الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مخالفة أمر الله عز وجل والتنكب عن الاستجابة لداعي الإيمان هو الفساد بعينه وهو الإفساد في الأرض
مخالفة أمر الله عز وجل والتنكب عن الاستجابة لداعي الإيمان هو الفساد بعينه وهو الإفساد في الأرض

مخالفة أمر الله عز وجل والتنكب عن الاستجابة لداعي الإيمان هو الفساد بعينه وهو الإفساد في الأرض

كهلان الخروصي:
إذا أردنا الإصلاح فعلينا أن نُقِيمَ شرع الله حتى تقام تلك المصالح فينتشر الصلاح والإصلاح في هذه الأرض
يجب أن يكون سير الإنسان في هذه الحياة الدنيا على علمٍ وبصيرةٍ وأن يكون موافقاً لحركة هذا الوجود بأسره

إعداد ـ أحمد بن سعيد الجرداني:
أيها القراء الكرام: ونحن نقلب صفحات المعرفة اخترنا لكم اليوم موضوع مهم لطالما أشبع كتابة وخطباً ومشاهدة وهو موضوع الإصلاح في هذه الأرض.
يقول الله تعالى:(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) (البقرة 10 ـ 11) .. وهذا الموضوع ذكره فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة من خلال برنامج:(دين الرحمة) الذي كان تبثه الإذاعة العمانية منذ أعوام مضت فمع المادة بتصرف ..
* حقيقة الإصلاح في الأرض
أخي القارئ الكريم أختي القارئة الكريمة: يقول فضيلة الشيخ الدكتور كهلان الخروصي: موضوع الإصلاح في الأرض من الموضوعات الجديرة بالعناية التي تستحق منا كل اهتمامٍ ودراسةٍ وبحثٍ وفهمٍ عميق، ولو لم يكن من شأن الإصلاح في الأرض إلا أن كل أحدٍ يدعيه مُبطِلاً كان أو مُحِقّاً .. سائراً في طريق صواب الصلاح أو مُجانِباً لها فإن الجميع يَدَّعي أنه مُصلِحٌ في هذه الأرض .. مُحَقِّقٌ للصلاح فيها، وسوف يتبين لنا حقيقة الإصلاح في هذه الأرض.
موضحاً بأن الإصلاح بمفهومه الواسع الشامل، الذي يعني: الصلاح في الأنفس، والصلاح في هذه الأرض التي يحيا فيها هذا الإنسان تشييداً لحضارته، وعمارةً لسبل عيشه فيها، وانتفاعاً بما سخره له ربه تبارك وتعالى في سمواتها كما في أرضها، سبراً لأغوارها، واكتشافاً لأسرارها، وانتفاعاً بكل مقدراتها، واستغلالاً لكل الملكات والطاقات التي أنعم الله عز وجل بها على هذا الإنسان المُكرَّم المخلوق له سبحانه وتعالى حتى يكون صالحاً في نفسه مصلحاً في هذا الكون، سواء من خلال فعله بنفسه فرداً يُسلِّم أمره كله لله عز وجل، ويسير في عيشه في هذه الحياة على هَدي الأنبياء والمرسلين أو كان ذلك من خلال عمل الجماعة من المجتمعات والأمم والشعوب بناءً لحضاراتهم، وعمارةً وإصلاحاً لهذه الأرض، وأداءً لحقوقها عليهم، وأداءً لحقوق الناس الذين يعيشون في هذه الأرض، سواءٌ من خلال المعنويات التي يشتمل عليها هذا المخلوق الذي هو الإنسان أو من خلال الماديات التي يحتاج إليها أو التي رُكِّبَتْ فيه.
* دعوى الصلاح
وقال فضيلته: إن دعوى الصلاح والإصلاح كانت قائمة من قِبَلِ أولئك الذين توجه إليهم خطاب هذا الدين، سواءً كانوا ممن أنكر الألوهية وأنكر الاستجابة تماماً لدعوة خاتم الأنبياء والمرسلين أو كان ذلك ممن أظهر الاستجابة والاستسلام وأبطن الكفر والإشراك بالله عز وجل كما هو شأن المنافقين المُعَرَّضِ بهم في الآيات(11 و12 و13) من سورة البقرة:(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ)، وكون ما يدعو إليه الأنبياء والمرسلون هو الصلاح لأنه من عند الله عز وجل، ولأن الله تعالى حكيمٌ عليمٌ خبيرٌ أراد لهذا الإنسان أن يهتدي في هذه الحياة بما يحقق له المنفعة والمصالح في دنياه، وما يُبلِّغُهُ السعادة والرضا في أخراه فإن الاستجابة لدعوة الأنبياء والمرسلين التي تَحمِلُ هذا الهدى وذلكم النور لا شك هي الصلاح بعينه.
