السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / قضايا / عاد إلى الواجهة من جديد .. لن يكون الجولان أرضا منسية
عاد إلى الواجهة من جديد .. لن يكون الجولان أرضا منسية

عاد إلى الواجهة من جديد .. لن يكون الجولان أرضا منسية

زهير ماجد

مقدمة:
كنت كلما ذهبت إلى دمشق أقصد طبيب العيون زياد باغ لأسمع منه آخر اخبار الجولان باعتباره ابنه البار .. عرفت ان اهالي الجولان يشكلون عددا لا بأس به في العاصمة السورية خصوصا وربما في باقي المحافظات .. تلك البقعة الحبيبة إلى سوريا ذات موقع جغرافي يحسد عليه أهلها، نظرا لطبيعتها ولموقعها وطيب مناخها وخيراتها الزراعية وخصوصا تفاحها الموصوف بطعمه اللذيذ اضافة إلى مائها الزلال.
ــــــــ
حين كان احد الصحافيين يحاور الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد حول الجولان، تفاجأ هذا الصحافي بكلام الرئيس وهو يحدد موقع الجولان في قلب سوريا وليس على حدودها، لم يفقه الصحافي المعنى في البداية، لكن الرئيس السوري الراحل كان يعني ما يقول، وهو العروبي الذي كان قياديا في حزب قومي والذي بالنسبة له فإن حدود سوريا ليست جغرافيا كما هي اليوم، بل تشمل بلدانا عربية، ولذلك تقع الجولان في وسطها.
اكتب عن هذه البقعة العربية المهمة في ظروف تطور الأمور فيها وحولها، وأخص بالكتابة الهجوم الصاعق الذي قام به الجيش العربي السوري لاستعادة الاراضي المحيطة بالجولان بعدما غدر احد الضباط السوريين بها وقام بتسليمها الى جبهة ” النصرة ” الارهابية مقابل مبلغ كبير من المال .. لكن الأهم ايضا، تلك العلاقة المشؤومة بين تلك الجبهة وبين اسرائيل التي في رأس ظنون قادتها انهم واصلون حتما إلى اقامة حزام امني يكون بمثابة المتراس للجيش الاسرائيلي هناك.
لكن لا أمل للعدو الصهيوني بأمر كهذا، لن تقبل القيادة السورية وكذلك جيشها المغوار بالوصول إلى نتيجة كان لها شبيه في جنوب لبنان ثم تحولت إلى مقبرة لجيش اسرائيل وعملائها .. ومثلما سقط ما يسمى جيش لبنان الجنوبي بالضربة القاضية في العام 2000، سيمنع الجيش العربي السوري ” النصرة ” من تحقيق هذا الأمل بإقامة الحزام ذاك في منطقة الجولان، الذي قال عنه الرئيس الراحل حافظ الأسد ذات مرة انه سيكون كارثة على اسرائيل.
حرب العام 1967
في حرب كل ما فيها مثار شكوك وكذلك نتائجها، سقط الجولان بيد اسرائيل اثر الهزيمة العربية المرة عام 1967 .. منذ تلك الأيام السوداء ومعاناة الجولانيين كبيرة وعميقة، ابرزها رفضهم للهوية الاسرائيلية، ومحاولة بعضهم الدائمة من ممارسة العمل العسكري المسلح ضد القوت الاسرائيلية .. انتجت تلك الحرب واقعا جديدا ابرزه النازحون الجولانيون الذي يعيشون في دمشق ودرعا وضواحيهما، وبرغم السنوات الطويلة التي فاقت الاربعين عاما من الاحتلال والاغتصاب، الا انه ما زالت حلم اولئك الذين ولدوا وكبروا في التجمعات السكانية المكتظة التي تحوي عائلات جولانية من اصول مختلفة بيئيا واجتماعيا ومتعدد قوميا .. ومن اسف القول ان قضية النزوح غابت كليا عن الإعلام العربي باستثناء مؤتمر الجولان الذي عقد عام 2007 في مدينة القنيطرة عاصمته، بالإضافة إلى ذكر هامشي ويتيم لهذه القضية في مسلسل سوري حمل اسم رجال الحسم في العام 2009 .
