الأربعاء 25 يناير 2017 م - ٢٦ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المبادئ المؤسسة للسياسة الخارجية العمانية في الخطابات السلطانية (1-2)

المبادئ المؤسسة للسياسة الخارجية العمانية في الخطابات السلطانية (1-2)

محمد بن سعيد الفطيسي

” ..المتتبع للسياسة العمانية قبل العام 1970م يجد أنها عاشت منعزلة التأثير السياسي،أكثر من عزلة العلاقات الدبلوماسية او الدولية، والدليل على ذلك علاقاتها الدولية مع العديد من دول العالم قبل العام 1970م ،ومما يدل على ذلك أكثر ( انه حتى انعزاليي ثلاثينيات القرن العشرين لا يستخدمون هذا اللفظ ” انعزالي” ويفضلون ان يسموا أنفسهم بالحياديين او القوميين) ”
ـــــــــــــ
ترتكز هذه الدراسة الذاتية المختصرة والتي سنحاول من خلالها التعريف بالأسس والركائز والقيم والمبادئ التي تقوم عليها وتحتكم الى مبادئها الدبلوماسية والسياسية الخارجية العمانية الحديثة منذ بدايات تأصيلها الفكري والتاريخي بناء على الخطابات السلطانية سواء كانت الخطب او اللقاءات الإعلامية والصحفية لمؤسس وباني نهضة عمان الحديثة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ والتي تعد،أي،تلك الخطابات الأساس التاريخي والتاصيلي الفكري الذي تستند عليها التحركات السياسية والدبلوماسية على مستوى السياسة الخارجية العمانية مع المجتمع الدولي سواء على المستوى الإقليمي او العالمي في حالات الحرب والسلام منذ العام 1970م وحتى العام 2015م.
والمتتبع لمسارات التحولات التاريخية للسياسة الخارجية العمانية الحديثة ـ عمان السلطان قابوس ـ يستطيع التأكيد على أنها قد مرت بمراحل تاريخية مختلفة،بدأتها بمرحلة التخلص من العزلة السياسية التاريخية الى ان وصلت الى ما وصلت إليه اليوم،وهو ما أكده الخطاب الأول الذي أصل لهذا النهج الوطني الذي رسم ملامح وأهداف ومبادئ السياسة الخارجية والدبلوماسية العمانية وهو خطاب السلطان قابوس بمناسبة العيد الوطني الثاني بتاريخ 18/11/1972م،وبناء عليه فإننا سنبدأ بتفكيك وتشريح تلك المراحل التاريخية التي مرت عليها السياسة الخارجية والدبلوماسية العمانية من خلال ما أسميناه بخطابات التأسيس السلطانية في الفترة من العام 1970 حتى العام 1975م .
أولا: مرحلة التخلص من العزلة السياسية او الأحادية ( Policy of isolation):
عاشت سلطنة عمان قبل العام 1970م ما يطلق عليه بالسياسة المنعزلة طوعيا او اختياريا،او الانعزالية ونفضل ان نطلق عليها الأحادية،والعزلة بهذا التوصيف هي ( نقيض التفاعلات الدولية وهي بالتأكيد خلاف الوضع الطبيعي لأي كيان سياسي فضلا عن أية دولة،ولطالما قيست قوة الدول بقدرتها على التأثير في مجمل العلاقات الدولية)،كما ان قاموس أكسفورد للغة الانجليزية كانت إشارته الأولى واضحة للمفهوم في العام 1901م يقول: من هنا …الانعزالي الشخص الذي يفضل العزلة او يدافع عنها،وفي السياسة الاميركية فانه الشخص الذي يعتقد انه ينبغي على الجمهورية ان تتبع سياسة العزلة السياسية،والمثال الذي ذكره قاموس أكسفورد جاء من المقال الافتتاحي في صحيفة فيلادلفيا برس عام 1899م مشيرا الى شعوب ما وراء البحار الذين استوعبتهم الولايات المتحدة الاميركية بعد الحرب الاسبانية الاميركية ،وأول ذكر في قاموس وبستر لـ الانعزالي وليس الانعزالية ظهر في طبعة عام 1921 ولم تضع الموسوعة البريطانية أبدا الانعزالية عنوانا الا بعد الحرب العالمية الثانية حتى أشارت موضوعاتها عن الدبلوماسية الى الظاهرة.
