتها” ليس أكثر من خدعة كبيرة، فحتى القضاء(الذي برّأ قتلتها مأمور ومأجور للموساد الصهيوني ولأجهزة المخابرات الأخرى.
العنصرية هي أحد مظاهر الفاشية, التي عبّرت عن نفسها بظواهر أخرى كالنازية على سبيل المثال وليس الحصر. القضاء الإسرائيلي تابع لسياسات الدولة وهو ليس مستقلا ولا نزيها فيها. لقد سبق وأن أفتى ما يسمى بـ “القضاء العادل” للمخابرات: بجواز تعذيب المعتقلين الفلسطينيين!. نعم, العنصرية تتزايد في إسرائيل بمرور الوقت. القضاء ظالم ليس بالنسبة للفلسطينيين أو العرب فحسب, وانما بالنسبة لكل غير اليهود الذين يسمون (بالأغيار). العنصرية ليس لها حدود, ولأنها كذلك: هناك عنصرية إسرائيلية تمارس تجاه اليهود الشرقيين. هذا ما لا نقوله نحن وإنما كتّاب وناشطون سياسيون يهود.
القاضي أوديد غيرشون رفض الدعوى التي رفعها والدا ريشيل ضد قتلة ابنتهما .. برر لسائق الجرافة وللجيش الإسرائيلي عموما, الفعلة البشعة من خلال الإدّعاء بأن السائق لم ير الناشطة، مع العلم أنها كانت تتكلم في بوق مكبر للصوت، وكانت ترتدي ملابس فسفورية، الأمر الذي يجعل من تبرير القاضي، كذبة كبيرة وزيفا وبهتانا مقصودين. القاضي الصهيوني لم يجد إهمالا من قبل السائق وأدعى أن المنطقة التي قتلت فيها، كانت منطقة أمنية محظورة الدخول، في الوقت الذي بيّن فيه محامي المتهمة من منطقة 48 حسين أبو حسين أن لا صحة لذلك، وتحدى الجيش الإسرائيلي أن يظهر الأمر الذي أصدره ,وبموجبه تم اعتبار المنطقة محظورة.
في حينها… من جهته قال الناشط في حركة التضامن الدولية مع الشعب الفلسطيني توم داريل، الذي كان يبعد عشرة أمتار عن راشيل كوري يوم مقتلها: “إن قرار المحكمة يعكس ثقافة طويلة الأمد من الإفلات من العقاب موجودة لدى الجيش الإسرائيلي”. والدا الناشطة الأميركية اللذان حضرا المحاكمة اعتبرا في مؤتمر صحفي لهما :” أن يوم صدور القرار بتبرئة إسرائيل من قتل ابنتهما كان يوما سيئا ليس للعائلة فحسب، بل يوم سيء لحقوق الإنسان والإنسانية وحكم القانون ولدولة إسرائيل”. من جهتها أدانت منظمة العفو الدولية, القرار الإسرائيلي برفض الدعوى واعتبرته ” إصرارا مقصودا على الإفلات من العقاب”.
نعم القضاء “الإسرائيلي النزيه” اعتبر أن موت كوري “كان نتيجة لحادث سببته لنفسها”. هذا الجلاد الصهيوني لا يمكنه أن يكون قاضيا، فهو يوحي فيما ادعاه: بأن الناشطة الأميركية هي التي قتلت نفسها (بمعنى أنها انتحرت!!) ولسان حاله يضيف ” بأنها أرادت إحراج إسرائيل أمام المجتمع الدولي”، ولولا أنها أصبحت متوفاة، لتقدم إليها بلائحة اتهام” بإعاقة عمل الجيش الإسرائيلي في مكافحة الإرهاب” و”بأنها تساند الإرهابيين الفلسطينيين”، وبالتالي: لكان قد حكم عليها ببضعة مؤبدات, كالأحكام التي يصدرها من يسمون “بالقضاة” العسكريين للمحاكم الإسرائيلية على آلاف الفلسطينيين.
الحكم في قضية كوري لم يكن الأول من نوعه، فالقضاة الإسرائيليون سبق لهم وأن برؤوا الجيش الإسرائيلي من جريمة قتل تسعة من الأتراك وإصابة العشرات بجروح في حالة الاعتداء على السفينة مرمرة، التي كانت تحمل مواد غذائية وأدوية وألعاب أطفال للمحاصرين (بفتح الصاد) في قطاع غزة، تبرع بها ناشطون، وأراد بعضهم مرافقة السفينة لتسليم المساعدات إلى شعبنا في غزة. الحكم يذّكر بغرامة القرش التي حكم بها القاضي على الضابط الصهيوني “اسحق شيدمي” الذي وجه الأمر لجنوده بارتكاب مجزرة كفر قاسم في عام 1956، والتي ذهب ضحيتها سبعون فلسطينيا بينهم نساء وشيوخ وأطفال, وأصيب العشرات من سكان القرية بعاهات دائمة نتيجة الجروح (وقد اعتقدهم الجنود متوفين، وإلا لو لم يعتبروهم كذلك لأجهزوا عليهم).
هذا يذّكر بقتل إسرائيل للجنود المصريين الأسرى أحياء في سيناء عام 1967، وبقتل الأسير الفلسطيني صبحي أبو جامع بعد القبض عليه،والتمثيل بجثة الشهيدة الفلسطينية دلال المغربي، فقد أمسك باراك (وزير الحرب الحالي) بالشهيدة من شعرها وخبط وجهها على الأرض (وهي متوفاة) عدة مرّات . ويذكّر بمجزرة قانا والمجازر الفلسطينية وبمذبحة بحر البقر، وقد قال بيريز عن ضحايا قانا “بأنها الحرب” ولم يجر توجيه تهمة لأي من الضباط والجنود الإسرائيليين عن ارتكاب هذه المجازر، كذلك بالنسبة للجنود الذين قاموا بتكسير أيادي وعظام الفلسطينيين بالأحجار والمستوطنين الذين قتلوا مرارا فلسطينيين.
إسرائيل ومن أجل ذر الرماد في العيون تقوم أحيانا بمسرحيات هزلية فتُقدم بعض الجنود للقضاء، ولكن تصوروا الأحكام عليهم: القناص الإسرائيلي الذي اغتال امرأتين في غزة هما :ريا أبو حجاج(64 عاما) وابنتها ماجدة (37 عاما) وهما ترفعان الراية البيضاء أمام الدبابة الإسرائيلية في العدوان على غزة 2008 -2009 ، الذي كان القناص من أفراد طاقمها، حكمت عليه المحكمة بالسجن 45 يوما،وتم استبدالها بغرامة مالية.
كل التحية لذكرى المناضلة ريشيل كوري .. والخزي والعار للكيان الذي اغتالها عن سابق إصرار وترصّد.. وللقضاء الذي برّأ قتلتها.

إلى الأعلى