الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إبداعات الأسرى الفلسطينيين

إبداعات الأسرى الفلسطينيين

د. فايز رشيد

” يتفوق العدو الصهيوني على البرابرة وهولاكو، وهو أكثر بشاعةً من النازيين والفاشيين وكل المجرمين في التاريخين القديم والحديث على حدّ ٍ سواء، يتفوق ليس في اقتراف المجازر فحسب، ولا في ضرب عرض الحائط بكل القوانين والأعراف الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وبخاصة الأسرى في سجونه، وإنما أيضاً في العنصرية والاستعلاء،”
ـــــــــــــــــــــــــ
أثناء تواجدي في دبي مؤخرا, جمعتني منذ أيام سهرة في بيت الصديق العزيز نبيل صلاح, بالمبدع الفلسطيني الصديق أمجد عرار عازف العود والمغنّي الفلسطيني المعروف. حضرالأمسية أيضا كثيرون من الاصدقاء والمعارف. عزف أمجد وغنّى الكثير من التراث والأغاني الوطنية الفلسطينية والعربية. السهرة كانت فلسطينية عربية بامتياز. حدّثنا أمجد عن اختراعه طريقة لصنع العود حتى في السجن!. أدهشنا ببساطة المواد التي استعملها لتركيبه. صادرت سلطات السجن الاسرائيلية العود منه أكثر من مرة!. تحدّاه مدير السجن أن يحكي طريقة صنعه للعود مقابل إبقائه معه. اغتنم أمجد الفرصة ليُبقي العود معه. كان بعوده يجمع كل السجناء في غرفهم حين يغني لفلسطين. حدثنا أيضا عن طرق عديدة لتواصل المسجونين في زنازين السجن مع بعضهم ومع المعتقلين الآخرين في غرف السجن.
الحديث أعادني إلى مطلع شبابي حيث اعتُقلت عامين قبل إبعادي مع آخرين إلى الأردن عن طريق وادي عربة. أذكر يومها: أساليب السجناء البسيطة في إبداع العديد من مواد التسلية, وقد كان صنعها محدودا بالمواد القليلة جدا المسموح بإدخالها للسجناء من قبل الأهل. بعد إضرابات ومظاهر احتجاج كثيرة وانتفاضات عديدة.. فرض معتقلونا على العدو تحسينا نسبيا في ظروفهم. بالطبع مطالبهم لم تتحقق بعد بالشكل الذي يريدون .. لكنهم بنضالاتهم يحققون دوما مطالب أكثر.
نعم, يتفوق العدو الصهيوني على البرابرة وهولاكو، وهو أكثر بشاعةً من النازيين والفاشيين وكل المجرمين في التاريخين القديم والحديث على حدّ ٍ سواء، يتفوق ليس في اقتراف المجازر فحسب، ولا في ضرب عرض الحائط بكل القوانين والأعراف الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وبخاصة الأسرى في سجونه، وإنما أيضاً في العنصرية والاستعلاء، وهذه الدرجة العالية من الحقد والكره ليس للفلسطينيين والعرب والمسلمين وكثيرين من المسيحيين(باستثناء التيار الصهيو-مسيحي) وإنما لكل ما هو إنساني، فالمعادلة القائلة بأن من يمارس عملية القتل البشع لابد وأن يتحلى بدرجة عالية من الكره والحقد لمن يقتل، فكيف إذا تمثلّت طريقة الإجرام في أسلوب القتل البشع والبطئ لأسرى معتقلين في سجونه, ولمحكومين مئات السنوات(تصوروا!): يمنع عنهم العدو أدنى مستويات العلاج، بل يقوم بمساومتهم كي يصيروا عملاء لأجهزته ومخابراته مقابل حبّات قليلة من الأسبرين تُستعمل دوءاً عاماً لكل أمراض الجسم , وأنا أعني ما أقول وكنت شاهد عيان على ما يحدث، وعلى هذه وتلك من الأساليب القذرة والمنحطّة, انحطاط هذا العدو الذي يستعملها.
لا يكتف الإسرائيليون بهذه الطريقة النتنة المثيرة للقشعريرة والتقزز, بل يقومون عن قصد وسابق إصرار بتجربة الأدوية الخطيرة عليهم( دون علمهم بالطبع), يوهمونهم أنهم يعالجونهم مما يشتكون منه، ولذلك فإن أكبر نسبة من الإصابة بالأمراض الخطيرة: كالسرطان، والجلطات الدماغية، والإعاقات هي بين السجناء الفلسطينيين في معتقلات العدو. ما يقارب الستة آلاف معتقل فلسطيني من بينهم النساء والشيوخ والأطفال، يقاسون أمرّ العذابات في المعتقلات الإسرائيلية، كثيرون منهم محكومون بالسجن المؤبد مدى الحياة،وبعضهم مسجونون منذ ما يزيد على الثلاثين عاماً.
