السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اصداف : أولى الجرائم

اصداف : أولى الجرائم

وليد الزبيدي

الطفل الذي نجى بأعجوبة من جريمة القتل الجماعي التي ارتكبتها الولايات المتحدة في ملجأ العامرية في الثالث عشر من شباط – فبراير 1991، خلال الحرب على العراق، هذا الطفل تجاوز عمره الان الخامسة والعشرين من عمره، وغالبية الاباء الذين نجوا من تلك المجزرة إما غادروا هذه الدنيا أو اصبحوا كهلة مهجرين مشردين داخل وطنهم وخارجه.
لا ينسى الفيتناميون جرائم أميركا في بلادهم، في حين اختفى حديث اهل الضحايا من الهنود الحمر، الذين ابادتهم السلوكيات والعقلية الأميركية لتنهي وجود أمة متكاملة طمعا بالأرض وما بداخلها من ثروات وما فوقها من غابات، وتعمل العقلية الأميركية على طمس جرائمها التي ترتكبها بحق الشعوب والامم، إما بإبادة تلك الشعوب أو بارتكاب جرائم بشعة اخرى، لكي ينسى الكثيرون الجرائم الوحشية السابقة، لهذا فأن العراقيين سوف لن ينسوا تلك الجريمة التي ارتكبتها الولايات المتحدة فجر ذلك اليوم من شهر شباط – فبراير 1991.
فقد كان القصف الجوي وبصواريخ كروز عنيفا وشديدا، يستهدف مدن العراق وفي مقدمتها العاصمة بغداد، وما كان من الشيوخ والنساء والاطفال إلا اللجوء إلى الملاجيء المحصنة في تلك الاحياء السكنية، وكان من بينها ملجأ العامرية في الضاحية الغربية من بغداد ، وما زالت صورة الاطفال والنسوة والشيوخ حيّة نابضة في ذاكرتي، فقد صادف أن مررت قرب الملجأ عند ساعات الغروب في تلك الليلة، ولا انسى اطلاقا مشهد الاطفال في احضان امهاتهم ولا كبار السن في عرباتهم، فقد كانوا يتقاطرون على الملجأ تحاشيا للقصف الاجرامي الأميركي.
لكن الاقمار الاصطناعية الأميركية كانت ترصد هؤلاء الابرياء بدقة، وتبين لاحقا أن العقول الأميركية قد هيأت قنابل خاصة لهذا الملجأ، إذ تم تصميم قنبلة تستهدف المبنى بعنف، بحيث تتسبب بإغلاق جميع الابواب ولا يمكن فتحها على الاطلاق، أما القنبلة الثانية فتخترق المبنى من اعلى، وتشعل حريقا هائلا بداخله ، وكان عدد الذين هربوا إليه اكثر من 400 امراة وطفل وشيخ.
دوى انفجار هائل سمعه الناس ببغداد وهزّ جانب الكرخ بعنف، هرع القريبون من الملجأ ليتناهى إلى اسماعهم صراخ الاطفال والنسوة والشيوخ، فقد كانت النيران تزحف عليهم بحقد أميركي اعمى لا مثيل له، ومع اشراقة الصباح كانت الاصوات تتحول إلى انين ثم ساد صمت الموت.
قبيل الظهر بدأت عمليات انتشال الجثث المتفحمة، وهناك الكثير منها قد تحول إلى رماد اختلطت فيه جثث الطفل بامه وبشيخ مريض طاعن في السن.
لا احد يكتب عن تفاصيل تلك الساعات لأن جميع من كانوا بداخل الملجأ قد قتلوا ، لكن عدة اطفال صادف بقاؤهم عند اقارب لهم، أما الاباء فقد كان غالبيتهم في جبهات الحرب ليصلهم خبر الحرق الأميركي لعائلتهم.

إلى الأعلى