الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / وما أدراك ما اليمن

وما أدراك ما اليمن

أ.د. محمد الدعمي

”.. خطورة موقع اليمن اليوم، بواعثها الموقع كذلك، ليس فقط بحكم إطلالها وسيطرتها المحتملة على “مضيق باب المندب”، ولكن كذلك بحكم وقوعها في تخصر جغرافي شبه متداخل مع المملكة العربية السعودية، ناهيك عن إشرافها المحسوس إقليمياً على منظومة دول الخليج العربي التي تشكل شريطاً مستطيلاً يمتد على طول هذا الخليج المهم دولياً،”
ـــــــــــــــــــــــــــ
موهوم من يعتقد أن اليمن دولة مهمة فقط باعتبار موقعها الجيوستراتيجي الفائق الحساسية فقط، ذلك لأن أهميتها تنبع من أسباب أخرى إضافية تحيلها إلى أرض صراعات إقليمية ودولية متنوعة. ودليل ذلك هو مسارعة بريطانيا إلى إيجاد موطئ قدم لها في أقصى الزاوية الجنوبية الغربية من شبه جزيرة العرب، باعتبار افتتان بريطانيا العتيق بالمضايق والممرات المائية الاستراتيجية التي خدمت عماداً وشرطاً مسبقاً لبناء إمبراطوريتها التي “لم تكن لتغرب الشمس عنها” حقبة ذاك.
وإذا كانت دوافع بريطانيا لوضع تمثال الملكة فكتوريا (بانية الإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر) قد اضحت واضحة، فإن مسارعة الاتحاد السوفييتي السابق لإيجاد موطئ قدم له فيما كان يسمى بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (الجنوبية) لن تكون بعيدة المنال، باعتبار العشق الروسي والسوفييني القديم لمياه البحار الدافئة، ذلك العشق الذي يرد إلى شعور الروس بأن بعدهم عن هذه المياه الدافئة هو السبب الذي جعل روسيا، ثم الاتحاد السوفييتي فيما بعد، إمبراطورية “درجة ثانية”، مقارنة ببريطانيا وفرنسا اللتين كانت أساطيلهما تجوب البحار السبعة في سباق محموم من أجل الهيمنة والضم والإنتداب. ربما كان هذا الموقع الخطير هو الذي دفع بالرئيس المصري الراحل، جمال عبدالناصر، لإرسال جيش “الجمهورية العربية المتحدة” للهيمنة على اليمن، متتبعاً خطى سلفه محمد علي باشا، حاكم مصر، الذي استحالت دولته إلى امبراطورية آنذاك. زد على جميع ذلك حقيقة أن اليمن بلاد غنية بطبيعتها الغنّاء، لذا سميت في المصادر الغربية القديمة بـ”اليمن السعيد” Arabia Felix.
وباضافة الثروات الطبيعية والبشرية، ثم النفط في عصر متأخر، للموقع الجيوستراتيجي تتبلور أهمية اليمن على نحو أكثر وضوحاً، بشكل كاف لتفسير الكثير مما سبق ذكره من اهتمام وتنافس دوليين بها.
أما خطورة موقع اليمن اليوم، فإن بواعثها الموقع كذلك، ليس فقط بحكم إطلالها وسيطرتها المحتملة على “مضيق باب المندب”، ولكن كذلك بحكم وقوعها في تخصر جغرافي شبه متداخل مع المملكة العربية السعودية، ناهيك عن إشرافها المحسوس إقليمياً على منظومة دول الخليج العربي التي تشكل شريطاً مستطيلاً يمتد على طول هذا الخليج المهم دولياً، من ناحية الغرب، من البصرة حتى مسقط؛ بمعنى أن اليمن يمكن أن تلعب مختلف الأدوار السياسية والسكانية وحتى العسكرية المؤثرة على بقاء المنظومة الخليجية أعلاه أو على استقرارها وأمنها، بدليل أنه سبق طرحها مرشحاً للالتحاق بالمنظومة الخليجية. زد على هذا الاعتبار، الثقل السكاني الذي تجسد على ايام “حرب تحرير الكويت” وما تلاها حيث شعر اليمنيون والخليجيون، على حد سواء، بأهمية العمالة اليمنية وبفعل مواردها الاقتصادية الكبيرة، بعد الحرب أعلاه (1990).
أما اليوم، فإن سؤال خطورة اليمن لا يمكن أن يجيب عليه إلا رجل من عيار مايكل موريل Michael Morrell، الرجل الثاني في المخابرات المركزية الأميركية، CIA سابقاً. لقد أعلن “موريل” قبل بضعة ايام بوضوح عبر شاشة الـCBS إن اليمن يشكل أخطر بقعة في العالم، على الإطلاق، بالنسبة لأمن الولايات المتحدة الأميركية، باعتبار ما أنتجته من جماعات إرهابية وما أفرزته من “خبراء” إرهاب قفز بعضهم الى قوائم “أخطر رجل في العالم” مراراً، ناهيك عن هؤلاء الذين “تخرجوا” من خلايا الإرهاب في اليمن وإضطلعوا فعلاً باعمال إرهابية، من أمثال مفجري الطائرات التجارية، ومن أمثال الأخوين جوهر وتمرلان تسارنايف اللذين قاما بتفجير ماراثون مدينة بوسطن قبل بضع سنوات؟. زد على ذلك كله أن السيطرة على مضيق “باب المندب” تعني السيطرة على الحركة البحرية، ذهاباً وإياباً، مع إسرائيل ومع مصر باعتبار أن الذي يسيطر عليه يكتسب القدرة على تحديد ما يذهب إلى قناة السويس أو ما يخرج من الخليج العربي عبر خليج عمان باتجاه أوربا.
إن اليمن، وهذا ما يؤسفني ذكره، يمكن أن تتخذ ميداناً عالمياً وإقليمياً لتصفية أنواع الحسابات وأهمها، بالنسبة لواشنطن والعالم الغربي عامة، هي حسابات الحرب على الإرهاب، ملاحظين حقائق جوارها الإقليمي المساعد على “تفقيس” الإرهابيين، كالصومال من بين بقاع أخرى.
وبغض النظر عن الحاجة لإبداء الرأي ولأنشطة تبادله حول ما يحدث اليوم في اليمن، يبقى اليمن مرشحاً للمزيد من الأحداث الساخنة التي يمكن أن تأتي بمفاجآت غير واردة بالحسابات التقليدية.

إلى الأعلى