معارك الأسرى الفلسطينيين تنصّب أساساً على تحسين ظروف اعتقالهم، وهي القاسية, والتي تهدف إلى قتل الأسرى بطريقة الموت البطيء, يعيشون الاكتظاظ والظروف الحياتية الصعبة في مجالات الحريات، والتغذية، وقلة العلاج ورداءته, ومنع إدخال الكتب ومنع سماع البرامج في الإذاعات, ورؤيتها في الفضائيات وصعوبة زياراتهم من قبل ذويهم، فسلطات السجون الصهيونية تضع حاجزين من الأسلاك المشبكة, بينهما مسافة مترين وما يزيد، الأمر الذي لا يسمح للطرفين بالتحقق السليم للسجين من وجوه زواره.
ولعل من أخطر الطرق التي تتبعها إسرائيل مع المعتقلين الفلسطينيين هي: محاربتهم نفسياً من خلال الحجز لسنوات طويلة في الزنازين الانفرادية, ومنع الزيارات عنهم، واستعمال وسائل التعذيب النفسي بحقهم, الأمر الذي يؤدي إلى اصابة عديدين منهم بأمراض نفسية مزمنة.
لقد أظهرت الإحصائيات المتعلقة بشؤون الأسرى مؤخراً أن: ما يزيد على المليون من الفلسطينيين في الأراضي المحتلة, تم اعتقالهم في السجون الإسرائيلية، الأمر الذي يعني أن كل عائلة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة, منها فرد, تم سجنه, ومرّ في تجربة الاعتقال والحبل على الجرار!.
منذ عام 1967 فإن المئات من المعتقلين استشهدوا في المعتقلات الصهيونية التي تذكّر بمعسكرات الاعتقال النازية والفاشية. من السجينات أيضاً من جرى اعتقالهن في فترات الحمل، ولادتهن تتم في ظروف قاسية في غرفة(يطلق عليها زورا اسم:مستشفى) في السجن، يشرف عليها ممرض, والمولود يبقى مع أمه في السجن.
هذه هي ظروف حياة أسرانا في المعتقلات الإسرائيلية. إسرائيل تقترف وسائل العقاب الجماعي بحق المعتقلين, فكم من مرّة أحضرت سلطات السجون, قوات حرس الحدود،التي يهجم أفرادها على المعتقلين بالأسلحة الرشاشة والقنابل المسيلة للدموع وغيرها من الوسائل, لا لشيء, فقط إلا لأن المسجونين يطالبون بتحسين ظروف اعتقالهم.
آلاف من المعتقلين الفلسطينيين موقوفون بموجب القوانين الإدارية،هذه القوانين تعتبر من مخلفات الاحتلال البريطاني. الغريب أن إسرائيل تروّج: بأنها دولة ديموقراطية, والأغرب: أن العالم يصدّقها! وهو يعمي عينيه عن قضية الأسرى الفلسطينيين في المعتقلات الصهيونية, وسبق وأن ركّز على أسر جندي إسرائيلي واحد جاء غازياً, فأسره الفلسطينيون. مسؤولون كثيرون على الصعيد العالمي طالبو حينها بإطلاق سراحه واستغلت الدولة الصهيونية دموع والديه للترويج لقضيته بينما لا ينطق الآخرون بكلمة واحدة عن الأسرى الفلسطينيين, وكأنهم ليسوا أبناء عائلات, وكأن ليس لهم أمهات يشتقن إليهم أبنائهن!. رغم الانقسام الفلسطيني, فإن المعتقلين الفلسطينيين موحدون, إن في حرصهم على تحقيق الوحدة الوطنية بين المنتمين لكافة التنظيمات الفلسطينية أو في مجابهتهم لمخططات العدو الصهيوني, الذي يستهدف كسر إرادتهم أولاً وأخيراً
رغماً عن العدو وقمعه ومخططاته وأساليبه الفاشية وهجوماته المتعددة عليهم،استطاع أسرانا تحويل معتقلاتهم إلى مدارس نضالية وطنية تساهم في رفع وتيرة انتمائهم وإخلاصهم لشعبهم وقضيته الوطنية, فيزداد المعتقل إيماناً بعدالتها،وإصراراً على تحقيق أهداف شعبنا في الحرية والكرامة والعودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة كاملة السيادة. رغم كل ظروف السجن : المعتقلون الفلسطينيون قادرون على الإبداع الذي ينمّي صبرهم ويساعدهم في الأنتصار على الوقت وعلى كل ظروف السجن.. التحية لهم.

إلى الأعلى