عدد قرى الجولان قبل الاحتلال الإسرائيلي 164 قرية و146 مزرعة، اما عدد القرى التي وقعت تحت الاحتلال فبلغت 137 قرية و112 مزرعة اضافة الى القنيطرة .. دمر الاحتلال الاسرائيلي 131 ثرية و12 مزرعة ومدينتين. وكان عدد سكان الجولان قبل حرب يونيو 1967 نحو 154 الفا عاش 138 الفا منهم في المناطق الواقعة حاليا تحت الاحتلال، هرب اكثر من 131 الفا ودمرت قراهم وبلغ عددهم حاليا 800 الف نسمة يعيشون في دمشق وضواحيها، وبقي 8 آلاف في القرى الخمس الباقية، ويبلغ عددهم حوالي عشرين الفا .. عام 1974 تم تحرير القنيطرة اثر حرب العام 1973، ولكن المدينة ما زالت آثار الهدم فيها على ما هي عليه بعدما كانت اعلنت الحكومة السورية رفضها الترميم ان لم تنسحب اسرائيل الى خط 4 يونيو.
فقد دمرت اسرائيل القنيطرة بشكل متعمد في الايام التي سبقت انسحابها منها ،. وظلت الى الآن على ما هي عليه من دمار واضح في كل جنباتها .. لكن القنيطرة كانت قبل يونيو 67 المركز الاداري والتجاري لمنطقة الجولان، استخدم الجيش الاسرائيلي المدينة كساحة لتدريب قواته واماكن لجنوده في مبانيها المهجورة. وعام 1981 قامت اسرائيل بضم الجولان اليها وكان رئيس الوزراء الاسرائيلي حينذاك مناحيم بيجن قد قاد حوارا ساخنا مع احد النواب الاسرائيليين حيث قال له انت تستخدم كلمة ضم انا لا استخدمها، واضاف بيجن قائلا ان القرار لا يغلق الباب امام مفاوضات اسرائيلية سورية، وبرغم عدم استعمال كلمة ضم في نص القرار فسرته السلطات الاسرائيلية كأنه امر ضم الجولان الى اسرائيل وبدأت تتعامل مع المنطقة كأنها جزء من محافظة الشمال الاسرائيلية .. رغم ذلك لم تعترف الامم المتحدة بالقرار الاسرائيلي وتم رفضه في 17 ديسمبر من العام ذاته، وتشير وثائق الامم المتحدة الى منطقة الجولان باسم منطقة الجولان السوري المحتل .. وقد اكد مجلس الأمن في قراره ان الاستيلاء على اراض بالقوة غير مقبول بموجب ميثاق الامم المتحدة واعتبر قرار اسرائيل ملغيا وباطلا ودون فعالية قانونية على الصعيد الدولي، وطالبها باعتبارها قوة محتلة ان تلغي قرارها قورا، مع ذلك لم يفرض مجلس الامن العقوبات على اسرائيل بسبب قرار ضم الجولان، .. من الناحية العملية ادى قانون الجولان إلى الغاء الحكم العسكر في الجولان ونقل صلاحيته للسلطات المدنية .. تبلغ المساحة التي ضمتها اسرائيل 1200 كيلومتر مربع لكنه يمثل اكثر من 14بالمائة من مخزونها المائي .. وهكذا يطمع الاسرائيليون بهضبة الجولان لأنهم يرون اهمية كبيرة في السيطرة عليها لما تتمتع به من موقع استراتيجي .. فبمجرد الوقوف على سطح الهضبة، يستطيع الناظر تغطية الشمال الشرقي من فلسطيني المحتلة بالعين المجردة بفضل ارتفاعها، وكذلك الأمر بالنسبة لما تكشفه من الأراضي السورية كلها تقريبا حتى حدود العاصمة دمشق .. في الجولان اليوم محطات انذار عسكري يعرف الجميع موقعها ودورها في التجسس وفي التشويش.
/// السياسة الاسرائيلية
ظلت الجولان عصية على الهضم الاسرائيلي رغم الظاهر الذي يقول بأنها عكس ذلك، وكثيرا ما قاوم الجولانيون عملية الضم تلك، وقامت على اثره عمليات فدائية تم اسر من تمكنت اسرائيل من وضع اليد عليه .. وفي حين ظل الجولان عرضة للصمت، الا ان أبرز المؤتمرات التي طرح فيها مصير الجولان كان مؤتمر مدريد الذي عقد في العام 1991، وجاء مباشرة بعد عملية تحرير الكويت من الاحتلال العراقي لها.