مؤكدا بقوله: وبالتالي فإن الإصلاح والصلاح في هذا السياق بمعنى واحد، فقد يكون الإصلاح الذي هو جَعْلُ الشيء صالحاً لِمَا هو صالحٌ في ذاته، كما أنه يمكن أن يكون بمعنى تحويل الشيء الفاسد إلى صالح، فكلمة الإصلاح تُستَعمل في المعنيين أي ما هو صالحٌ في ذاته أو ما كان فاسداً ثم يُحوَّل إلى أمر صلاح، وسوف نأتي على جملةٍ من الأدلة من كتاب الله عز وجل التي استخدم فيها الإصلاح في الأرض بكلا المعنيين، لكنه ـ كما تفضلتم ـ هو ضد الفساد، فالصلاح ضِدُّ الفساد، وكما أننا نجد آياتٍ كثيرة في كتاب الله عز وجل تدعو إلى الإصلاح وتُبيِّن أن منهج الأنبياء والمرسلين ومن سار على هداهم هو منهج صلاحٍ وإصلاحٍ في هذه البسيطة فإننا نجد طائفةً من آيات كتاب الله عز وجل تُحذِّر من الفساد والإفساد، وتُبيِّن أن مخالفة أمر الله عز وجل والتنكب عن الاستجابة لداعي الإيمان والاهتداء بدعوة الأنبياء والمرسلين هو الفساد في عينه وهو الإفساد في الأرض.
* الدين الأخلاق والقيم
وبين فضيلة الشيخ حول اوجه الإصلاح قائلاً من أوجه الإصلاح التي دعا إليها هذا الدين الأخلاق والقيم ولذلك ما من تشريعاتٍ من تشريعاته من أوامر أو نواهٍ إلا وهو مُكتَنَفٌ بتشريعاتٍ خُلُقِيَّةٍ تُزَكِّي هذا الإنسان، وتسمو به في مراتب الكمالات الإنسانية فوق حظوظ النفس، وفوق قبضة الطين التي خُلِقَ منها لكي يكون بعد ذلك سلوكه وخُلُقُهُ سلوكاً متناسباً مع نفخة الروح التي أكرمه الله عز وجل بها خُلُقاً يتسامى فوق أغراض هذه الحياة الدنيا، ويترفع عن السفاسف والدنايا، فيَظهَر أثره في هذه الحياة رِفْقاً، وحسن خُلُقٍ للآخرين.. وحسن معاملة للآخرين، ورحمةً تتجلى في كل معاملةٍ من معاملات هذا الفرد، وتعاوناً على البر والتقوى، وتآلفاً بين القلوب، واستلالاً لكل أسباب الحقد والبغضاء والعداوة التي يمكن أن تنشأ بين الناس، وتآلف صَفٍّ وجمع كلمةٍ يعززها جملةٌ من الأوامر، وجملةٌ من التشريعات التي جاءت صريحةً في كتاب الله عز وجل، وفي هدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
وقال فضيلة الشيخ الدكتور: ومع كون الإصلاح ظاهراً جلياً في هذا الوجه في ما يتصل بالأخلاق والقيم التي يدعو إليها هذا الدين فإن الإصلاح في الأرض ظاهرٌ جليٌّ في أحكام هذا الدين، فإن كل أحكامه إنما تدعو إلى الإصلاح؛ لأنها تَقصِد إصلاح النفوس، وتهذيب الطباع، وتزكية الأخلاق، وأن يكون سير الإنسان في هذه الحياة الدنيا على علمٍ وبصيرةٍ، وأن يكون موافقاً لحركة هذا الوجود بأسره الذي يُسبِّح بحمد الله عز وجل:(… وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) (الإسراء ـ 44)، فإذاً كل أحكام هذا الدين حينما يَلتَزِمُ بها المسلمون إنما تُحقِّقُ لهم الصلاح في أنفسهم، والإصلاح في هذا الكون؛ لأنها سوف تَنفِي عنهم الفساد والإفساد، وسوف تجعلهم مراقبين لله سبحانه وتعالى .. راغبين في نيل ثوابه .. مبتعدين عن كل ما يؤدي إلى الأذى والضرر والإضرار .. متمسكين في ذلك بنور الله عز وجل الذي أكرمهم به؛ الذي هو القرآن الكريم، ومسترشدين بهدي الوحي الذي خاطبهم به نبيهم محمدٌ (صلى الله عليه وسلم) في سنته القولية والفعلية والتقريرية، لأنه مُتَمّمُ الرسالات السابقة، وما من رسولٍ أو نبيٍّ قبله إلا وقد دعا إلى الإصلاح في الأرض.

