السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ليس توديعا… وإنما استفتاء

ليس توديعا… وإنما استفتاء

احمد صبري

عندما نذكر مسيرة الراحل الشيح حارث الضاري فإننا نستحضر مواقفه الوطنية التي لم تتغير منذ الاحتلال وحتى رحيله رغم تعرضه للإغراءات وحملات التشويه للتأثير على مواقفه إزاء ما نتج من جراء الاحتلال، وهذه الحملات لم تنل من عزيمته وتمسكه بمواقفه الوطنية وظل صامدا ومتمسكا بالمشروع الوطني العابر للطائفة والعرق.
لقد تعرفت على الراحل حارث الضاري مذ كان يتخذ من جامع أم القرى ببغداد مقرا لنشاطه، وأجريت معه عدة لقاءات صحفية نشرت في كبريات الصحف العربية وحتى في غربته خارج العراق، وعند كل لقاء أكتشف أن الرجل متمسك بثبات مواقفه لم تهزه الريح، وبقي صامدا رغم حراب الاحتلال وأدواته.
وما عزز من مكانة الراحل في الفعل المقاوم للاحتلال اضطرار السفير الأميركي في العراق حينذاك نجرمونتي إلى زيارة الشيخ الضاري في مقره بجامع أم القرى في محاولة لاستمالته لتخفيف مواقفه الداعية لمقاومة الاحتلال لتهدئة الأوضاع ووقف سعير المقاومة العراقية التي كانت تقلق المسؤول الأميركي وحكومته.
ومواقف الضاري إزاء الاحتلال ومقاومة مشروعه الطائفي تحولت إلى منهاج عمل لكل المتطلعين إلى عراق موحد غير قابل للقسمة والتجزئة باعتباره رافعا لواء مناهضة الاحتلال وأدواته التي أوصلت العراق إلى الحال يتخبط به منذ الاحتلال حتى الآن.
والفقيد حارث الضاري سليل عائلة وطنية مقاومة قدمت للعراق وقضيته العادلة أغلى التضحيات تجسيدا لدورها في مسيرة العمل الوطني ما أكسبها ثقة الجمهور بصدقية مواقفها.
وما زاد من مكانة وأهمية الراحل ودوره الوطني وعمق علاقته بالقوى الوطنية تعداها إلى دول الجوار العربي والخليجي الانشغال الشعبي برحيله والإجماع الوطني من خلال مشاركة آلاف العراقيين في الأردن حيث ووري جثمانه الثرى، فضلا عن إقامة مجالس العزاء في عدة عواصم عربية وإسلامية كرست لتأبين الراحل وإظهار مناقبه الوطنية.
هذا الإجماع الشعبي في توديع الضاري أظهر دوره الوطني وتجسيده عبر إيمان العراقيين بمنهجه الوطني، حيث تحولت جنازته إلى استفتاء على ثبات مواقفه التي بقيت عنوان مسيرة رجل أجمع العراقيون على محبته كرمز جامع لوحدتهم وتطلعاتهم بعراق موحد خال من قيود الطائفية والتبعية وقوانين الاحتلال الإقصائية.
إن المبادئ والقيم الوطنية التي ضحى من أجلها الضاري وأفنى عمره من أجل تحقيقها ستبقى نبراسا وعونا لرفاقه الذين سيحملون الراية من بعده، ويسيرون على نهجه، وما يدعونا للاطمئنان والثقة أنهم على الدرب سائرون.
لقد كان الفقيد جامعا وموحدا ومظلة لكل القوى الوطنية في حياته ورحيله وهذا يتطلب ممن يحمل الراية من بعده أن يستمرئ حالة الإجماع الوطني حول مبادئ وقيم الراحل الكبير بتحويلها إلى فعل على الأرض عبر اصطفاف وطني جامع يستوعب القوى العراقية التي رأت في الضاري عنوانا لوحدتها وصمودها وأملها في إنقاذ العراق من محنته والحفاظ على عروبته وهويته العربية وعمق ارتباطه بمحيطه العربي.
وبقدر ما كانت الخسارة موجعة بفقد رمز كبير من رموز المقاومة العراقية الوطنية فإننا على ثقة أنها بذات الوقت ينبغي أن تكون حافزا للقوى الوطنية لتوحيد صفوفها عبر مشروع وطني جامع يستند إلى خارطة طريق تفضي إلى إخراج العراق من محنته ليعود موحدا وسندا لأمته ومشروعها القومي المناهض للتبعية والهيمنة.
وما تركه الفقيد من إرث وطني كفيل بمساعدة من يسعى لتحقيق هذا الهدف النبيل الذي يسمو على الخلافات والتخندقات التي أضرت بالمشروع الوطني وفتحت شهية القوى الطامعة بأرض العراق وثروته ووحدته والمصير المشترك بين مكوناته.

إلى الأعلى