فلقد اتسمت السياسة الاسرائيلية قبل هذا المؤتمر بالتشدد في رفض فكرة الانسحاب من الجولان وذلك من خلال المبادئ الايديولوجية للصهيونية التي يلخصها شعار “ارضك يا اسرائيل من الفرات إلى النيل”، (بالطبع هذا الشعار تم تقويضه نهائيا بعد الحروب التي خيضت مع حزب الله، واعترف رئيس وزراء اسرائيل السابق اولمرت بأن هذا الشعار لم يعد موجودا، فيما اكد امين عام حزب الله حسن نصرالله انه حتى اسرائيل الصغرى بات مشكوك ببقائها) اضافة الى اعتبارات اخرى التي تلخصها روايتها لاهمية المنطقة. وكانت اسرائيل تصر على التمسك بالجولان حتى في ظل مشاريع التسوية السلمية قبل مؤتمر مدريد ونذكر في هذا الاطار تصريحات عديدة للمسؤولين الاسرائيليين كما قال ابا ايبان وزير الخارجية الاسرائيلي الأسبق انه من الضروري ان تبقى الجولان في ايدينا. وفي عام 1976 قال رئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق رابين لوزير الخارجية الاميركي كيسنجر “ان عمق سيطرتنا في ابعد مكان عن الحدود الدولية هو اقل من 29 كيلومترا، ولا اريد خلق توقعات فارغة اذ انه حتى مقابل الغاء حالة الحرب فإننا لا نستطيع الانسحاب من الهضبة إلى مسافة كبيرة ولن ننزل من هضبة الجولان حتى مقابل سلام كامل وقد وعدتمونا بعدم الضغط علينا في هذا الموضوع”.
هذه النظرة إلى الجولان لم تختلف لدى الحكومة الاسرائيلية التي تسمى سواء كانت يمينية او يسارية، فالنظرة واحدة مع اختلاف ظروفها ومتطلباتها، وهذا يمنع من القول ان الحكومات اليمنية كانت اكثر تشددا حول مستقبل الجولان، اذ بعد اربع سنوات من التحول الذي حدث في اسرائيل طبق مناحيم بيجن وحكومته اليمينية عام 1981 القانون الاسرائيلي على الجولان، وانتهجت اسرائيل موقفا صعبا يقضي ان اي اتفاق سلام مع سوريا ينبغي ان يكون قائما على اساس بقاء اسرائيل في الجولان.
عندما عقد مؤتمر مدريد اذن في التاريخ الذي خرجت فيه الولايات المتحدة منتصرة في معركة تحرير الكويت، وحين رفض الاسرائيليون الحضور في البداية إلى ذاك المؤتمر الذي دعا اليه الرئيس بوش الأب آنذاك، اتخذ موقفا صارما من الكيان العبري واوقف المعونات المالية آنذاك اضافة الى شحن الاسلحة ايضا، فعدل الاسرائيليون عن موقفهم وجاؤوا الى المؤتمر حتى قال بعض الصحافيين في وقته اننا جلبنا الى المؤتمر بالسوط. وفي مذكرات نائب الرئيس السوري الحالي فاروق الشرع اشارة مهمة الى حديث دار بين الرئيس بوش الاب وبين الرئيس حافظ الاسد قبل ذاك المؤتمر “تحدث فيه بوش عن عملية السلام التي ينوي التركيز عليها بعد اخراج صدام من الكويت والمح الى صعوبة العامل مع اسحاق شامير رئيس وزراء اسرائيل آنذاك، وقال ان شامير ينتقدنا لانه لا يفهم ان اخراج الجيش العراقي من الكويت سيزيل من طريقه عدوا استراتيجيا لا يستهان به” .. وفي ذاك اللقاء ايضا تحدث ” الرئيس بوش عن اهتمام الادارة الاميركية بالسلام في الشرق الاوسط وانه قد يفكر بعقد مؤتمر دولي على الرغم من اصرار اسرائيل ان يكون المؤتمراقليميا، واكد انه لا يوافق على تدخل شامير بالصراع الجاري ضد العراق ولا باستمرار احتفاظه بالجولان السوري المحتل وسيسعى لتطبيق قراري الامم المتحدة 242 و338 كأساس للتسوية”.
