الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع: قوة عربية عسكرية .. زال الاحتلال عادت فلسطين!

شراع: قوة عربية عسكرية .. زال الاحتلال عادت فلسطين!

خميس التوبي

في ظل حركة التدافع والحماسة والإثارة في عروض النخوة، وفي إطار اللهاث القائم وغير المسبوق على قيادة حلبة اللهاث لإنجاز ما فشل فيه الاستعمار قديمه وجديده، تبدو المنطقة مقدِمةً على حفلات جنون دموية تقام على مسارحها، سواء المسارح المستمرة فيها أساسًا حفلات الجنون الدموية الصاخبة، أو تلك التي يجري تهيئتها ليشمل هذا الصخب الجنوني الملون بالأحمر القاني المنطقة كلها.
وفي صلب هذه الحماسة والنخوة المعاد إنتاجهما وفق مقاسات وتفاصيل العصرنة والحداثة بتلاوينها المتعددة من الانبطاح والعمالة إلى التآمر والخيانة، بعد أن قعى عليهما (الحماسة والنخوة) الاستعمار بقديمه وجديده، لا تبدو الكفة متأرجحة بين انتكاسة الخلاف المتأزم، وهاوية المكاسب المتنازع عليها، كما كان في السابق، بل لم تعد هناك كفتان، وإنما كفة واحدة، وهي كفة الرابح القاعي على كرسيه العالي يشاهد ـ تارة بابتسامة خبيثة وأخرى بقهقهة ـ ما تسيله حفلات الدم الصاخبة المجنونة من أنهار، ويستلذ بروائح كتل اللحم البشري المفروم أو بروائح الأجساد التي تملأ الأرض العربية. حفلات صاخبة بقيادة المايسترو الأميركي وبإعداد صهيوني لسيناريوهاتها وبأبطال وفرق راقصة عربية ـ إسلامية.
قبل العام 2011م كان بُعيْدَ كل حفلة دم في فلسطين أو العراق أو لبنان، كانت الأسئلة التي تقفز مباشرة إلى الأذهان هي: ما، ومن، السبب؟ ومن يحقن الدماء العربية التي تنهمر كل يوم من أوردة القتلى والجرحى؟ ومن يوقف هذا العنف الذي يهدد بتحويل المنطقة بكاملها إلى أنهار من دم؟ فكانت الإجابة على هذه التساؤلات تنصرف ـ بداهة ـ إلى إزالة مسبباتها، فعلى قوات التحالف الأنجلو ـ أميركي أن تحمل عصاها وترحل عن بلاد الرافدين، بعد أن أدت ـ مشكورة ـ دورها في نشر (الديمقراطية) في العراق بثمن لا يقل عن مئة ألف قتيل أغلبهم مدنيون، إضافة إلى مئات الآلاف من المصابين، وتشريد الملايين، وتدمير البنى الأساسية بالكامل، وتلويث البيئة العراقية بمخلفات اليورانيوم المستنفد التي تواصل دورها التخريبي في التربة والماء والهواء لمئة عام على الأقل، وتصفية وتشريد علمائه وتقويض بنية نهضة علمية عادت إلى الخلف الآن لقرن كامل على الأقل، واستنزاف نفط العراق، وزرع بذور الفتنة الطائفية بين الإخوة وأبناء العمومة والقائمة طويلة جدًّا.
وفي فلسطين ولبنان فإن الدماء لن تحقن إلا بعد زوال الاحتلال عن كامل الأراضي العربية المحتلة في الخامس من يونيو عام 1967م، وأي محاولات لهدنة أو وقف لإطلاق النيران مع استمرار الاحتلال واغتصاب حقوق الغير، لن يكون أكثر من (استراحة محارب) مؤقتة سيندلع العنف بعدها، وتراكم الظلم والشعور بفقدان الأمل في تسوية سلمية عادلة، سيكون حاضنًا لأجيال جديدة من الذين يدفعهم اليأس والقنوط إلى الضرب في كل اتجاه وأيًّا كان الثمن فهم ـ أصلًا ـ لا يملكون ما يخسرونه.