* استقامة الإنسان في نفسه
وقال فضيلته: الإصلاح في الأرض فإن ذلك لا يعني أن الإصلاح في الأرض يقتصر على دعوة الآخرين إلى الخير والصلاح، وإنما يبدأ بالنفس، فحسن استقامة الفرد لأوامر الله عز وجل هي في ذاتها إصلاحٌ في الأرض، هي ليست صلاحاً فقط بل هي إصلاحٌ في الأرض؛ ولذلك نجد أن الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم يأمر بالاستقامة، والاستقامة في حقيقتها هي الاستسلام لأمر الله عز وجل والانقياد لأوامره والوقوف عن نواهيه، والرسول (صلى الله عليه وسلم) لما جاءه رجل يستنصحه قال: (قل ربيَّ الله ثم استقم)، والله تعالى يقول: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ ..) (هود ـ 112).
مشيرا إلى أن استقامة الإنسان في نفسه صلاحٌ وإصلاح، نعم يُطلَب منه أن ينشر هذا الإصلاح .. أن ينشر هذا الخير والهدى، وأن يدعو إليه، وأن يُبلِّغَه للناس، لكنه إن لم يستطع ذلك لأي سببٍ كان فلا أقل من أن يكف أذاه عن الناس، وهذا يؤيده حديثٌ من أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الرجل الذي جاء يسأله عن خير ما يقربه إلى الله تبارك وتعالى، فلما قال له:”إيمان بالله” قال: ثم ماذا؟ قال: “جهادٌ في سبيله” قال: ثم ماذا؟ .. حتى إذا ما وصل قال: فإن لم يجد؟ قال: “يكفّ أذاه عن الناس”، والرسول (صلى الله عليه وسلم) يقول:”بحسب امرئٍ من الشر أن يَحْقُرَ أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه”، ويقول: “المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده”.
* إصلاح النفس أولا
وقال فضيلة الشيخ كهلان الخروصي حول الدعوة لإصلاح النفس: أولاً دَعُونَا نتحدث عن هذا الحد الأدنى الذي ـ للأسف الشديد ـ لا يعيه اليوم كثيرٌ من الشباب ومن الفتيات فإذا به بسبب تخليه عن إصلاح نفسه يكون سبباً لإيذاء الآخرين، ولجلب الشر للمجتمع، والضرر لأفراد هذا المجتمع، وما كان ذلك بسبب دعوته إلى رذيلةٍ وإنما بسبب وقوعه في الرذيلة، ولذلك كانت الصورة المقابلة هو أن من كان صالحاً في نفسه فإن صلاحه يسري إلى غيره؛ لأن من صلاحه الذي يتحقق به إصلاح هذه الأرض أن يكفَّ أذاه، وأن يَسلَم الناس من شره ـ من شر يده ولسانه ـ وأن يكون مستقيماً على الصراط المستقيم، وعلى ما يدين به لله سبحانه وتعالى، ولا شك أنه إن تخطَّى بعض العقبات وتَمكَّن من أن يدعو إلى هذا الخير وأن ينشر هذا الصلاح فإن ذلك مزيد خيرٍ، ومزيد إصلاح، لكن نحن لنبدأ بدايةً بهذا الحد الأدنى الذي يتحقق بصلاح الفرد في نفسه بحسن استقامته وبكفِّ أذاه عن غيره وبعبادته لله عز وجل ـ وهذه قضية مهمة ـ عبادته لله تعالى بالعلم وبالحكمة والبصيرة، مما يعني أن عليه أن يتعلم، وأن يعبد ربه تبارك وتعالى، وأن ينفي عن نفسه الجهل الذي يمكن أن يؤدي به إلى إفسادٍ في الأرض.
* العلاقة بين الإفساد في الأرض وقطيعة الرحم
وقال: نجد أن الله تعالى في سورة محمد يربط بين عملٍ ونتيجة ونحن نستغرب من هذه النتيجة (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) (محمد ـ 22)، هذه العلاقة بين الإفساد في الأرض وقطيعة الرحم، إذاً هذا جانبٌ عمليٌّ يمارسه الواحد منا ولا يتصور أن صلته للرحم التي هي من استقامته ومن حسن استقامته هي صلاحٌ وإصلاحٌ في هذه الأرض ولذلك كانت قطيعته للرحم إفسادٌ في الأرض.
