الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تونس ربما تقدم نموذجا للنجاح للشرق الأوسط

تونس ربما تقدم نموذجا للنجاح للشرق الأوسط

الهجوم الإرهابي المأساوي في المتحف الوطني باردو في تونس وضع تونس على الخريطة مرة أخرى، ولكن لأسباب خاطئة. على الرغم من أن الأمة تواجه تهديدات إرهابية خطيرة من العنف غير المباشرة في ليبيا، وتجنيد مقاتلين للدولة الإسلامية وجماعات تنظيم القاعدة، فمن المهم أن لا يظن الغرباء أن تونس باتت أخرى عربية فاشلة على حافة الفوضى.
بدلا من ذلك، يجب أن ندرك أن تونس يمكن أن تقدم نموذجا مختلفا تماما لمنطقة الشرق الأوسط، دولة تقدر التعددية والتنمية وعازمة على مواجهة التطرف.
ومن المؤكد أن تونس لديها طريق طويل لتقطعه لترجمة هذه التطلعات إلى واقع ملموس. فلدى مغادرتي مطار تونس مؤخرا، مرت سيارة الأجرة التي ركبتها بعشرات المباني نصف مكتملة. وأستطيع القول إنه في نواحٍ كثيرة هذا ما يميز المزاج العام في البلاد تماما ـ ثورة نصف مكتملة.
ومع ذلك، هناك شعور بالتفاؤل والاعتزاز أن أول دولة في الربيع العربي هي الدولة الوحيدة المتوقع استكمالها للتحول السياسي الديمقراطي بنجاح. وأدت الانتخابات البرلمانية والرئاسية في أواخر عام 2014 إلى تشكيل حكومة ائتلافية شاملة، تهيمن عليها الكتلة العلمانية نداء تونس، وحزب النهضة الإسلامي. وعلى الرغم من أن النهضة يحتفظ فقط بمنصب وزاري واحد، فإنه لا يزال يوافق على الانضمام للحكومة بدلا من البقاء كحركة معارضة. فقد تعلم الدروس من الحكم الكارثي لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، عندما قرر النهضة عدم الدفع بمرشح للرئاسة.
إن العملية السياسية لا تزال هشة، ولكن، وهناك العديد من الشقوق بين وداخل الفصائل السياسية والأيديولوجية المتنافسة. ولكن نجاح الانتخابات يتيح فتح باب للقادة الجدد في تونس لوقف الانقسام والعنف والتحرك نحو النمو والتنمية. وهناك شعور بأنه إذا يستغل التونسيون هذه اللحظة، فإنهم قد لا يحصلون على فرصة العودة إلى المسار الصحيح. لسوء الحظ، قد يكون هذا السبب بالذات هو الذي يجعل تونس هدفا جذابا للمتطرفين الذين يعارضون الديمقراطية والتنمية.
التونسيون يأملون أن يوفر الانتقال السياسي السلمي على مدى الأشهر القليلة الماضية فرصة لتغيير الأمور بعد أربع سنوات مضطربة. ويأتي جنبا إلى جنب مع هذا التفاؤل مخاوف واسعة النطاق من أن الإنجازات السياسية لن تصمد إلا إذا لم يقدم الزعماء شيئا بسرعة إلى الناس. وعلى حد قول أحد المتحدثين في مؤتمر حضرته فإن تونس شهدت ثورة سياسية، ولكن الثورة الاقتصادية لم تبدأ بعد. فبدون التنمية الاقتصادية والاستثمار، فإنه سيكون من الصعب جني مكاسب سياسية في تونس وبناء ديمقراطية مستدامة في العالم العربي.
التحديات هائلة. والبطالة لا تزال أعلى مما كانت عليه قبل ثورة عام 2011، حيث تصل إلى 40 في المئة في بعض الأجزاء الأقل نموا والأقل حظا بتونس. والهياكل الاقتصادية القديمة التي تسيطر عليها الدولة تراوح مكانها، مع استمرار المخاوف من الفساد وانخفاض الإنتاجية. كما أن المخاوف بشأن الاستقرار لا تزال تهدد الاستثمار. حتى قبل الهجوم على متحف باردو، وعدم الاستقرار في ليبيا والمخاوف بشأن تهديد المتطرفين من الداخل جعل من الصعب جذب المستثمرين وجذب السياح.
على الصعيد الأمني، لقد صممت القوات التونسية للتوجه إلى الداخل لحماية النظام الاستبدادي للرئيس السابق زين العابدين بن علي، الذي حكم البلاد لأكثر من 20 عاما. فتونس لم تواجه تهديدا كبيرا خارجيا تقليديا. ولكن الآن أصبح اندماج التهديدات الخارجية والداخلية أكبر من أي وقت مضى، الأمر الذي يتطلب إعادة هيكلة قوات الأمن التي لم تتطور بشكل ملحوظ منذ الثورة. وسوف تتطلب إصلاحات قطاع الأمن الموازنة بين المخاوف الأمنية مع الحفاظ على المجتمع المدني والحريات الأساسية. وهذا التوازن أصبح فقط أكثر صعوبة في أعقاب الهجوم باردو، إذ إن الأولوية ستتحول حتما نحو الاستقرار.
وبالتالي فإن تونس تواجه لحظة حرجة، وقادتها يدركون أنهم بحاجة إلى تصحيح الأوضاع. ويتعين على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي تصحيح الأوضاع أيضا. وهذا يعني مواصلة تقديم الدعم الاقتصادي إذا كان يراد لتونس أن تحقق غايتها من الصفقة.
إن الدعم الأميركي الرسمي، الذي كان مترددا في الماضي، يبدو الآن قويا بعد أن قام وزير التجارة الأميركي بيني بريتزكر وكبار المسؤولين الأميركيين مؤخرا بزيارة تونس، وكشف النقاب عن مجموعة من المبادرات الاقتصادية لتشجيع الاستثمار الأميركية والنمو إذا طبق القادة التونسيون الإصلاحات المالية والاقتصادية الرئيسية.
تونس لديها فرصة إثبات أنها نموذج مختلف في المنطقة يمكن أن ينجح، وهذا نموذج من الدمج والتسامح والازدهار الاقتصادي. إنها لديها الكثير من العمل قبل ذلك، ولكن الرؤية موجودة هناك.
لا شيء يمكن أن يتحدى تطرف تنظيم داعش والمسلحين الآخرين أكثر من تقديم نموذج بديل ناجح. وفي حين لا تزال الولايات المتحدة مستمرة في الاعتماد على الأدوات العسكرية على حساب عوامل التأثير السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط، فإن تونس تتيح الفرصة لتحقيق توازن أفضل. فالآن هو الوقت المناسب لمضاعفة الجهود ومساعدة تونس على النجاح.

داليا داساكاي مدير مركز السياسة العامة للشرق الأوسط وأستاذة العلوم السياسة بمؤسسة راند، خدمة “ام سي تي” ـ خاص بـ”الوطن”

إلى الأعلى