الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / خلاف.. الخاسر هو أوباما

خلاف.. الخاسر هو أوباما

علي عقلة عرسان

الخلاف الذي يطفو على سطح العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية هذه الأيام، بعد فوز اليمين المتطرف في الموقعين بالسيطرة على مقاليد الأمور، ليس خلافًا بين دولتين لكل منهما استراتيجية مختلفة عن الأخرى، وأهداف ومصالح تتصادم، بل هو “تنافس” بين اتجاهين متماهيين في كل منهما، “يميني ويساري إن صحت التسميات والتعابير”، سمتهما العامة عدوانية تسلطية براغماتية.. اتجاهان يعتمدان سياسة القوة والخداع، ويأخذان بمبدأ “الغاية تبرر الوسيلة”، وبالكذب لحماية ما يريانه “حقائقهما؟”، ويستبيحان كل أسلوب وأداة وفعل لتحقيق أهدافهما وتغليب مصالحهما على مصالح الآخرين.. باستهانة تامة منهما بكل القيم والقوانين والحقوق، وبحياة الإنسان الذي يُقتل أو يُنتهك في سبيل ذلك.. وهما يعرفان جيدًا أنهما في دولتين إحداهما دولة إرهاب بامتياز والأخرى دولة عدوان، تدعم إرهاب الأخرى وتستثمر في الإرهاب. وكل من الاتجاهين في الدولتين يتماهى مع الآخر، ويفرضان تعاون الدولتين بلا حدود لحماية مصالحهما وإضعاف أو تدمير من يهدد تلك المصالح، وكل مَن يعارض استباحتهما لمصالحه بكل أشكال الاستباحة.
وتأخذ الولايات المتحدة الأميركية على عاتقها، ومعها حلفاؤها، ترسيخ كيان الإرهاب الصهيوني دولة قوية في فلسطين، وتمكينه من التوسع والاستيطان والتهويد، ومن إقامة دولة يهودية عنصرية صافية، ترحِّل فلسطينيي ١٩٤٨ من وطنهم التاريخي وتقضي على حق العودة، وتعمل على إبادة الفلسطينيين وفق برنامج بطيء لا يستثير العالم.. وتلك سياسة أميركية ثابتة لدى كل الإدارات الأميركية، التي عملت وتعمل وسوف تعمل على تعزيز قدرات “إسرائيل” النووية وغير النووية، لجعلها دولة مهيمنة على دول المنطقة كلها، قادرة على تهديدها وردعها وإدخالها في متاهات لا نهاية لها عند اللزوم، بتخطيط وتعاون استراتيجي ثابت ودائم بين الأصل والفرع، الحركة الصهيونية الولايات المتحدة الأميركية.
وستكون نتيجة الخلاف، الذي بدا ويراد له أن يبقى كأنه خلاف شخصي بين الرئيس أوباما والإرهابي بنيامين نتنياهو، منذ حملة أوباما الانتخابية للفوز بدورة رئاسية ثانية.. ستكون نتيجة ذلك الخلاف بتقديري لصالح نتنياهو، فهو الذي يتحداه في عقر داره وسيجعله يخسر.. لأن استقراء تاريخ المنافسات الداخلية في الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني يشير إلى أنه عندما تتعارض “سياسات ومواقف ومصالح وحتى استراتيجيات” إسرائيل والولايات المتحدة فإن “إسرائيل” هي التي تنتصر، من خلال المتماهين معها كليًّا من الأميركيين في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، فضلًا عن اللوبي اليهودي الفاعل هناك ووسائل الإعلام الموالية.. وعلى هذا فإن الرئيس أوباما، الذي تخطاه الكونجرس بدعوة نتنياهو لإلقاء خطاب انتخابي إسرائيلي أمام أعضائه، رغم اعتراضه، وخذله نواب من حزبه الديمقراطي بشأن تلك الدعوة، ووجه برلمانيون أميركيون رسالة إلى إيران، هي الأولى من نوعها في تاريخ البلاد، تضعف الرئيس وتعد بإلغاء أي التزام أو قرار يتخذه بشأن المفاوضات حول الملف النووي، بتحريض من نتنياهو وبناء على طلبه.. لن يكون مصلحة أميركية تعلو على مصلحة إسرائيل، ومن ثم ستكون الجولة الخِلافية لصالح نتنياهو.. وسيبتلع أوباما الخسارة ويصمت، كما فعل في مرات سابقة، وكما فعل رؤساء أميركيون سابقون عارضوا سياسات وساسة إسرائيليين..
