الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في يوم الأرض الفلسطينية

في يوم الأرض الفلسطينية

علي بدوان

تَمُرُّ الذكرى التاسعة والثلاثون ليوم الأرض في فلسطين، والمنطقة العربية برمتها تعيش لحظات صعبة وحرجة، حيث يتواصل الكفاح الوطني الفلسطيني مدعومًا ومسنودًا بحلفائه في مواجهة معسكر الأعداء على اتساعه، وعلى اتساع مشاريعه التي لم تتوقف من أجل تصفية القضية الوطنية التحررية العادلة للشعب الفلسطيني.
تَمُرُّ ذكرى يوم الأرض، والكفاح الفلسطيني يتواصل بالرغم من حدة الهجوم الضاري الذي يَستهدف الأرض والشعب في فلسطين، منذ بواكير الهجمة الاستعمارية الصهيونية، حيث أعلن الفلسطينيون في الثلاثين من شهر آذار/مارس 1976 انكسار وهزيمة مشروع “الأسرلة” الصهيوني لمن تبقى من أبناء فلسطين على أرض وطنهم المحتل في مناطق العام 1948.
وفي العودة للوقائع التاريخية، شكّلت عمليات الترانسفير والتطهير العرقي المسار الرئيسي للحركة الصهيونية التي رأت أن نجاح مشروعها في إنشاء “الدولة اليهودية” على أرض فلسطين، يكمن في طرد المواطنين العرب الفلسطينيين من ديارهم وإحلال موجات اليهود القادمين من كافة بقاع الأرض عوضًا عنهم. حيث استطاعت الحركة الصهيونية وبعد أقل من خمسة عقود من انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية من إنشاء “الكيان الصهيوني” على أنقاض الكيان الوطني للشعب العربي الفلسطيني، وعلى نحو (78%) من مساحة أرض فلسطين التاريخية والبالغة (27009) كيلومتر مربع، مع طرد نحو (850) ألفًا من الفلسطينيين خارج أرض وطنهم التاريخي.
ومنذ تأسيسها، اعتبر ساسة وقادة “الدولة الصهيونية” أن بقاء كتلة سكانية من المواطنين الفلسطينيين فوق أرضهم في المناطق التي احتلت عام 1948 خطرًا عليها، فانتهجت حيالهم إستراتيجية مدروسة، استهدفتهم واستهدفت بقاءهم ووجودهم، كما استهدفت أرضهم، وقامت على التمييز العنصري لدفعهم نحو الرحيل وإفراغ الأرض منهم.
إن فلسفة التهجير القسريّ، التي انتهجتها الحركة الصهيونية لتفريغ فلسطين من سكانها الأصليين, استندت لتوصيات تحدث عنها تيودور هيرتزل في كتابه “الدولة اليهودية”, الذي تحدث عن إمكانية تهجير الفلسطينيين من وطنهم إلى الدول المجاورة وتشجيع الاستيطان اليهودي، وتسهيل سيطرة اليهود على الأرض تمهيدًا لبناء “الدولة اليهوديّة”، حيث سعى خلفاء (تيودور هيرتزل) بكل السبل للتخلص من الفلسطينيين, عبر الإرهاب المنظم وارتكاب المجازر في عشرات المدن والقرى الفلسطينية قبل وأثناء وبعد نكبة العام 1948.
وبعد أن حققت الحركة الصهيونية نجاحًا في تكوين عصابات عسكريّة أرهبت الفلسطينيين قبل العام 1948 وصلت إلى نتيجة تقضي بضرورة وضع مخطط شامل للترحيل والتطهير العرقيّ للفلسطينيين عُرِفَ بـ”خطة دالت” (الخطة الرابعة) قبل الإعلان عن قيام الكيان الصهيوني تحت اسم دولة “إسرائيل”. وهدفت الخطة آنذاك إلى تنفيذ تطهير عرقيّ وتهجير الفلسطينيين من معظم القرى والمدن التي احتلتها بالقوة, وخلق أجواء رعب وخوف لدفع المواطنين الفلسطينيين للخروج من وطنهم.
وهكذا شهد التاريخ المعاصر للبشرية، أكبر عملية تفريغ وهدم وتهجير وتطهير عرقي بموجب هذه الخطة المسماة خطة (دالت أربعة) والتي أشرف على تنفيذها عتاة القادة الصهاينة مثل (ديفيد بن جوريون، ليفي اشكول، جولدا مائير، اسحق رابين، ايجال آلون….). فقامت على أنقاض الشعب الفلسطيني “دولة إسرائيل” التي تعتبر الدولة الوحيدة في العالم التي قامت بالقوة وباستيراد البشر من كل مكان واستيطانهم بعد إجلاء وسلب الأرض من أصحابها الشرعيين.