عقد المؤتمر في مدريد العاصمة الاسبانية في 30-10-1991 على اساس قراري مجلس الامن الدولي 242 و338 اي تحت شعار مبدأ الارض مقابل السلام .. وبينما رحب الجانب العربي بالمبادرة الاميركية السوفياتية حاولت اسرائيل ان تتغاضى عن المرجعية الاساسية لهذه المبادرة دون ان تتمكن في الوقت نفسه من رفض مساعي السلام حتى لا تتهم بأنها هي العقبة التي تحول بين السلام والمنطقة .. وقد توقعت في السابق ان تأتي كلمة لا من الجانب العربي وكانت قد اعتادت على ان يرفض العرب دائما كما فعلوا كثيرا في السابق. بينما تتجنب هي من الناحية السياسية والاعلامية الوقوف بمواقف الرافض لمفهوم السلام .. لقد بنت اسرائيل مواقفها على اساس افكار صهيونية توراتية، واستنادا لتلك العقيدة التوراتية لم يشر رئيس الحكومة الاسرائيلية آنذاك اسحق شامير خلال مؤتمر مدريد إلى قضية الاراضي العربية المحتلة الا من قبيل تأكيد حاجة اسرائيل لها. ومما قاله في افتتاح مؤتمر مدريد ” اننا نعلم ان شركاءنا في المفاوضات، (وهم العرب) سيقدمون لإسرائيل مطالب بشأن الارض ولكن كما هو واضح من فحص التاريخ الطويل للصراع العربي الاسرائيلي فإن طبيعته لا تتعلق بالأراضي، اننا امة من اربعة ملايين شخص، والامة العربية من المحيط الاطلسي إلى الخليج العربي عددها 170 مليونا (كانت آنذاك) ونحن نسيطر على 28 الف كيلومتر مربع فقط، فيما يمتلك العرب رفعة من الاراضي تبلغ 14 مليون كيلومتر مربع، ان القضية ليست الارض وانما هي قضية وجودنا.
هذا كان رأي حزب الليكود اليميني في اسرائيل، عندما نجح حزب العمل الاسرائيلي في تولي السلطة في اسرائيل، حاولت الحكومة الاسرائيلية ان تعدل من سياسة سلفها لكن دون ان يخرج ذلك من اطار المناورات والمماطلات ومحاولات الاستفراد بالعرب .. كان اسحق رابين رئيس حزب العمل من المتحمسين لانجاز الحكم الذاتي للفلسطينيين، وتأجيل الاتفاق مع سوريا الى مرحلة لاحقة، لكن مع بداية الجولة السادسة من المفاوضات رأت اسرائيل ان هناك مرقفا مفاجئا من سوريا وتحولا يفرض على اسرائيل التجاوب مع المعطيات الجديدة بجدية كبيرة لعدم تفويت الفرصة .. لكن الجولان يثير في اسرائيل مسائل متعددة الاهمية، في مقمتها مسألة الأهمية الاستراتيجية من الوجهة العسكرية ومصير المستوطنات فيها، ومكانتها القانونية الناشئة حيث اصدر الكنسيت الاسرائيلي عام 1981 قرارا بتطبيق القانون والادارة والقضاء على الهضبة والذي فسر بأنه ضمم للجولان .. بدأت التحولات والتغيرات والنقاشات الاسرائيلية حول الجولان حيث كانت بدايتها في جلسة لجنة الخارجية والأمن في الكنيست الاسرائيلي، ومما قاله بيريز في هذه الجلسة ان دخول الاسلحة الحديثة وغير التقليدية الى المنطقة لا يترك لاسرائيل وسوريا خيارا سوى اتفاق السلام، وتوالت بعدها التصريحات التي تطالب بتعديل العمق الاستراتيجي في العقيدة القتالية الاسرائيلية الى المطالبة بالانسحاب اضافة الى تصريحات تبطل القانون الاسرائيلي على الجولان وتعترف بهوية الجولان السورية.
وتضيف المعلومات التاريخية في هذا الصدد، ان حكومة اسرائيل اعترفت خلال فترة حكمة رابين بان قرار مجلس الامن الدولي 242 الذي يطالب اسرائيل بالانسحاب من المناطق التي جرى احتلالها عام 1967 ينطبق على الجولان ايضا .. مما عده الاستراتيجيون تغيرا جوهريا مقارنة مع ما قدمته حكومة شامير التي سبقتها، ورسم رابين صيغة جديدة في نظرة اسرائيل الى الجولان تتلخص بعبارة “عمق الانسحاب كعمق للسلام ” وفق تقدير رابين، فإن السلام مع سوريا يجب ان يعتمد على اربعة عناصر هي:
1ـ عميق الانسحاب.
2ـ فترة الانسحاب التي كما قال يجب ان تقاس بالسنوات.
3ـ مراحل الانسحاب.
4ـ الترتيبات الامنية.
وقد صرح وزير خارجية اسرائيل آنذاك شمعون بيريز ان الجولان ارض سورية ومشكلة صانعي القرارات الاسرائيليين يصعب عليهم رؤية الربح الفوري وقال ” نحن نربح في الاتفاق معهم من ناحية تاريخية، ولكن من شأننا ان نخسر من ناحية سياسية، لأن ثمار هذا الاتفاق ستبدو لنا في المستقبل فقط وسيطلب منا دفع الثمن الآن”.
كان هذا الكلام في بداياته مفاجئا عن تراجع اسرائيلي عن مواقف متصلبة حول موعد الانسحاب نهائيا من تلك المنطقة. لكن المتغيرات كما قال رابين ادت الى متغير استراتيجي اسرائيلي .. وهكذا وضع المسؤولون الاسرائيليون خلال المداولات الاسرائيلية حول قبول فكرة الانسحاب من الجولان السوري المحتل، تصريحاتهم وخططهم في خدمة فكرة الانسحاب الجزئي من الجولان وفيما سمي بحلول الوسط للسلام مع سوريا.
ابرز تلك التصريحات ما جاء على لسان رئيس الحكومة رابين بقوله ” هذه الحكومة تريد السلام ومستعدة من اجل السلام الذي يعطينا الأمن، ونقبل بالحلول الوسط حتى لو كانت مؤلمة، نحن مستعدون للانسحاب من الجولان الى حدود آمنة ومعترف بها من اجل السلام مع سوريا لكن لن نتحدث عن ابعاد الانسحاب . ” .. واوصت هيئة اركان الجيشالاسرائيلي بعدم الانسحاب وقد وضعت هيئة الاركان خطة تحاول اعاد الجيش السوري مساقة 6 كلم عن بحيرة طبرية كما انها تحاول الحفاظ على سهول الحولة وعلى اكثر مصادر المياه في الجولان.
وسط الرفض السوري لهذه المخططات والاقتراحات والاصرار على الانسحاب الكلي من الجولان، وفقا لمبدأ الارض مقابل السلام تم تسريب تعهدات بإعادة الجولان كاملا إلى خطوط الرابع من يونيو عام 1967، حيث ذكرت الانباء نقلا عن كتاب صدر في سبتمبر 1996 ان رابين تعهد سرا للرئيس الاميركي بيل كلينتون بإعادة الجولان مقابل السلام مع سوريا، وبعض الترتيبات الأمنية، هو ما اكده فيما بعد المسؤولون السوريون في اكثر من مناسبة.
وتشير المعلومات إلى ان رابين وافق على الانسحاب الى حدود 9 يونيو 1967 اي ما قبل الاحتلال الاسرائيلي للجولان، وكشفت صحيفة يديعوت احرونوت ايضا ان كلينتون طلب خلال دفن رابين الذي اغتاله متطرف يهودي رافض للسلام مع سوريا، من شيمون بيريز الذي تولى رئاسة الحكومة بعد قتل رابين اذا كان يوافق على التزامات سلفه. واضاف ان بيريز الذي لم يكن على علم بمفاوضات رابين، ذهل لما سمعه، لكنه مع ما انتابه من غضب تمثيلي، وافق على الالتزام وسعى الى مواصلة المحادثات على القاعدة ذاتها .. وتعود بدايات هذا التعهد الى صيف عام 1994 اثناء المحادثة التي جرت بين رابين وورن كريستوفر وزير الخارجية الاميركي عندما اكد انه لايتسطيع الانسحاب من الجولان كله الا في حالة ترتيبات امنية معينة وضمانات اميركية، وردد الثاني ان مسألة الضمانات الاميركية مضمونة، وهي ليست موضوعا للنقاش، وعلى اساس هذه المقولة اتفق الجانبان على ان يعمل كريستوفر على ايداع الموضوع في جيبه. وتجري بعد ذلك المحادثات حول خطوط الرابعمن يونيو 1967 .. ويبدو ان الانطباع السائد هو ان رابين ادار عمليا جوارين منفصلين خلال المفاوضات مع سوريا وهذا الانطباع يتعزز على ضوء توجيهاته لرئيس الاركان آنذاك باراك وبعده آمنون شاحاك قبل سفرهما لواشنطن لإجراء المحادثات مع رئيس اركان الجيش السوري السابق العماد حكمت الشهابي، فمن جهة ادار رابين محادثات مع الاميركيين تم فيها بحث امكانية الانسحاب الى خطوط الرابع من يونيو، ومن جهة ثانية امر الجيش الاسرائيلي بتخطيط