الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اصداف : البيت الكبير

اصداف : البيت الكبير

وليد الزبيدي

يطلقون تسميات عديدة على المكان أو الرقعة الجغرافية التي ينشأ فيها الإنسان ويترعرع، وفي حاراتها تكون ذكرياته وأفراحه وآلامه، ومن بين تلك التسميات يصفونه ب” البيت الكبير”. وكتب الكثير من المفكرين والآدباء والسياسيين وسواهم عن هذا البيت، فيجمع غالبيتهم على أن المنطقة أو القرية التي نشأ فيها المرء تلتصق به أينما ذهب، ومهما وجد من مدن ودول اخرى، قد تكون اكثر تقدما ورقيا من تلك الرقعة، لكن سحر الحب الأول لناسه واهله وأرضه لا تدانيها مدن ومناطق اخرى.
عندما تعيش الأوطان بأفراح واستقرار ورخاء، لا يدرك الكثيرون المعنى الحقيقي للأوطان، ولا يعرف الكثيرون أن الوطن هو البيت الكبير، فتجدهم يطالبون ويريدون الحصول على كل شيء، حتى وأن كان ذلك على حساب باحة البيت أو بعض اعمدته.
لكن في ظرف اخر وبعد أن يشعر المرء أنه على وشك أن يفقد الخيمة في بيته الكبير، يعيد حساباته بوعي هذه المرة وتحت ضغوطات لم يدرك كنهها في ايام خوالي، وفي أزمنة مختلفة، فقد كان يستظل بالبيت الكبير ويطمع بالكثير ويوجه الانتقادات الموضوعية وغير الموضوعية، دوم أن يجري مراجعات ذاتية وموضوعية لكل ما يحيط به من اشكالات وعواصف وكل ما يمر به من افراح واتراح وغير ذلك.
منذ عقود، توقف الشاعر الكبير معروف الرصافي عند جزئية مهمة، وقال بيت شعر، لم يتوقف عنده الكثيرون إلا أن اصطدموا بصور مختلفة ومتناقضة لأولئك الذين يتعاطون مع البيت الكبير، وبالتحديد الذين لا يمانعون على التفريط بالوطن، أو على الاقل لا يكترثون في حال تعرضه للسرقة في وضح النهار.
يقول الشاعر الرصافي في احدى قصائده:
لا يخدعنك قول الناس في الوطن
فالقوم في السر غير القوم في العلن
وكلما تعرض البيت الكبير لرجرجة أو عاصفة، فإن حقيقة علاقة الذات والمجموع مع هذا البيت تتكشف، ومن اهم ملامح تلك العلاقة، أن يتقدم الحرص على البيت بأكمله، وليس النظر إلى الزاوية الضيقة التي يجلس تحتها المرء، لأن تلك النظرة المجتزأة تسحب المرء من خيمة البيت الكبير إلى زوايا بعيدة عنه، ما يجعل التفريط به أو التغاضي عن القوم الذين يبطنون غير الذي يعلنون، ويقولون عن الوطن في السر غير ما يبوحون به في العلن.
ترهل الكثيرون وتساقط آخرون لأنهم لم يفكروا بالبيت الكبير كما ينبغي أن يكون التفكير والسلوك معا.
والخشية الاكبر أن يسقط اخرون في ذات المنزلق دون أن يمحصوا خطورة التعاطي مع البيت الكبير بصيغتين واحدة في السر وأخرى في العلن.

إلى الأعلى