مؤكداً بأن الإصلاح لا يعني أن يقتصر سعي الإنسان في هذه الأرض على جانبٍ واحدٍ، لأن أنواع الإصلاح واسعةٌ شاملة، نحن حينما نتحدث ـ وكنا نريد أن نصل إلى هذه النقطة ـ عن الإصلاح في الأرض فإننا نتحدث عن مفردات البيئة التي يعيش فيها هذا الإنسان .. نتحدث عن الموارد الطبيعية التي يحيا بها هذا الإنسان.. نتحدث عن النسل، والمحافظة على النسل الإنساني.. نتحدث عن العِلم الذي يرتقي به هذا الإنسان.. نتحدث عن وسائل المعيشة التي تُسهِّل الحياة لهذا الإنسان، كل هذه هي جوانب مما يدعو إليه هذا الدين لكي يكون فيه الإصلاح والخير والتعاون عليه؛ لأنه من التعاون على البر والتقوى؛ ولأن عكس ما يدعو إليه هذا الدين حينما يتنكب هذا الإنسان عن طريق الهدى والصلاح ويجانب منهج الإيمان بالله سبحانه وتعالى وطريق الأنبياء والمرسلين فإنه لا شك سوف يَنْشُرُ الظلم والبغي والجُوْرِ في هذه الأرض ، وأثر هذه الطباع.. أثر الجُوْرِ ومجاوزة الحدِّ من البغي ومن ظُلْمِ الآخرين لا يقتصر أثر هذه المذمومات من الخصال والصفات لا يقتصر على بني البشر فقط مع عظيم خطورة ذلك على بني البشر إلا أن ذلك سوف ينال البهائم العجماوات .. سوف ينال النباتات وكل الأحياء على هذه الأرض، بل سوف يَظْهَرُ الضرر البالغ على الموارد الطبيعية التي يحيا بها الناس، وعلى مفردات هذه البيئة التي يعيشون فيها، وعلى النُّظُم السكانية التي يحيون بها، وعلى المناهج التعليمية وإلى آخره مما تتسع به الدائرة؛ ولذلك كان سعي كل أحد فيما يتصل بأمر الإصلاح إنما هو بحسب ملكاته، وبحسب تخصصه، وبحسب ما يمكن أن يبدع فيه، وما على هذا الإنسان إلا أن يُخلِص قصده لله تبارك وتعالى، وأن يتزود من العلم النافع الذي يعينه على أداء رسالته، وأن يَعلَمَ أن جهده مهما كان صغيراً لكنه بحسن استقامته هو سوف يكون بإذن الله تعالى سبباً للإصلاح في الأرض، وهذا سوف يُذكِّرنا بحادثة في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أي بعض الأعمال التي يمكن أن يرى الناس أن في ظاهرها مَضَرَّةً لكنها تُحقِّقُ مصلحةً أعم أباحها الشارع لأجل تلك المصلحة الأعم لأن فيها إصلاحاً لنظام الكون، نحن نَعلَم في غزوة بني النضير فالله سبحانه وتعالى أَذِنَ لهم قال:(مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ ..) (الحشر ـ 5) فأمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بتقطيع النَّخل ـ وفي رواية بحرق بعض النَّخل ـ حتى لا تكون سبباً لتقوِّي اليهود الذين نكثوا العهود على المسلمين في حربهم معهم؛ ولذلك أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بقطع النَّخل مراعاةً لإصلاحٍ أعظم، فكان ذلك، أما أبو بكر الصديق ـ رضي الله تعالى عنه ـ فإنه نهى عن قطع النَّخل وعن التحريق إلا بمقدار ما يندفع به أذى المُحارَبين.
واختتم فضيلته قائلا: قد يبدو في بعض التشريعات ـ حتى لا يُعتَرَض علينا ـ بأن في بعض نظام العقوبات في الإسلام شُرِعَ نظام العقوبات لأجل حفظ أمن المجتمع، فأمن المجتمع أولويةٌ أعلى مرتبةً، فلذلك كانت لها التقدمة والأولوية على حساب إيقاع هذه العقوبات بالجُنَاة الذين خالفوا أمر الله سبحانه وتعالى ونشروا في الأرض الفساد، وهكذا يقاس على ذلك جملة من الأحكام الشرعية ومنه استَنْبَطَ أهل العلم قولهم إن شرع الله يكون حيث توجد المصلحة، وقصدهم من ذلك أن في شرع الله مصلحةً وحِكَماً عَلِمْنَاها أو لم نَعْلَمْهَا، فحيث وُجِدَ شرع الله تبارك وتعالى فلنوقن أن هناك مصالح متحققة وما علينا إلا أن نُقِيمَ شرع الله تبارك وتعالى حتى تقام تلك المصالح فينتشر الصلاح والإصلاح في هذه الأرض.
* المصدر: (موقع القبس الالكتروني للشيخ عبدالله القنوبي)

إلى الأعلى