والمتتبع للسياسة العمانية قبل العام 1970م يجد أنها عاشت منعزلة التأثير السياسي،أكثر من عزلة العلاقات الدبلوماسية او الدولية،والدليل على ذلك علاقاتها الدولية مع العديد من دول العالم قبل العام 1970م ،ومما يدل على ذلك أكثر ( انه حتى انعزاليي ثلاثينيات القرن العشرين لا يستخدمون هذا اللفظ ” انعزالي ” ويفضلون ان يسموا أنفسهم بالحياديين او القوميين ) وهي مرحلة لن نتناولها ويمكن الرجوع للاطلاع على تفاصيلها التاريخية من خلال مراجع وكتب وثقت تلك المرحلة التاريخية للسياسة الخارجية العمانية ،وقد استخدم لفظ الأحادية أكثر من استخدام الانعزالية او العزلة في التاريخ الاميركي،فالأحادية كما يراها جيفرسون وهاملتون لم تعن أبدا ان الولايات المتحدة الاميركية( يجب ان او سوف لهذا الغرض ستعزل نفسها،او تتبع سياسة محاكاة النعامة تجاه الأقطار الأجنبية،أنها تعني ببساطة ان مسيرة الولايات المتحدة الاميركية الواضحة كانت تتجنب الأحلاف المربكة الدائمة،وان تبقى محايدة في حروب أوروبا الا عندما تكون حريتنا أول التقاليد المقدسة في خطر).
وفي هذا السياق يقول حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ( الكل يعلم ان العزلة التي فرضت على عمان حالت دون أي اعتبار لمعالم سياسة خارجية،وقد بذلنا الجهد لفك أطواق العزلة)،وقد بدأ السلطان قابوس بفك أطواق تلك العزلة السياسية الدولية او الأحادية التي عاشتها عمان قبل العام 1970م كما أشار إليها بمفهومها سالف الذكر بالتدرج العقلاني والمخطط له بطريقة متعقلة،والذي لا يقوم على حرق المراحل التاريخية وتجاوزها ألزماني او المكاني،وقد وضح ذلك من خلال رؤيته الى مستقبل ودور عمان بعد الحركة الوطنية التصحيحية للسياسة الداخلية خلال الفترة من العام 1970م-1971م،وهو ما يتضح في قوله اعزه الله بتاريخ 8/يوليو/1972م،(بعد ان يكتمل بناؤنا الداخلي سيكون لعمان دور فعال مع الشقيقات العربيات،أما بالنسبة لمنطقة الخليج وشعبها فنحن جيران وشعبنا شعب واحد،ولن ندخر أي وسع للمساعدة او المساندة في حدود ما يمكن القيام به من اجل المصلحة العامة،وبالنسبة للدول المحيطة بنا،فنحن نحرص على ان تربطنا علاقة صداقة مع كل من يرغب في صداقتنا …. تصورنا لمستقبل بلادنا ان يكون مستقبلا طيبا،فنحن نأمل اذا ساعدتنا الظروف ان نلحق بركب التقدم ونأخذ مكاننا في الصف العربي،وبين الدول الراقية).