وادارة المفاوضات حول انسحاب جزئي يبقي بعض الجيش الاسرائيلي في اماكن في الجولان. وكشف المعلق الاستراتيجي الاسرائيلي زئيف شيف ان رابين سلم كريستوفر ورقة تفاهم مشروط لانسحاب اسرائيل من الجولان الى حدود الرابع من يونيو عام 1967 على اساس ترتيبات امنية وتطيع العلاقات مع سوريا وتؤكد مؤسسة رسمية تابعة لرئيس الحكومة رابين ان التسوية المقترحة من جانب اسرائيل مع سورية تعتمد على الانسحاب الكامل من الجولان المحتل. كما كشف اينمار رابينوفيتش سفير اسرائيل الأسبق في واشنطن النقاب عن ان رئيس الحكومة الاسرائيلية رابين سلم سرا الى الولايات المتحدة الاميركية موافقة اسرائيل على ان تناقش مع السوريين الانسحاب الكامل من الجولان حتى حدو الرابع من يونيو 1967 وحتى شاطئ بحيرة طبرية. وذكرت التقارير ان رابين لم يقدم فقط الموافقة السرية بل انه صرح علنا ايضا ان عمق الانسحاب مثل عمق السلام وان التقريب بين الاعلانين السري والعلني يعطي للاعلام السري وزنا يفوق الاستعداد فقط.
في 29-5-1996 تم انتخاب بنيامين نتنياهو رئيسا لوزراء اسرائيل الذي اعلن على الفور ان الامن الاسرائيلي هو اساس اية تسوية سلمية في الشرق الاوسط ومع سوريا بالذات ومن هذا المنظور عد نتنياهو الجولان حيويا لامن اسرائيل وانه لا مجال للانسحاب منه كما تطالب سوريا. وان حكومته معنية اولا بضمان الموارد المائية فيه، واشار نتنياهو متغطرسا في كثير من المناسبات الى ان الجولان قطعة مهمة من ممتلكات اسرائيل. ويعترف نتنياهو صراحة بأن حكومته تعارض بشدة الانسحاب من الجولان حيث ان الانسحاب من الجولان وفي زعمه، سيقرب من خطر الحرب بدلا من حالة اللا حرب السائدة، ومن اقواله فإن اتفاقا مرتبطا بالانسحاب من الجولان سيترك بين يدي اسرائيل قطعة ورق او وعودا في حين قد تصاب سوريا في مثل هذا الوضع بإغراء لمهاجمة اسرائيل في المستقبل. توقفت كل مشاريع البحث عن مستقبل الجولان، حتى انه اضحى بلا خبر يرتجى عنه، لكنه ظل في القلب من السوريين، كما ظل الهاجس الذي فكر به المسؤولون السوريون على الدوام.
اليوم يعود الجولان إلى الواجهة كما قلنا، ويعترف الجميع بأن ظروف المتغيرات التي طرأت عليه تجعله امام اختبار القوة، فثمة حديث عن ان هنالك اتجاها لانطلاق المقاومة المسلحة من اجل تحريره، وتعتمد المرحلة الحالية التي يقوم بها الجيش العربي السوري وحزب الله في هجومهم على جنوب سوريا، في ان الوصول إلى الحدود مع اسرائيل كما كان في السابق هو الأفق الوحيد الذي يتيح للطرفين وضع المنطقة تحت تصرفهما، وبالتالي التفكير في مستقبل العمل العسكري فيه. لكن ثمة التزاما ان لا يبقى موقع قدم لجبهة “النصرة” هناك، فإما ينتقل افرادها الى داخل الحدود الاسرائيلية اي داخل الجولان، واما ان يقتلوا جميعا او يقومون بتسليم انفسهم. ليس هنالك خيار آخر .. بل امام اسرائيل التي ترعاهم وتمولهم وتطببهم ان تفهم هذه المسألة وان الجيش العربي السوري قادم الى مواقعه التي لن يرضى عنها بديلا.
سيظل الجولان في قلب كل سوريا، فيما سيكون كارثة على الكيان الاسرائيلي كما قال الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد، فالمسألة مسألة وقت لا اكثر، وسوريا لن ترضى في كل الاحوال بالتنازل عن شبر واحد كما كان موقف الرئيس الراحل حافظ الاسد في هذا الأمر. المعركة في جنوب دمشق ما زالت قائمة، والجيش العربي السوري على موعد مع ارضه مع ثراه الطيب.

إلى الأعلى