لقد غضب الرئيس أوباما من تصرفات وتصريحات وتحديات نتنياهو في مواقف عديدة منها ما تم في أثناء حملة نتنياهو النتخابية.. وكان أوباما في موقع رئيس الدولة وليس في موقعه الشخصي الخاص، وتصرف كما يجب أن يتصرف بحق، رئيس دولة كبرى معنية “بما سمي الوساطة بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟!” لإنجاز حل الدولتين، وليس بوصفه صاحب ضغينة، حين غضب من تملص نتنياهو من حل الدولتين ومن قوله لن تكون هناك دولة فلسطينية، ووضعه هذا الموضوع الكبير في سوق الانتخابات الإسرائيلية.. ولأنه الرئيس الأميركي الذي يعرف جيدًا ما يحيط به، ويعرف القوى النافذة في بلاده ومنها الحركة الصهيونية وحلفاؤها ونفوذ إسرائيل فيها.. إسرائيل التي اختارت نتنياهو رئيسًا لوزرائها لدورة رابعة رغم ما كل ما فعله مما يراه أوباما مضرًّا بها على المدى البعيد.. فقد كان حذرًا وفطِنًا حين لم يعلن موقفه ويصرح بنفسه بما يراه موقفًا ضروريًّا ردًّا على تصريحات نتنياهو ومواقفه من حل الدولتين.. بل كلف كبير الموظفين في البيت الأبيض “دينيس ماكدونو” بأن يقول، في يوم الاثنين الـ٢٣ من آذار/ مارس ٢٠١٥، أمام جماعة “جيه ستريت” اليهودية المؤيدة لإسرائيل: “إنه يتوجب إنهاء الاحتلال المستمر منذ قرابة خمسين عاما، وعلى الشعب الفلسطيني أن يمتلك الحق في العيش، وأن يحكم نفسه في دولته المستقلة”. ذلك لأن أوباما، رغم قدراته، يعرف أنه لن ينجح في فرض ذلك على إسرائيل حتى لو كان جادًّا، وأنه سيضطر إلى التراجع عن هذا الموقف تحت ضغط الكونجرس وإيباك والمؤسسات والشخصيات الموالية لإسرائيل، كما تراجع عن سياسات وتصريحات ومواقف أخرى في أثناء رئاسته، ومن ذلك الكثير مما اتصل بالمفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية لإنجاز حل الدولتين، وبالاستيطان، والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، ورفع الحصار عن غزة و.. إلخ، ومما تراجع عنه أيضًا تحت الضغط سياسات ومواقف منها ما جاء في خطابه في جامعة القاهرة، وما كان بشأن إغلاق سجن جوانتانامو.. وغير ذلك.
وعلى من يعلقون منا، نحن العرب وفي مقدمتنا أبناء فلسطين، أهمية على تصريح “موقف” البيت الأبيض بشأن انسحاب إسرائيل من الأرض الفلسطينية بعد خمسين سنة من الاحتلال، وإقامة دولة في فلسطينية وفق حدوود الرابع من يونيو/حزيران ١٩٦٧ أن يراجعوا أنفسهم وألا يغرقوا ويغرقونا معهم في كم جديد من الأوهام.. وعلى السلطة الفلسطينية بالذات أن تعمد، وبسرعة فائقة، إلى رأب الصدوع الفلسطينية، وتوحيد الصف، ورفض دسائس الإرهابي نتنياهو ووعوده بحوار ودولة إذا ما أُخرِجَت حماس من المعادلة الفلسطينية ومن حسابات الدولة الفلسطينية.. فذاك الكذاب المخادع النتن لا ينبغي أن يغري شعبًا بالانقسام، بعد أن خدعه الصهاينة لأكثر من ٢٢ سنة بالوصول إلى دولة واستقلال في إطار اتفاق أوسلو المشؤوم، وفرقوه بمفاوضات عقيمة أدت إلى تنازلات وقضم للأرض وانتهاك لمزيد من الحقوق.. وعليها وبسرعة أيضًا أن تعمَد إلى تحريك موضوع الاعتراف بالدولة الفلسطينية والمطالبة بإنهاء الاحتلال وفرض حق تقرير المصير، بقرار ملزم من مجلس الأمن الدولي، وفق الشرعية الدولية، وميثاق الأمم المتحدة، والقوانين الدولية، وقرارات مجلس الأمن والهيئة العامة ومؤسساتها، بشأن قضية فلسطين، وإخراج هذا الملف من قبضة الولايات المتحدة الأميركية التي تعمل طوال الوقت لمصلحة الكيان الصهيوني على المكشوف، وتمارس ازدواجية معايير هي جزء مما يسكت عنه العالم من عار.. إن على السلطة الفلسطينية أن تفعل ذلك، وتحشد معها كل الدول والقوى التي تؤيد حقها وتعترف بفلسطين دولة، لكي تستفيد من أمرين: ١- المناخ الجديد الذي يشي به تصريح البيت الأبيض الأميركي، وهو مناخ لن يدوم طويلًا.