إذن، كان الشعار العربي المرفوع قبل العام 2011م؛ أي قبل تفتح أزهار “الربيع العربي” لا حل لوقف النزيف الدم العربي إلا بزوال المحتل، وإحلال البديل الوطني محله من خلال مشروع وطني يتوحد حوله المكتوون بالاحتلال يمكِّنهم من إدارة بلادهم وصيانة سيادتها واستقلالها. أما اليوم وبعد العام 2011م وتنسم العرب روائح أزهار “ربيعهم” أصبح هذا الشعار من المحرمات والمحظورات في العمل العربي “المشترك” الجديد؛ لأنهم أمسوا ـ حسب أنوفهم التي غدت لا تشم سوى كل ما هو غربي صهيوني ـ لا يشمون روائح عربية خالصة، وإنما يشمون هواءً ملوثًا بروائح “صفوية رافضية خارجية”، فلن تستلذ أنوفهم بروائح “ربيعهم” المعطر بروائح “الديمقراطية والحرية الغربية، وحقوق الإنسان الغربي، ولا مغطى بأثواب “الرأسمالية والإمبريالية”. وعليه بات الصهيو ـ غربي حليفًا وصديقًا وعاملًا للخير وحاقنًا للدماء العربية ومدافعًا عن الحق العربي، وأي عمل مقاوم ضده هو عمل عدائي إرهابي يجب أن يضرب وتتوحد الجهود لردعه ووضع حد له.
المثير للحيرة والسخرية في الوقت ذاته، هو إقرار جامعة الدول العربية في ختام أعمال قمتها السادسة والعشرين في شرم الشيخ أمس إنشاء قوة عربية مشتركة، تشارك فيها الدول اختياريًّا، وتتدخل هذه القوة عسكريًّا لمواجهة التحديات التي تهدد أمن وسلامة أي من الدول الأعضاء بناء على طلب من الدولة المعنية، وهو القرار الذي تحفظ عليه العراق. ولعل الأسئلة الأكثر إلحاحًا والمثيرة للسخرية هي: ما الدول الأعضاء المقصود بها؟ هل فلسطين من ضمنها؟ وماذا لو طلبت السلطة الفلسطينية التدخل لدفع الإرهاب الصهيوني عنها وإزالة الاحتلال عن الأراضي الفلسطينية؟ أليس من حقها؟ فمدينة القدس المحتلة تتعرض منذ أكثر من ستة عقود للتهويد، ويتعرض المسجد الأقصى للتدنيس والانتهاك وتدمير أساساته، والفلسطينيون المقدسيون يهجرون من منازلهم، كما يعاني الفلسطينيون من تهديدات محدقة وخطيرة في معتقلات الاحتلال الصهيوني وفي قطاع غزة المحاصر، فهل يمكن أن تلبي القوة العربية الطلب الفلسطيني ؟ وبالتالي كيف تعمل هذه القوة العربية العسكرية وتؤدي دورها إذا كانت هناك دول عربية محتلة من قبل دول عربية، سواء بالسيطرة على قرارها السياسي والسيادي أو عبر الإرهاب وبإنتاج وتشكيل عصابات إرهابية وتمويلها ودعمها بالتدريب والمال والسلاح لتدمير هذه الدول العربية؟ فضلًا عن السؤال الأكثر إلحاحًا والحال هذه: كيف يتأتى أن تضحي دولة عربية بجنودها الذين أشركتهم في القوة العربية في مواجهة عصابة إرهابية أنتجتها ومولتها وسلحتها ضد دولة عربية طلبت المساعدة كما هو الحال على سبيل المثال في ليبيا ولبنان، فليس سرًّا أن ما يسمى “داعش” و”جبهة النصرة” وغيرها من العصابات الإرهابية المتقاتلة هي ممولة من دول عربية ودولة إقليمية؟ ولذلك وبعيدًا عن الضبابية وغياب التفاصيل عن هذه القوة العربية، فإنها إما أن يكون حالها كحال اتفاقية الدفاع المشترك، أو تكون قوة رديفة للجماعات الإرهابية التي تدمر وتخرب وتقتل في الدول العربية المستهدفة.

إلى الأعلى