في السياق ذاته كان الجنرال إسحاق رابين قد كشف في كتابه (ملف خدمة) وقائع طرد أبناء الشعب الفلسطيني من على أرضهم، حيث كان رابين ضابط عمليات قوات البالماخ الصهيونية (الصاعقة) التي احتلت وسط فلسطين في منطقة اللد والرملة، وأشرف رابين شخصيًّا على طرد أكثر من (80) ألف فلسطيني بالمذابح وقوة النار. وفي الوقت الذي قاد فيه/إيجال ألون/حملته على لواء غزة وبئر السبع ولاحقًا لواء الجليل ومدينة صفد، بعمليات الترانسفير التي تواصلت على امتداد الأرض الفلسطينية عشية نكبة 1948.
وفي الحديث المباشر عن الأرض الفلسطينية، وعن عمليات التهجير والإجلاء القسري للفلسطينيين عن أرض وطنهم عام 1948، والاستيلاء الكامل على أملاكهم، فضلًا عن إعلان قيام الدولة الصهيونية على أجزاء واسعة من أرض فلسطين، من المهم الإشارة إلى بعض التقديرات التي كان قد أعدها وزير الخارجية الإسرائيلي /موشيه شاريت/ عام 1951 في جلسة الحكومة في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر العام نفسه، حين أشار شاريت إلى أن تقديرات قيمة الممتلكات الثابتة فقط وغير المتحركة للاجئين الفلسطينيين البالغ عددهم آنذاك (805,69) ألف لاجئ آنذاك تفوق مليار دولار وفق السوق المالية للعام المذكور، وبأرقام اليوم فإن الحديث يدور عن ستة مليارات من الدولارات قيمة الممتلكات المتحركة فقط دون احتساب الفوائد.
ويعلل شاريت تقريره المذكور لعام 1951، استنادًا لما قدمته لجنة التوثيق التابعة للأمم المتحدة والمشكلة من دبلوماسيين من فرنسا وتركيا والولايات المتحدة، وهي اللجنة التي أقيمت وفق قرار الأمم المتحدة في (11/10/1948) وعقدت اجتماعاتها في لوزان ولندن وباريس.
وكان على اللجنة أن تعمل على تنفيذ قرار الأمم المتحدة وحل قضية اللاجئين بعودتهم إلى وطنهم فلسطين. واستنادًا إلى موقف اللجنة أنشأت الأمم المتحدة وكالة الإغاثة الدولية، لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إلى حين عودتهم وتنفيذ القرار اللاحق الذي حمل الرقم 194.
ومن أجل الحصول على المعطيات الدقيقة بخصوص الخسائر المباشرة التي دفعها الفلسطينيون، إضافة لنكبتهم وتحويل كيانهم الوطنية إلى أنقاض، يمكن العودة إلى الملف الدولي رقم 245 للاجئين الفلسطينيين الصادر في لندن عام 1993، حيث نلحظ بوضوح الحجم الكبير من الخسائر المادية والمعنوية التي أصابت الشعب الفلسطيني جراء نكبة 1948، واستنادًا إلى المصدر ذاته فإن مجموع ما امتلكه اليهود من أرض فلسطين عام 1921 مثلًا لم يتجاوز (660) ألف دونم من الأرض، وهم يمثلون (10,7%) من السكان (90,9 ألف نسمة)، بينما امتلك المواطنون الفلسطينيون (26,94) مليون دونم من الأرض، وهم يمثلون (89,3%) من السكان (758 ألف نسمة). في حين كان عدد سكان فلسطين في أيار/مايو 1948 قد بلغ (2,11500) مواطن، منهم (1,38000) مواطن عربي و(700.000) يهودي معظم من القادمين توًا إلى فلسطين وفق إحصاءات سلطات الانتداب البريطاني.
ووفق الوثائق البريطانية والملف الدولي للاجئين رقم (245) الصادر في لندن عام 1993، ففي عام 1947، وقبل تقسيم فلسطين كان عدد سكان فلسطين مليون و(450) ألف نسمة من المواطنين العرب الفلسطينيين، وبملكية عربية للأرض الزراعية والعقارية تتجاوز مساحتها (26,5) مليون دونم، ونحو (450) ألفًا من اليهود بملكية لا تتجاوز (95) ألف دونم من الأرض، ومنهم (152) ألف يهودي عاشوا مع الشعب الفلسطيني وحملوا الجنسية الفلسطينية والعدد الباقي (498) ألف دخلوا إلى فلسطين خلال مرحلة الانتداب البريطاني.
وبعد قرار التقسيم وبفعل الهجرة اليهودية تحت رعاية وإشراف سلطات الانتداب البريطاني في حينها، أصبح اليهود يُشكّلون (23%) من السكان، والعرب (67%)، بملكية عربية تبلغ (25) مليون دونم. أما الأرض التي تم استملاكها من قبل اليهود بعد تقديمها لهم من قبل سلطات الانتداب البريطاني للوكالة اليهودية، وهذا ما يشير إليه ملف المفوضية البريطانية في القدس والملف الدولي للاجئين رقم (245) الصادر في لندن، حيث بلغت مساحة هذه الأرض (581) ألف دونم من إحدى عشرة مدينة.

إلى الأعلى