والملاحظ هنا ان الرؤية السلطانية الاستشرافية لمستقبل السياسة الخارجية العمانية وعلاقاتها الدولية خلال تلك الفترة،أي،فترة الخروج من العزلة او الأحادية،ستبدأ بتوطيد العلاقات العمانية العربية أولا،ومن ثم ستنتقل الى مرحلتها السياسية التالية وذلك بتوطيد بعلاقاتها مع الدول الأجنبية الصديقة والتي اختار ان يسميها بالدول الراقية،وبذلك اتسعت دائرة العلاقات العمانية الإقليمية والدولية من خلال المساعي العمانية لانضمام عمان أولا الى جامعة الدول العربية ومن ثم الى هيئة الأمم المتحدة،وفي هذا السياق يقول صاحب الجلالة السلطان قابوس ـ حفظه الله: ( أملنا كبير في ان يسبق انضمامنا الى الجامعة العربية دخول الأمم المتحدة ،فنحن لا نريد ان ننتمي الى المجتمع الدولي قبل ان تتأكد عضويتنا في أسرتنا العربية ) وهو ما يؤكد مقولتنا ان الرؤية السلطانية كانت رؤية ذات أبعاد عروبية وقومية لا تتجاوز إقليميتها بحرق المراحل او بالاعتلاء عليها،فكانت الرغبة السلطانية ان تتوطد العلاقة العمانية أولا من خلال الانضمام الى جامعة الدول العربية ومن ثم الى هيئة الأمم المتحدة بالرغم من الظروف التاريخية التي كانت تحفز الى عكس ذلك،وهو تأكيد آخر على الأصالة ونقاوة الدم العربي للسلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
وبذلك اتسعت دائرة العلاقات العمانية الإقليمية والعمانية الدولية(وتلا ذلك قيام وزارة الخارجية لتنظيم جهازها الداخلي وخلق الكادر الإداري لمواجهة أعمالها المتزايدة والمستمرة فالإدارة السياسية بها قسم الدول العربية وجامعة الدول العربية وقسم لشؤون أسيا وإفريقيا،وقسم أوروبا وقسم الاميركيين) وقد افتتحت سلطنة عمان في العام 1972م ممثلة بوزارة الخارجية سبع بعثات دبلوماسية كان نصيب الدول العربية ثلاثا منها هي في كل من الكويت وتونس ومصر،واثنتين في آسيا هي مع الهند وإيران وواحدة مع الولايات المتحدة الاميركية والأخرى مع المملكة المتحدة او بريطانيا،كما افتتحت في العام نفسه تلك الدول سفارات لها في سلطنة عمان بالإضافة الى سفارة للمملكة الأردنية الهاشمية والمملكة العربية السعودية وسفارة لباكستان،أما فرنسا وهولندا فبدأت العلاقة معهما بسفراء غير مقيمين.
وقد حدد حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم في العام 1972م القيم والركائز الأخلاقية ومبادئ السياسية الخارجية العمانية في خمسة مبادئ تم بناء عليها تأسيس ما يطلق عليه اليوم بملامح او توسيم العقيدة السياسية المؤسسة لايديولوجيا السياسية الخارجية العمانية وهي:
ـ انتهاج سياسة حسن الجوار مع جيراننا وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأية دولة.
ـ تدعيم العلاقات مع الدول العربية وإقامة علاقات ودية مع دول العالم.
ـ الوقوف بجانب القضايا العربية في المجالات الدولية.
ـ الوقوف بجانب القضايا الإفريقية وتأييد نضالها من اجل الحرية والاستقلال.
ـ الالتزام بالخط الذي تسير عليه دول العالم الثالث.
ولكن وكما جاء على لسان صاحب الجلالة بتاريخ 1/يونيو/1974م بان الالتزام بذلك الخط،أي،عدم الانحياز لا يعني الانقياد التام للمفهوم،من خلال نزع الشخصية الوطنية العمانية وخصوصيتها ومصالحها السياسية وأهدافها الجيوسياسية. حيث أكد قائلا حيال هذا المفهوم: ان عمان حضرت مؤتمر عدم الانحياز وساهمت فيه،وعمان تحبذ الحياد وعدم الارتماء في أحضان المعسكرين – المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الاميركية وأوروبا والمعسكر الشرقي الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفيتي والصين – ولكن وهي النقطة التي فصلت بين الانقياد لهذا المفهوم والشخصية السياسية العمانية،ولكن كما قال صاحب الجلالة أعيد كلمة قلتها قبل قليل بأن لكل واحد أصدقاء.

إلى الأعلى