٢ – كشف حقيقة الموقف الأميركي الذي سيستخدم كل قدراته لمنع الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وحماية إسرائيل من كل القرارات الدولية والتحركات السياسية والدبلوماسية التي تزعجها وتحرج حكومتها، حتى لو كانت حكومة برئاسة نتنياهو الذي صدر تصريح البيت الأبيض بناء على تصرفاته.
لا يمكن الوثوق بالسياسة الأميركية المتماهية عمليًّا مع الإرهاب الصهيوني والاحتلال والاستيطان والعدوان.. والمستثمرة في الإرهاب ونشر الفوضى التي تسميها “خلاقة”، ولا في دولة دأبت على معاداة حركات التحرر المستقلة الجادة، والمتاجرة بالديمقرطية والحريات العامة وحقوق الإنسان.. دولة تنهب الشعوب، وتدمر الدول، وتقتل الناس.. وتكيل بمكاييل عنصرية، وقامت إبادة شعوب وحضارات، وعلى التمييز العنصرية والعبودية، واستخدمت القنابل الذرية في حروبها مع الدول الأخرى!! لقد أمضينا، نحن العرب، قرنًا من الزمن على الأقل ونحن نركض وراء سراب العدل الأميركي، ونبتلع أوهامًا عن الحرية والاستقلال وحق تقرير المصير تسوِّقها دولة قامت على إبادة الهنود الحمر واستعباد السود، وترسيخ العنصرية، وممالأة الطغيان والاستبداد والقهر والظلم عندما يكون ذلك في مصلحتها.. دولة تقضي حتى على رئيسها أو أية قوة فيها حينما تنادي بنصرة الحق والعدل وفق مفاهيم ومعايير عادلة!!
وها نحن العرب اليوم، وكثيرون مثلنا في العالم، نراوح في المكان كما كنا، بل نتراجع إلى أسوأ مما كنا عليه بكثير، في شؤون وقضايا مصيرية سلمنا أمرنا فيها، أو انتزع أمرها وانتزعت مفاتيحها من أيدينا بطرق وأساليب شتى، كما هو شأن في قضية فلسطين، القضية المركزية في نضالنا الحديث.. وشأن غيرها من قضايانا وشؤوننا الأخرى.. ها نحن في الجولان السوري المحتل على سبيل المثال لا الحصر، نطالب منذ يونيو/حزيران ١٩٦٧، أي منذ خمسين سنة تقريبًا، بانسحاب كيان الإرهاب من أرض عربية محتلة، وبتطبيق قرارات مجلس الأمن الكثيرة بهذا الشأن وبغيره من الشؤون ومنها شأن القدس والمسجد الأقصى.. لكن.. ما من مستجيب؟!، وفي حالات ومواقف كثيرة كانت الولايات المتحدة الأميركية تحول دون تنفيذ تلك القرارات وغيرها من القرارات الدولية العادلة التي تؤثر تأثيرًا مباشرًا، سلبًا وإيجابًا، في أمور السلم والأمن الدوليين التي هي من أهم مهام الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.. ها نحن، مثل كثيرين غيرنا في العالم، لم نجن، بعد كل الصبر والأمل والمعاناة، لم نجن سوى الخذلان والدمار والبؤس والموت، ونُجبَر على التراجع عما في أيدينا، وعلى التفريط بحقوقنا، وعلى القبول بتدني سقوف مطالبنا المحقة مرحلة زمنية بعد أخرى وجولة مفاوضات بعد أخرى، وحرب بعد أخرى، ونتجرع الذل بسبب الظلم والقهر والخيانة.. نزحف على ركبنا وأكواعنا وحتى على رموش عيوننا لننال الحق، ونحافظ على الأرض، ونربي النسل في ظل الأمن والكرامة والسلام العادل، ولنبدأ السير في طريق البناء.. ولكن..؟! لكن نبقى بانتظار تغيير أوضاع وأحوال، في داخلنا ومن حولنا، وبانتظار فرج يأتي ممن لا يريد لنا إلا الشدة والذل والخضوع والاستسلام لعدونا، ولمن يتوعدنا بالموت.. نعم بالموت؟! أفلا نتذكر هتافات: “الموت للعرب” في أنحاء فلسطين؟! أليست تلك صيحات الصهاينة العنصريين المحتلين الذين تناصرهم الولايات المتحدة الأميركية، ولا يحتج الغرب المنافق على شعاراتهم التي تقترن بالتنفيذ.. القتل؟؟! كلنا يعرف أن فاقد الشيء لا يعطيه، ومع ذلك ينتظر بعضنا عطاء نوعيًّا خيّرًا من فاقد ذلك الشيء الذي يحتاج إليه وينتظره؟!.. ننتظر خيرًا ممن ينهب ما بأيدينا، وننتظر إنصافًا ممن يظلمنا ويقهرنا، وسلمًا وأملًا بأمن وعدل ممن يكنُّ لنا عداوة وكراهية ويسكنه رسيس ديني صليبي، ونكهة عنصرية بغيضة، وتضج أفعاله ومواقفه بجهل ينكر تاريخنا الحضاري وإنسانيتنا وحقنا في الحياة..!! ننتظر مساواة إنسانية ممَن يعيش حالة عنصرية مستعصية على العلاج؟! وممن له من الأطماع والممارسات الشريرة وتاريخًا طويلًا في الاستهانة بحياة الإنسان وحقوقه.. ما لا يكفي وصفه بالجشع والوحشية..؟! ذاك بؤس يفضي إلى بؤس، وينقعنا في تفكير ووضع لا مخرج لنا منه مع بقاء هذا الحال على هذا المنوال.. لا مخرَج من ذلك الوضع المهلك إلا بتغيير كبير عميق شامل، مؤيدٍ بما يبقيه ويحميه وينميه.. ومن أسف أنه لا يتحقق إلا بقوة.. هي قوة ردع ومن ثم قوة تفضي إلى فتك متبادل في نهاية المطاف، إن لم تكن أنت من يلجأ إليها بهذه الصفات والمواصفات فخصمك الذي يمارسها بهذه الصورة سيقوم بإجبارك على اللجوء إلى رد فعل من جنس الفعل.. وذا هو الغرق بحد ذاته في فعل بشري ممقوت، فعل القتل وإراقة الدم الذي يكرس العداوات ويقود إلى الوحشية، وينشر الدمار والموت والمعاناة، ويضعف الإنساني والإنسانية؟!
نحن في هذا الخضم البشري الزاخر بالفعل ورد الفعل، نعوم في بحيرات من دمنا.. نغرَق ونُغرِق.. نعرف ولا نعرف، نقدر ولا نقدر، وندرك أن تغيير سلوك وأوضاع ومواقف وعلاقات وتوجهات من النوع المهلك فيه الكثير من الخير لنا جميعًا.. ولكن.. وندرك أنه تغيير يؤدي إلى الأفضل والأحكَم والأعقل في الحياة، وإلى ما يليق بالإنسان من حياة وبما تمنحه الحضارة من غنى ونفع وإمتاع وسعادة، ولكن.. وأنه مما يوصل إلى ما ينقذ من التوحش والبؤس واليأس، وما يفضي إلى العادل والحضاري والأخلاقي والإنساني.. ولكن.. ولكن.. ولكن..؟!
لقد شكا اللغويون العرب، وأهل النحو والصرف منهم خاصة، من شؤون “حتى” وشجونها، وأجدنا في مر الشكوى من “ولكن..”، شكوى التي لا تمس شؤون اللغة بل شؤون الإنسان في الحياة.. وشؤوننا نحن أبناء أمتي العرب والإسلام في هذه الحياة.؟!..
لكن.. لكن.. آهِ ولكن..

إلى الأعلى